تقف سميرة أحمد، وهي امرأة في العقد الرابع من عمرها، أمام معرض لسلع "أهلًا رمضان" بمنطقة فيصل، بينما تمعن النظر فيما يعرضه من سلع مقارنة بمثيلاتها في المحال التجارية الأخرى، في محاولة لتحقيق أقصى توفير ممكن في مشترياتها لشهر رمضان، تقول "الأسعار هنا أوفر شوية من المحلات والأسواق التانية، عشان كده قولت أجيب كل احتياجاتنا من هنا، الأسعار كل موسم بتزيد عن اللي قبله، عشان كده كل سنة بنستغني عن سلع وأجيب كميات أقل من السلع اللي لازم نشتريها".
تضم أسرة سميرة أربعة أفراد، ولا يتجاوز دخلهم الشهري 7 آلاف جنيه، وهو ما يضعهم تحت خط الفقر وفق تصنيف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في آخر بحث للدخل والإنفاق عام 2020، الذي ذكر أن معدل الفقر بلغ 29.7% من السكان. وعلى الرغم من زيادة الضغوط الاجتماعية وتعاقبها بدءًا من أزمة كوفيد إلى تصاعد التضخم وتكرار تعويم الجنيه، لم تُحدَّث البيانات الخاصة بالفقر في مصر.
تعمد سميرة إلى توزيع دخل الأسرة بين الإيجار والمصروفات الشهرية وادخار جزء بسيط للطوارئ، وما يتبقى توزعه على الغذاء، لكن التصاعد المستمر لأسعار السلع يجبرها على تغيير ميزانيتها كل شهر بالتخلي في كثير من الأحيان عن الفاكهة والاعتماد على تناول اللحم مرة واحدة في الأسبوع، وأحيانًا تضيف إلى نظامها الدجاج حسب الأوضاع، لكن هذا النمط الاستهلاكي "لا يناسب رمضان" كما تقول سميرة، مما يضاعف معاناتها الشهرية لتدبير مائدة أسرتها خلال شهر الصيام.
ارتفاع مستمر
بالرغم من أن رمضان يأتي هذا العام بمعدل تضخم منخفض لا يتجاوز 10% وفقًا للبنك المركزي، مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، فإن غلاء الأسعار لا يزال مهيمنًا على مائدة المصريين خلال هذا الموسم، لا سيما وأن البيانات كشفت أن معدل التضخم ارتفع بنسبة بلغت 180% مقارنة بعام 2021، الذي لم يتجاوز فيه المعدل السنوي 5.20%، ليبدأ في صعود مستمر ثم يبلغ ذروته في عام 2023 بمتوسط سنوي 33.9%.
(رسم بياني يوضح معدلات التضخم خلال آخر خمس سنوات)
وبالمقارنة بالحد الأدنى للأجور الذي لم يشهد هذه الوتيرة من الارتفاع خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث سجل الحد الأدنى للمرتبات في عام 2021 نحو 2400 جنيه، ليستقر عند 7000 خلال العام الماضي بمعدل ارتفاع بلغ نحو 192%. وبالرغم من هذه الزيادة، فإن الارتفاع المتواصل لأسعار السلع والمستلزمات الحياتية يلتهم كافة الأجور.
(رسم بياني يوضح الحد الأدنى للأجور خلال آخر خمس سنوات)
تغير النمط الاستهلاكي للطبقات
لم تختلف مائدة نادية جلال، التي تجاوز عمرها الخمسين عامًا، كثيرًا عن مائدة سميرة، فالتضخم الذي ضرب كافة أسعار السلع كان له أثره الأشد على أسرة نادية المكونة من خمسة أفراد، التي تعتمد في دخلها الشهري على معاش زوجها الذي كان يعمل بإحدى شركات القطاع الخاص، إلى جانب دخله من وظيفته كسائق حاليًا بأحد شركات التوصيل، حتى يتمكن من توفير نفقاتهم الشهرية.
فبالرغم من أن دخل أسرة نادية الذي يتخطى 20 ألف جنيه يضعهم ضمن فئات الطبقة المتوسطة، فإنهم كفئة هم الأكثر تأثرًا بالواقع الاقتصادي في مصر خلال السنوات الماضية.
تصف نادية التغير الذي طرأ على مائدتها الرمضانية، كون أسرتها من الطبقة المتوسطة، قائلة لـ"فكرة تاني": "إحنا ساكنين في شقة إيجار قديم في مصر الجديدة، ويمكن ده شوية بيوفر علينا في الإيجار ولكن الوضع مش مستقر مع القانون الجديد، خصوصًا إن الأسعار بتزيد بشكل سريع، وأنا معايا بنتين بجهزهم للزواج وده ضاعف علينا الالتزامات والأقساط، وطبعًا في رمضان الوضع مختلف ما قدرش أقلل كميات الأكل زي باقي الشهور، لكن بحاول استبدلها بمنتجات أقل شوية في الأسعار مختلفة عن استخدامنا المعتاد زي الجبن والألبان والبقوليات، وحتى اللحوم والدواجن، بقيت باعتمد على أنواع مختلفة شوية، وطبعًا العزومات والفطار والسحور بره البيت بقى فرصه أقل كتير عن قبل كده، عشان نقدر نكمل الشهر".
تظهر البيانات أن نسبة الارتفاع في اللحوم بلغت 275% بعد أن سجل سعر الكيلو نحو 450 جنيهًا مقارنة بـ120 جنيهًا في عام 2021، بينما لم تختلف نسبة الارتفاع كثيرًا في أسعار السمك الذي سجل ارتفاعًا بلغ 260% بعد أن زاد سعر كيلو السمك (البلطي) إلى 90 جنيهًا مقارنة بـ25 جنيهًا في عام 2021.
أما عن الدجاج فبلغت ذروة ارتفاعها العام الماضي، الذي سجل سعر الكيلو فيه نحو 110 جنيهات خلال بعض الفترات، لتبلغ نسبة الزيادة 243% لا سيما أن سعر الكيلو منها لم يتجاوز 35 جنيهًا خلال عام 2021.
وتوضح دراسة "الأوضاع الطبقية بعد القرارات الاقتصادية في مصر"، التي أعدها الباحث الاجتماعي الدكتور أحمد موسى بدوي، أن "التركيب الطبقي المصري في حالة سيولة بعد القرارات السياسية والاقتصادية الجديدة، وأن الحراك الطبقي الجماعي يتجه نحو الهبوط، وهناك بالتأكيد حالة انكماش طبقي تدفع برحيل أعداد كبيرة من أفراد الطبقة الوسطى المستقرة إلى الطبقة الوسطى الفقيرة، وتزداد معاناة الطبقة العاملة والفئات اللا طبقية. وهو حراك هابط بشكل مؤقت بحسب الوعود المعلنة من الحكومة، والخطر كل الخطر، أن تفشل السياسات أو ينحرف مسار توزيع عوائد التنمية المنتظرة، فيسقط المجتمع في هوة الحراك الطبقي الفئوي الاستغلالي الفاسد، والحراك الفردي الضفدعي المولد للإحباط والاغتراب، فتفقد مصر قدرتها على التماسك والنهوض، ونعود مرة أخرى للمربع صفر، والأمل أن تتمكن مصر من تجاوز محنتها، كما فعلت دول نامية عديدة، تشابهت ظروفها مع الحالة المصرية".
أطلقت الحكومة مطلع الأسبوع الماضي إجراءات دعم عاجلة تشمل توجيه ثمانية مليارات جنيه دعمًا نقديًا إضافيًا لعشرة ملايين أسرة من حاملي البطاقات التموينية بقيمة 400 جنيه تُصرف على دفعتين في مارس وإبريل المقبلين، ومنح أربعة مليارات جنيه لـ5.2 ملايين أسرة مستفيدة من برنامج "تكافل وكرامة" المخصص للأسر التي تعاني الفقر المدقع.
ويقول رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، محمود العسقلاني، لـ"فكرة تاني"، إن التضخم "أصبح أثره بالغًا على حياة المصريين بشكل عام، وتسبب في تغير نمط سلوكياتهم الاستهلاكية لا سيما في الطعام"، مستدركًا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا واضحًا في نمط الطعام على مائدة المصريين طوال العام ويصبح هذا التأثير أشد وطأة خلال شهر رمضان، لا سيما أن الاحتفالات الدينية والموسمية لدى المصريين ترتبط عادة بالمأكولات سواء في شهر رمضان أو الأعياد والمولد النبوي حتى في شم النسيم وبداية السنوات الهجرية والميلادية، فكل احتفال مرتبط بطقس من الموائد والمأكولات المخصصة له.
يوضح العسقلاني أن برامج الإصلاح الاقتصادي والاتفاقيات الخاصة بصندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة تسببت في تقليص نسبي لرأسمال الأسر في كافة الطبقات الاجتماعية، مما نتج عنه تراجع القوة الشرائية بشكل واضح نتيجة للارتفاع المستمر للأسعار في محاولة لاتباع ترشيد الاستهلاك الإجباري، بالإضافة إلى تغير واضح في نمط الاستهلاك سواء بتقليل كميات الطعام والاستغناء عن العديد من الأصناف، أو استبدال أخرى أقل بها، وأيضًا الاستغناء عن العزائم والمأكولات الجاهزة.
واتفق رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء مع ما أشارت إليه دراسة "الأوضاع الطبقية بعد القرارات الاقتصادية في مصر"، من أن المجتمع يشهد حراكًا طبقيًا، فالشريحة الأولى من أفراد الطبقة المتوسطة أصبحت تُصنف ضمن الطبقة الفقيرة، وأغلب الشرائح في هذه الطبقة هم الأشد تضررًا لبرامج الإصلاح الاقتصادي التي نتج عنها تحرير سعر الصرف والارتفاع المستمر للأسعار، خاصة أن دخلهم الشهري لم يلقَ الزيادة نفسها التي تمكنهم من مواجهة هذه الزيادة.
وأشاد عسقلاني بالحملات الحكومية التي تدعمها الدولة لدعم الأسر المختلفة لتوفير السلع بأسعار أقل من الأسواق لمواجهة الغلاء وجشع التجار، وطالب الحكومة بضرورة توجيه المزيد من برامج الحماية والدعم الاجتماعي نحو الطبقات المتوسطة لا سيما أنها تعد "ميزان المجتمع" على حد وصفه، مبينًا أنه في حالة انهيار هذه الطبقة وأبنائها، يظهر الخطر الحقيقي على الفئات الأخرى.
(رسم بياني يوضح الفرق في أسعار اللحوم والدواجن والسمك خلال الخمس سنوات الماضية)
أسعار الياميش تتضاعف كل عام
يقول عرفة أحمد (43 عامًا)، وهو محاسب في أحد البنوك، ويعول أسرة من أربعة أفراد، ويسكن في منطقة السيدة زينب، إن "كل سنة رمضان يجي بأعباء إضافية، خاصة مع الزيادة المستمرة للأسعار، بكون أمام معادلة صعبة عشان نوفر نفس احتياجاتنا اللي متعودين عليها كل سنة في حين أن أسعارها ممكن تكون اضعفت مرة واتنين"، مضيفًا: "بالرغم من إن دخلي بيساعدني في إنني أشتري كل احتياجاتنا لكن أحيانًا بضطر أقلل الكميات أو أغير الأصناف بأنواع تانية من الياميش، خاصة في التزامات تانية أساسية في المصروفات الشهرية زي الفواتير والبنزين والأقساط، في المقابل الجزء الشهري المخصص للطعام بحاول أزوده قبل رمضان عشان نقدر نوفر كل طلباتنا".
اختلفت نسب الارتفاع كليًا في ياميش رمضان الذي يعد أحد السلع الرئيسة التي تصاحب الاحتفاء بالموسم السنوي، فالبلح، وهو السلعة المشتركة على كافة الموائد في رمضان، بلغت نسبة ارتفاعه 600% خلال السنوات الخمس الماضية، بعد أن سجل سعر الكيلو منه نحو 70 جنيهًا مقارنة بنحو 15 جنيهًا خلال عام 2021، وتلاه قمر الدين الذي سجل نسبة ارتفاع بلغت 300% ووصل سعره إلى 100 جنيه مقارنة بـ25 جنيهًا في أول سنوات الرصد. لم تنجُ كافة سلع الياميش من الارتفاع المستمر لأسعارها على مدار السنوات الخمس سواء جوز الهند والزبيب والقراصيا والمشمشية والتين المجفف، التي تجاوزت الـ 200%.
وتبين دراسة "أثر التضخم على سلوك المستهلك الاقتصاد المصري.. نموذجًا" الصادرة عن مجلة آفاق اقتصادية معاصرة عام 2023، للباحث في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة حساني شحات محمد، أن الأفراد تستجيب للارتفاعات المتتالية في الأسعار من خلال تغير نمط الاستهلاك، والاتجاه لحفظ قيمة مدخراتهم من خلال تنويع حيازة الأصول، ويعد فقد الثقة في قيمة النقود وتوقع المزيد من الارتفاع في الأسعار من أسوأ ما يسببه التضخم، وبذلك يؤثر التضخم على سلوك المستهلك من عدة نواحي، أولها انخفاض القوة الشرائية التي تعد نتيجة مباشرة لارتفاع الأسعار، مما يقلص من الإنفاق الاستهلاكي، ومن ثم فإن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى فقدان القوة الشرائية للأسر وانعدام الأمن الغذائي، وخاصة في الدول النامية. كما يؤدي التضخم إلى التحول في أنماط الاستهلاك وتغيير المستهلكين لعادات الإنفاق.
من جانبه أوضح الدكتور أحمد خطاب الخبير الاقتصادي، أن معدلات التضخم تشهد تراجعًا ملحوظًا خاصة مع بداية العام الجديد، مقارنة بالسنوات السابقة وهو ما يلقي بظلاله على الأسعار بشكل مباشر، مشيرًا إلى أن فترة الإصلاح الاقتصادي التي شهدها الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية من المتوقع أن تجني ثمارها خلال المرحلة القادمة، وأن يلمس المواطن ذلك التحسن.
ويشير خطاب إلى أن ارتفاع الأسعار يرتبط بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية، في حين تسعى الدولة لتقديم كافة السبل التي يمكن أن تدعم من خلالها المواطن، سواء عن طريق المبادرات السلعية وتوفير المعارض التي تواجه الغلاء بأسعار أقل، أو من خلال مبادرات الدعم النقدي للأسر الأكثر احتياجًا.
وأما عن الآثار المجتمعية في مائدة المصريين خلال شهر رمضان، بين الدكتور وليد هنداوي استشاري الصحة النفسية أن المجتمع المصري يشهد نمط استهلاك غذائي مرتفعًا وكثيرًا ما كان يتسبب في إهدار الطعام لا سيما في شهر رمضان، وهو ما يبتعد تمامًا عن المفهوم الروحاني للشهر، لا سيما أن أرقام الاستهلاك الخاصة بطعام المصريين تتضاعف خلاله، مما يعد له تأثيرًا مجتمعيًا مختلفًا، موضحًا أن انتشار برامج الطهي ومقاطع الفيديو القصيرة "الريلز" لإعداد الطعام على منصات التواصل الاجتماعي يساهم في رفع شعور الإنسان تجاه الطعام مما يعد له تأثيرًا سلبيًا على الاستخدام الشخصي، كما أن ارتفاع نسب الدعاية للطعام والحلويات يساهم في اضطراب السلوك الاستهلاكي خلال شهر رمضان.
(رسم بياني يوضح الارتفاع في أسعار ياميش رمضان على مدار الخمس سنوات الماضية)
ورغم اتهامات الإسراف التي تلاحق المستهلكين في هذا الموسم، لا تجد سميرة بين ما اشترته الكثير من السلع التي كانت تعتبرها يومًا ضرورية، لكنها تلملم ما استطاعت تدبيره بعناية في أكياس بلاستيكية، مدركة أن مائدتها هذا العام ستكون أقل صخبًا، وأن أصنافًا كانت "ضرورات" باتت اليوم "ذكريات" من مواسم مضت. تغادر المكان وهي تلقي نظرة أخيرة على الزحام، تحمل معها همًا يوميًا لتدبير ما تبقى من أيام الشهر، لكنها تمضي في طريقها كحال نادية وعرفة وملايين غيرهم، يحاولون تطويع الواقع القاسي ليمرّ الشهر الكريم بسلام، بانتظار انفراجة حقيقية يلمسونها حقًا في جيوبهم، لا في الرسوم البيانية وتقارير الأرقام.