واصل الجنيه المصري تراجعه أمام الدولار، اليوم الإثنين، لترتفع إجمالي خسائره خلال 9 أيام فقط إلى قرابة 2%، وذلك رغم إعلان صندوق النقد الدولي قرب حصول مصر على تمويلات بقيمة 2.7 مليار دولار، ضمن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج "التسهيل الائتماني الممدد"، والمراجعة الأولى لبرنامج "المرونة والاستدامة".
ووصل سعر صرف الدولار إلى مستوى 47.75 جنيه للشراء و47.85 جنيه للبيع في تعاملات البنوك المُبكرة اليوم الإثنين مقابل 47.71 جنيه للشراء و47.81 جنيه للبيع أمس و47.54 جنيه للشراء و47.64 جنيه للبيع يوم الخميس الماضي، ليبلغ إجمالي مكاسب العملة الخضراء 95 قرشًا في غضون 9 أيام متتالية.
لماذا يرتفع الدولار رغم تراجع استيراد السلع الأساسية؟
ويُعد ارتفاع العملة الأمريكية محليًا مع حلول شهر رمضان أمرًا مثيرًا للاستغراب، إذ يأتي بالتزامن مع انخفاض حجم الطلب الفعلي على الدولار، بعد تمكن المستوردين من سداد كافة التزاماتهم الخارجية وإتمام تعاقداتهم الخاصة بالسلع الرمضانية التي يرتفع عليها الإقبال، وتُستورد عادة قبل بدايته بشهر على الأقل.
كذلك لا يرتبط هذا الصعود بموسم عمرة رمضان، ففي ظل تراجع معدل حجوزات رحلات العمرة خلال موسم 2026 مقارنة بموسم 2025، انخفض الطلب المعتاد على العملة، وذلك وفقًا لتصريحات صحفية سابقة لأحمد البكري، عضو الجمعية العمومية للاتحاد المصري للغرف السياحية.
وأمام هذه المفارقة، تعزو المصادر المصرفية الرسمية ارتفاع الدولار إلى صعوده عالميًا، تزامنًا مع انتهاج البنك المركزي المصري سياسة "مرونة الصرف" بشكل كامل دون التدخل لدعم الجنيه.
هروب "الأموال الساخنة"
في المقابل، ترى مصادر اقتصادية مستقلة أن الأسباب أعمق بكثير، وترتبط في المقام الأول بخروج ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة" من السوق المصرية، تحت وطأة المخاوف من التهديدات الأمريكية المتواصلة بشن ضربات عسكرية على إيران.
والأموال الساخنة استثمارات أجنبية قصيرة الأجل، تتنقل سريعاً بين الأسواق بحثاً عن أعلى عائد، وتنسحب فجأة عند ظهور أي مخاطر.
وارتفع الدولار مدفوعًا ببيانات أمريكية أظهرت معدلات تضخم أعلى من التوقعات، مما يعني استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ومع ذلك، كان ارتفاع الدولار محليًا أعلى بكثير من وتيرة صعوده العالمي، إذ بلغت مكاسبه أمام الجنيه خلال شهر فبراير الجاري حتى الآن نحو 1.5%.
سباق البنوك لتوفير العملة الصعبة
وبالتوازي مع ارتفاع الدولار في شركات الصرافة التقليدية، حققت العملة الأمريكية قفزة أكبر في تعاملات "الإنتربنك"، وهي سوق داخلية تشتري فيها البنوك العملة الصعبة من بعضها البعض تحت رقابة البنك المركزي، وزاد حجم التعاملات في هذه السوق بنسبة هائلة بلغت 256% على المستوى الأسبوعي، ليسجل 944 مليون دولار بنهاية تعاملات الخميس الماضي، مقارنة بـ 264.8 مليون دولار في ختام تعاملات الأسبوع السابق له.
ويوضح الخبير المصرفي، طارق متولي، لـ"فكر تاني" أن ارتفاع الدولار جاء نتيجة تضافر عدة عوامل تقنية واقتصادية معقدة، يأتي في مقدمتها فجوة "السيولة الدولارية" اللحظية، فرغم استقرار الاحتياطي النقدي، شهد السوق طلبًا مجمعًا من شركات القطاع الخاص لتغطية "اعتمادات مستندية" معلقة. وبدورها، بدأت البنوك في تمرير هذه الطلبات بمرونة أكبر تماشيًا مع سياسات البنك المركزي، مما أدى إلى زيادة الضغط على المعروض اليومي في سوق "الإنتربنك".
والاعتمادات المستندية، بطبيعتها، خطابات تُصدرها البنوك بناءً على طلب العميل المستورد، وتتعهد فيها بدفع مبلغ معين لصالح المُصدِّر (البائع في الخارج)، مقابل تقديم مستندات تتطابق مع الشروط المتفق عليها بين البنك والعميل.
ويشير "متولي" إلى عامل آخر لا يقل أهمية، وهو خفض الفائدة الأخير. فبعد قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي بخفض سعر الفائدة بنسبة 1% في اجتماع 12 فبراير (لتصل إلى 19% للإيداع و20% للإقراض، بإجمالي تخفيضات بلغ 8.25% خلال الأشهر العشرة الماضية)، بدأ بعض المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية (السندات والأذون) في عمليات "جني أرباح". وتطلب تحويل جزء من استثماراتهم للخارج شراء دولارات من السوق المحلي، مما أدى إلى رفع السعر بشكل تلقائي ومؤقت.
هل نحن أمام أزمة جديدة أم تصحيح مؤقت للأسعار؟
إلى جانب العوامل المباشرة، يشير الخبير المصرفي إلى أن الجنيه عانى من ضغوط غير مباشرة قادمة من سوق "العقود الآجلة" للجنيه لمدة 12 شهرًا، التي بدأت تسجل مستويات تقترب من 50 جنيهًا للدولار. هذا التباين دفع بعض المتعاملين إلى التحوط عبر شراء الدولار في الوقت الراهن، وهو ما انعكس فورًا على السعر الفوري داخل البنوك، وأدى إلى تباطؤ وتيرة التنازل عن الدولار من قِبل حائزيه.
ومع بداية شهر رمضان، يميل الأفراد والشركات المُصدِّرة إلى الاحتفاظ بالسيولة الدولارية ترقبًا لأي تحركات سعرية قادمة، مما يُقلص من حجم تدفق الدولار من "داخل المجتمع" إلى القطاع المصرفي، ويجبر البنوك على رفع سعر الشراء لجذب هذه السيولة.
علاوة على ذلك، يرى "متولي" أن العجز التجاري غير البترولي، وزيادة فاتورة الاستيراد للسلع غير النفطية (مثل خامات المصانع والسلع الوسيطة)، بدأت تظهر تداعياتها بقوة في ميزان المدفوعات خلال هذا الربع. ومع غياب تدفقات دولارية استثنائية ضخمة (على غرار صفقة "رأس الحكمة") في الأسابيع الأخيرة، عاد السوق للاعتماد الكلي على موارده التقليدية التي لا تزال ترزح تحت الضغط.
ورغم ذلك، انخفض العجز في الميزان التجاري خلال أول 10 أشهر من عام 2025 بنسبة 12%، ليبلغ 30 مليارًا و346 مليون دولار، مقارنة بـ 34 مليارًا و421 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من العام السابق. جاء هذا الانخفاض رغم ارتفاع إجمالي الواردات المصرية إلى 74 مليارًا و738 مليون دولار (بزيادة 4% عن العام السابق).
ويشدد "متولي" على أن الارتفاع الحالي يُعد "تصحيح فني" ناتج عن مرونة سعر الصرف. فطالما ظل السعر يتحرك في نطاق يتراوح بين 2% إلى 3% صعودًا وهبوطًا، فهذا مؤشر إيجابي على صحة السوق واختفاء "السوق السوداء" تمامًا، حيث بات البنك المركزي يمتص الصدمات عبر تحريك السعر، وليس عبر استنزاف الاحتياطي النقدي.
أعباء الديون
من جهة أخرى، تُرجح بنوك الاستثمار أن يكون ارتفاع الدولار مدفوعًا بقيام المستثمرين الأجانب بتخفيض محافظ استثماراتهم بشكل مؤقت كإجراء احترازي، تحسبًا لتعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، وتزايد التلميحات باحتمالية اندلاع تصعيد عسكري في المنطقة، على أمل العودة مجددًا فور اتضاح الرؤية.
وتؤيد خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، هذا الطرح، موضحةً أن تراجع الجنيه له علاقة وثيقة بـ"الأموال الساخنة". وتشير في تصريحات لـ"فكر تاني" إلى أن سندات الخزانة المصرية التي تُطرح بالدولار لا تحظى بتغطية كاملة في الوقت الحالي، نتيجة لتذبذب سعر صرف الجنيه أمام العملة الأمريكية.
وتضيف "رمسيس" بُعدًا عالميًا للأزمة، لافتة إلى أن الدولار يستفيد حاليًا من أصداء "الصفقة المحتملة" بين روسيا والولايات المتحدة، التي من شأنها أن تعيد للعملة الأمريكية زخمها بعد أن سجلت أدنى مستوياتها في 18 عامًا خلال الشهور الماضية، بالتزامن مع ارتفاع عوائد أذون الخزانة الأمريكية بنسبة 4%. إذ تدرس روسيا العودة إلى نظام التسوية بالدولار كجزء من شراكة اقتصادية محتملة مع إدارة الرئيس "ترامب" لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وهو مقترح يشمل التعاون في مجالات النفط، والغاز الطبيعي، والمواد الخام الحيوية.
وفي سياق متصل، يربط بعض المحللين صعود الدولار بوجود مدفوعات ديون خارجية مستحقة على مصر، تُقدر بنحو 28 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026 (يناير - مارس). ورغم أن من بينها 13.6 مليار دولار عبارة عن "ودائع" لدى البنك المركزي، فإن هذا الحجم من الالتزامات يخلق طلبًا محليًا إضافيًا على العملة الصعبة للوفاء بها.
ورغم هذه المخاوف، كشفت وكالة "كابيتال إنتليجنس" للتصنيف الائتماني عن توقعات إيجابية بتراجع احتياجات التمويل الخارجي لمصر، من 20% من الناتج المحلي في العام المالي 2025/2026، إلى متوسط 15.9% خلال العامين الماليين التاليين.
وتتوقع الوكالة أن تنخفض هذه النسبة إلى 9.5% في حال استبعاد ودائع الدول العربية التي أثبتت استقرارها تاريخيًا، مما يعني أن الضغط الحالي على الدولار هو ذو طبيعة "مؤقتة" وليس اتجاهًا مستدامًا.
من جانبها، ترى "رمسيس" أن سعر الصرف الحالي في مصر لا يعكس القيمة الحقيقية للدولار عالميًا، مشيرة إلى أن التعويم لا يزال يُدار محليًا من قِبل البنك المركزي.
كيف تحصن سياسات "المركزي" السوق من العودة لكابوس 2022؟
ومع بلوغ حجم الاستثمارات الأجنبية في أوراق الدين الحكومية نحو 45 مليار دولار (بحسب أحدث بيانات البنك المركزي)، تتصاعد المخاوف من تكرار سيناريو عام 2022، حينما خرجت 22 مليار دولار من الأموال الساخنة دفعة واحدة، مما تسبب آنذاك في أزمة طاحنة، وارتفاع جنوني للدولار في السوق السوداء، وعجز البنوك عن تمويل الطلبات الاستيرادية.
لكن هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي ومستشار محافظ البنك المركزي السابق، يرى أن معظم هذه "الأموال الساخنة" غير مُدرجة ضمن احتياطي النقد الأجنبي الفعلي. ويوضح، في تصريحات لـ"فكر تاني" أن الإدارة الحالية للبنك المركزي، بقيادة المحافظ حسن عبد الله، تتبنى النهج الحذر نفسه الذي أرساه المحافظ الأسبق فاروق العقدة، ويعتمد على "تجنيب" تلك الأموال الساخنة في حسابات منفصلة، لضمان ألا يكون لخروجها المفاجئ أي تأثير عنيف أو مدمر على الاحتياطي النقدي الاستراتيجي للبلاد.