6 سنوات انقضت منذ ألقي القبض على أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية الدكتور أحمد التهامي للحبس الاحتياطي، كبرت خلالها طفلته التي كانت تبلغ عامين لتصبح في الثامنة من عمرها، وهي لا تعلم عن غيابه سوى رواية أسرية تفيد بذهابه في سفر طويل للعمل.
ومن هذه المسافة الزمنية الممتدة، تطرح قضية التهامي مفارقة رئيسية، إذ يقبع باحث أكاديمي معلوم محل الإقامة والعمل خلف الأسوار لمدد تتجاوز الحد الأقصى القانوني للحبس الاحتياطي، وفي الوقت ذاته يطالب دفاعه بتمكينه من المراجع العلمية داخل محبسه لاستكمال متطلبات ترقيته الأكاديمية.
تباين التواريخ وتجاهل الإخفاء القسري
بدأ المسار القانوني للقضية بتناقض مثبت في الأوراق الرسمية، إذا أبلغ التهامي نيابة أمن الدولة العليا، خلال التحقيق معه يوم 20 يونيو 2020، أن قوات الأمن ألقت القبض عليه من منزله يوم 3 يونيو. وفي المقابل، زعم ضابط قطاع الأمن الوطني في محضره أنه ألقى القبض على التهامي يوم 19 يونيو، أي قبل التحقيق بيوم واحد فقط.
ويوضح هذا التباين، بقاء التهامي رهن الإخفاء القسري لمدة 17 يومًا بالمخالفة لقانون الإجراءات الجنائية، وهي فترة فقد فيها القدرة على التواصل مع أسرته أو محاميه.
وامتدادًا لهذا المسار، تجاهلت النيابة بلاغ التهامي بتعرضه للإخفاء، وواجهته عوضًا عن ذلك بأحراز شملت جهازي "لاب توب" ومستندًا يتضمن السيرة الذاتية لرئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي، ورغم نفي التهامي المطلق لصلته أو ملكيته لهذه الأحراز، قررت النيابة حبسه على ذمة القضية رقم 649 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا، موجهة إليه اتهامات بالانضمام "إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي".
من قاعات البحث إلى لوائح الاتهام
وقبل هذا المسار القضائي، كان للتهامي سجل أكاديمي متدرج تشكل عبر سنوات طويلة، حيث عمل باحثًا بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بين عامي 1996 و2000، ثم باحثًا وأستاذًا في المعهد القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية حتى عام 2014. ومنذ عام 2014 عمل أستاذًا مساعدًا للعلوم السياسية بكلية الدراسات الاقتصادية بجامعة الإسكندرية، كما شغل موقع أستاذ زائر في جامعة برلين الحرة عام 2019، وله إسهامات منشورة في الدوريات العلمية.
ومع استمرار الحبس الاحتياطي لأكثر من عامين وأربعة أشهر حتى أواخر 2022، اتخذ التهامي خطوة تصعيدية بالإضراب الكلي عن الطعام والشراب في يونيو 2023، وبناءً على ذلك، تقدمت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في 7 يونيو 2023 ببلاغ للنائب العام حمل رقم 32276 لسنة 2023، طالبت فيه بفتح تحقيق عاجل في واقعة الإضراب، وإيداعه مستشفى السجن لتلقي الرعاية، وإخلاء سبيله. ثم عادت المؤسسة ذاتها في سبتمبر 2024 لتتقدم بطلب جديد برقم 60027 لسنة 2024 عرائض مكتب فني، للإفراج الوجوبي عنه بعد انقضاء مدة حبسه.
جلسات مؤجلة ومطالبات حقوقية
إجرائيًا، انعقدت ثاني جلسات محاكمة التهامي وتسعة آخرين في 7 فبراير الجاري، وتُعد هذه الجلسة الأولى فعليًا بعد تأجيل الجلسة السابقة في ديسمبر 2025 إداريًا لتعذر إحضار المتهمين، بحيث أضاف التأجيل حلقة زمنية جديدة إلى مسار ممتد أصلًا. وخلال الجلسة، أثبتت المحكمة إنكار المتهمين للاتهامات المنسوبة إليهم، وذلك دون أن توجه لهم سؤالًا مباشرًا حول ارتكابهم لتلك الجرائم من عدمه.
وفي السياق نفسه، طلب محامي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تمكين التهامي، داخل محبسه بمركز الإصلاح والتأهيل بدر 1، من الحصول على كتب وأبحاث علمية لإعداد دراساته للحصول على درجة الأستاذية، إلى جانب طلب سماع ومناقشة شهود الإثبات، وبينما لم تعلن المحكمة قرارها بشأن تمكين التهامي من استئناف أبحاثه، اكتفت بتأجيل النظر لجلسة 11 مارس المقبل لسماع شاهد الإثبات الأول.
وبالتوازي مع المسار القضائي، طالبت المنظمات الحقوقية وزملاء التهامي بإنهاء حبسه، فقد انضم أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور مصطفى كامل السيد إلى مناشدات والد التهامي، معتبرًا استمرار هذا الوضع هدرًا لطاقات شابة، وداعيًا لإخراجه من هذه "الدائرة العبثية".
اقرأ أيضًا:مكانها فاضي | مائدة الإفطار تفتقد مروة عرفة للعام السادس على التوالي
وفي 10 فبراير الجاري، أصدرت المبادرة المصرية بيانًا أعلنت فيه أن التهامي قضى نحو ثلاثة أضعاف الحد الأقصى القانوني للحبس الاحتياطي، رغم انتفاء أسباب الحبس وفق المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية، وحملت هيئة المحكمة مسؤولية تطبيق القانون والإفراج عنه، مشيرة إلى أن مكان إقامته وعمله معلومان، وأن خروجه لن يؤثر على التحقيقات أو الشهود الذين يعملون جميعًا كضباط بالأمن الوطني.
وتنص المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "يجوز لقاضي التحقيق، بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه، إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقبًا عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، والدلائل عليها كافية، أن يصدر أمرًا بحبس المتهم احتياطيًا، وذلك إذا توافرت" عدة دواعي محددة، هي: حالة التلبس، والخشية من هروب المتهم، والخوف من طمس الأدلة أو التأثير على الشهود للإضرار بالتحقيق، ومنع الإخلال الجسيم بالأمن العام، أو غياب محل إقامة ثابت للمتهم في مصر.
وفي ضوء هذا النص القانوني، يُمثل ملف الدكتور أحمد التهامي نموذجًا لقضايا المحبوسين احتياطيًا في قضايا الرأي، إذ يثير المسار الإجرائي للقضية تساؤلات قانونية عن تجاوز فترات الحبس الاحتياطي للحدود المقررة، وتحوله إلى إجراء عقابي مستقل يهدد حياة المتهمين وأسرهم.