مكانها فاضي | مائدة الإفطار تفتقد مروة عرفة للعام السادس على التوالي

"أحلى ما في رمضان اللمة".. عبارة قد ترددها شاشات التلفزيون مع دقات ساعة الإفطار، فتثير في نفوس الجالسين إلى المائدة شعورًا بالألفة والامتنان، لكنها، لا تملك الأثر ذاته في منزل السجينة مروة عرفة، حيث يجلس أب وأم مكلومان، وإلى جوارهما طفلة وحيدة مصابة بالتوحد، تنتظر عودة أمها الغائبة منذ سنوات.

في ذلك المنزل الكائن بشارع السودان في منطقة الدقي، تقضي الأسرة رمضانها السادس من دون ابنتها، بينما تكبر الطفلة "وفاء" بعيدًا عن حضن أمها المحبوسة احتياطيًا منذ ست سنوات، على ذمة القضية رقم 570 لسنة 2020 (حصر أمن الدولة العليا).

من مقاعد الجامعة إلى غياهب السجن

تعود جذور المأساة إلى أبريل من عام 2020، حين اقتحمت قوات الأمن منزل مروة فألقت القبض عليها، وصادرت هاتفها وبعض المبالغ المالية، ثم أخفتها قسريًا لمدة 14 يومًا قبل عرضها على نيابة أمن الدولة. حينها، كانت مروة -المولودة عام 1993، ودرست الأدب الإنجليزي وعملت مترجمة مستقلة- طالبة في سنتها الدراسية الثالثة ببرنامج كلية السياسة والعلوم الاقتصادية بالجامعة الأمريكية. ورغم قسوة التجربة، سعت لاحقًا لدراسة الحقوق من داخل محبسها، لكن إدارة السجن لم تسمح لها بذلك.

خلال التحقيقات، وُجهت لمروة الاتهامات المعتادة في مثل هذه القضايا، نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والانضمام إلى جماعة إرهابية ومشاركة أهدافها وتمويلها. ومنذ عام 2020، يتجدد حبسها كل 45 يومًا على مدار خمس سنوات، متجاوزًا بذلك الحد الأقصى لفترات التجديد المنصوص عليها في القانون المصري بثلاث سنوات.

الطفلة تدفع ثمن الغياب

لم يتوقف أثر الاعتقال القاسي عند مروة وحدها، بل امتد ليضرب طفلتها الصغيرة التي لم تكمل عامها الثاني وقت القبض على أمها. وبعد سنوات من الغياب، كبرت الطفلة وحيدة. تصف الدكتورة وفاء حفني، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة ووالدة مروة، حالة حفيدتها قائلة "تعاني وفاء من اضطرابات نفسية، وصعوبات في النطق، وتدهور واضح في القدرة على التواصل بعد حبس أمها".

دفع هذا الوضع المأساوي الدكتورة وفاء لمناشدة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في يناير قبل الماضي، عبر منصة "فكّر تاني"، للإفراج عن ابنتها. وجاء في رسالتها "السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نرجو إنهاء حبس مروة أشرف محمد محمد عرفة، المحالة للمحاكمة بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية، وذلك نظرًا لظروفها الأسرية، حيث إنها تركت رضيعتها قبل أن تتم عامين، والآن هذه الطفلة التي فقدت والدتها لأكثر من 5 سنوات أصيبت بالتوحد. الطفلة الآن تبلغ 6 سنوات وهي في أمسّ الحاجة إلى حضن والدتها".

وقد كررت الدكتورة وفاء نداءاتها عبر المنصة ذاتها مرات عدة، بالتوازي مع تقديمها طلبين إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، ومدير قطاع الحماية المجتمعية بوزارة الداخلية (مصلحة السجون سابقًا)، لتحسين ظروف احتجاز ابنتها وتمكينها من حقوقها في استكمال دراستها العليا التي يكفلها القانون، إلا أنها لم تتلق أي رد حتى الآن.

أزمة صحية وانسداد قانوني

توالت النداءات، لكن نداء الأم الأخير في 18 أغسطس الماضي حمل طابعًا مختلفًا وأكثر إلحاحًا، إذ ناشدت الجميع بكفالة رعاية صحية مناسبة لابنتها إثر تعرضها لأزمة صحية خطيرة وتشخيصها بجلطة، بالتزامن مع مطالب حقوقية واسعة تدعو لإنصافها العاجل.

وفقًا لتوثيق "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، فوجئت الأم خلال زيارتها لابنتها في 16 أغسطس بأن مروة لا تقوى على الحركة بمفردها. وأوضحت أن الحالة تدهورت بشكل مفاجئ يوم 13 أغسطس بسقوط مروة مغشيًا عليها، ما استدعى نقلها إلى المستشفى الملحق بسجن العاشر من رمضان، حيث أكد الطبيب المعالج حاجتها لإجراء فحوصات إضافية غير متوافرة داخل مستشفى السجن.

ورغم هذا التدهور الخطر، رفضت نيابة أمن الدولة العليا ونيابة القاهرة الجديدة الكلية، في 19 أغسطس الماضي، تسلم الطلبات المقدمة من عضوي هيئة الدفاع، إسلام سلامة (محامي المبادرة المصرية) والمحامي مختار منير، للتصريح بنقلها إلى مستشفى خارجي.

على إثر ذلك، طالبت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" بتحرك عاجل من دون إبطاء لإنقاذ حياة مروة، التي تواجه مخاطر تهدد حياتها جراء حرمانها من الرعاية الطبية اللازمة، مشيرة في بيانها إلى عدم قانونية استمرار حبسها. كما حمّلت المبادرة كلًا من وزارة الداخلية وهيئة قضاة "الدائرة الأولى إرهاب" المسؤولية الكاملة عن صحتها وسلامتها. وفي المقابل، لم تعلق وزارة الداخلية على بيانات المبادرة، وإن كانت تؤكد في بياناتها المتواترة حرصها على صحة السجناء.

نداء للمحكمة

في مسار التقاضي، كانت أولى جلسات محاكمة مروة قد بدأت في يوليو الماضي أمام "الدائرة الأولى إرهاب" بمجمع محاكم بدر، وخلال جلسة عُقدت منذ أيام، تحدثت مروة إلى المحكمة مطالبة بإخلاء سبيلها "ولو تحت الإقامة الجبرية"، لتتمكن من رعاية طفلتها المصابة بالتوحد، مؤكدة استعدادها لحضور جميع الجلسات.

غير أن المحكمة لم تستجب لندائها، وقررت تأجيل القضية إلى جلسة 21 أبريل المقبل، بعد أن أنهت نيابة أمن الدولة العليا مرافعتها مطالبة بتوقيع أقصى عقوبة.

ليبقى السؤال المعلق أمام كل هذه المعطيات، هل تُنصت العدالة لطلب خروج إنساني، ولو تحت الإقامة الجبرية، بعد كل هذه السنوات من الحبس وحرمان طفلة وحيدة من أمها؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة