"تحت السجادة".. حكايات الاغتيال المعنوي والمساومات ضد الصحفيات

لم تتوقع ليلى العبد (44 عامًا)، الصحفية السابقة في موقع "أهل مصر"، أن يتحول منشور على فيسبوك إلى نقطة فاصلة في مسيرتها المهنية، فقبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحفيين عام 2025، انضمت إلى مجموعة يفترض بها مناقشة شؤون الصحفيين في مؤسستها، لكنها سرعان ما تحولت إلى منصة للهجوم عليها والتشهير بها، في مسار انتهى بفصلها من عملها.

كان ثمة صحفي معروف بعدائه للصحفيات وتطاوله عليهن، وفق قولها، يدير المجموعة "هو كان بيهاجم الكل، وأنا كلمته على الخاص أكتر من مرة ليتوقف عن ذلك، ولكن من دون جدوى"، ما دفعها للخروج من المجموعة، والكتابة على صفحتها، من دون التطرق إلى تفاصيل، أنها ستتناول قضايا النقابة عبر حسابها الشخصي من دون الحاجة إلى الانضمام لأي من مجموعات التأييد أو المناصرة، لتفاجئ بالصحفي المذكور يقتحم منشورها بتعليق "مهين"، يتهمها فيه بـ"البكاء" له أكثر من مرة، وطلب "الحماية" من إدارة الصحيفة التي تعمل بها.

حذفت ليلى المنشور تجنبًا لأي تصعيد علني، لكنّ الهجوم لم يتوقف، وتطور الأمر إلى منشورات يتحدث فيها الصحفي عن ليلى بالاسم، لتتحول بعدها إلى مادة دسمة يتناولها البعض في أحاديثهم العابرة، وذلك قبل ساعات قليلة، من إقدام إدارة صحيفتها الإلكترونية على إغلاق لوحتها التحريرية للموقع، وسحب كل ما أسند إليها من مهما، من دون إخطار مسبق "الإدارة صدقته وبقت حرب".

قصة ليلى ليست استثناء، بل تندرج ضمن "نمط متكرر" من عنف رقمي تواجهه الصحفيات نتيجة عملهن، الذي غالبًا ما يحمل طابعًا جندريًا، حيث تشير دراسات كثيرة إلى أن الصحفيات يتعرضن لأشكال العنف الرقمي من تهديدات ومضايقات بشكل غير متكافئ، مقارنة بزملائهن من الرجال.

كما تُظهر الأرقام أنه من بين أربع صحفيات، تتعرض ثلاث منهن للعنف الإلكتروني، فوفق استطلاع لليونسكو تعرضت 75 في المئة من الصحفيات (من إجمالي 354 مستجيبة) للعنف الإلكتروني في أثناء أداء عملهن.

ولا يقتصر العنف الإلكتروني على نطاق "الكلام المسيء" عبر الشبكات، بل يمتد إلى أذى ملموس في الحياة اليومية، إذ ارتفعت نسبة الصحفيات اللاتي ربطن الاعتداءات الواقعية بالعنف الرقمي من 20 في المئة، في دراسة سابقة لليونسكو عام 2020، إلى 42 في المئة في استطلاع عام 2025، ما يشير إلى تصاعد خطر "العنف الرقمي الذي يترجم إلى أذى حقيقي".

لست جبانة ولكني أم

قد تختلف الوجوه والتفاصيل، لكن التجربة في جوهرها واحدة، هجوم يبدأ على الشاشات ويمتد أثره إلى الواقع المهني والنفسي، مخلفًا عواقب مُخيفة لا تنتهي عند لحظة الانتهاك، أو تتوقف عند الضحية فقط.

ريهام* صحفية استقصائية، كانت تعمل على تحقيق بشأن نشاط أحد المصانع حين انهالت عليها اتصالات هاتفية، ووصلتها رسائل وصفتها "بالمزعجة والقذرة" على حساباتها على السوشيال ميديا، لم على الإساءة اللفظية بحقها وحسب، بل امتدت لتطول عائلتها أيضًا.

تقول ريهام، إن من يلاحقها "بدأ يديني تفاصيل عن بيتي، وعن أولادي، وجوزي… ووصل للعائلة الكبيرة"، مشيرة إلى أنها تلقت تهديدًا مباشرًا بالقتل، ورسائل واضحة بالقدرة على الوصول إليها، وهو الأمر الذي خلف لديها أثر نفسي وجسدي مباشر، وصل إلى فقدان مؤقت للقدرة على النطق، وحالة من الرعب المستمر داخل المنزل، وهو وضع تصفه قائلة "انهرت صحيًا ونفسيًا، فقدت النطق ما يقرب من أسبوع… كنت مرعوبة وفي حالة هستيريا، أقفل باب الشقة 3–4 مرات".

حاولت ريهام أن تجنب أفراد عائلتها الأذى ما استطاعت، ووصلت حالة انعدام الأمان التي تعانيها إلى الحد الذي فضّلت ترك ابنها وحيدًا على أن ترسله للحضانة، خوفًا من أن يصيبه مكروه مُدبر. تقول "كنت أضطر إلى ترك طفلي الرضيع وحده في المنزل… كنت أفرش له مرتبة على الأرض، وأحيطها بالأغطية خوفًا من أن يتحرك". وتضيف "مش عشان أنا صحفية جبانة، لكن عشان أنا أم جبانة بخاف على أولادي".

الأثر النفسي والجسدي كان حاضرًا في شهادات كل من قابلناهن، وانعكس بشكل مباشر على علاقاتهن الاجتماعية وعملهن الصحفي أيضًا، ومع استمرار التهديدات، وجدت ريهام ضرورة في تغيير طبيعة عملها داخل الجريدة، وعملت على مواد أقل حساسية، مبتعدة عن الملفات الاستقصائية للعمل.

رب البيت يضرب الدف

يُفترض أن تقوم المؤسسات الصحفية بدور الحامي، وأن توفر للعاملين بها آليات واضحة للإنصاف والمساءلة عند التعرض لأي انتهاك، لكنّ شهادات الصحفيات تكشف عن واقع مغاير.

وبينما لا توجه ريهام اتهامًا لمؤسستها بالضلوع في التهديد، فإنها في المقابل لم تجد آلية واضحة للحماية أو الدعم، بل تصف تعامل الإدارة بأنه اقتصر على التهدئة اللفظية، في حين استمرت العلاقة التجارية مع الطرف المؤذي والمُهدِّد لها. تقول "ولا أي حاجة، (مديري) قالي ما تخافيش، وبعت مندوب الإعلانات وأخذ إعلان". وترى ريهام أن ما حدث لم يكن مجرد تقاعس، بل شكل من أشكال المتاجرة بالأزمة "هو باعني أنا… هو عمل تسليع للقضية".

أما ليلى فلا تملك سوى توجيه اتهام للإدارة في مؤسستها، إذ لم تقتصر أزمتها على إنهاء عملها، بل وصل الحال إلى أن مسؤولة في مؤسستها نشرت معلومات خاصة عنها، وتطرقت إلى تفاصيل حياتها الاجتماعية؛ زواجها وطلاقها وحالتها الصحية التي أخفتها عن أقرب الناس لها، وفق روايتها.

مساومة جنسية بمباركة مؤسساتية

في شهادة ليلى وريهام، لم تلجأ أي منهما إلى تقديم شكوى داخل مؤسستيهما، ولسان حالهما "نشكي مين لمين"! أما ياسمين* " فتروي قصة مختلفة، حيث كانت آنذاك طالبة جامعية في سنتها الدراسية الأولى، وصحفية مبتدئة (متدربة) قادمة من بيئة ريفية، دخلت مجال الصحافة بوصفه حلمًا "كنت شايفة الصحافة حياة وردية، كنت أعتقد أن ده بيتي الكبير". ذلك قبل أن يبدأ أحد مديري التحرير بالتقرب منها، تحت غطاء التدريب والدعم المهني.

تحول ذلك "الدعم" إلى رسائل يومية، ثم إلى تجاوزات متصاعدة بلغت ذروتها خلال تغطية ندوة مسائية، حين أمسك يدها ومنعها من المغادرة من دون إذنه. لاحقًا، أرسل لها صورة تُظهره عاريًا، وعرض عليها ترقية مقابل "إقامة علاقة جنسية معه". لم يكن العرض ملتبسًا، بل صريحًا، مستغلًا سلطته بالعمل، وصغر سنها، وهشاشتها النفسية في تلك الفترة.

قررت ياسمين اللجوء إلى الإدارة العليا، مدفوعة بدعم زميل وقف إلى جانبها، لكن جاءت الصدمة الأكبر في رد فعل رئيس تحريرها، الذي رأى الأمر "عرضًا وطلبًا" بإمكانها رفضه، مختزلًا التحرش في "اختيار شخصي"، ومبرئًا المؤسسة من أي مسؤولية، وكأنّ الضحية طرف في صفقة وهمية. بل أرسل إليها هو نفسه ملابس داخلية، وفقًا لشهادتها، كهدية، وتابعها برسائل للتأكد من وصولها.

الأدهى أن مثل هذه الأفعال تمر مرور الكرام، فقبل سنوات اتهمته صحفية بالتحرش بها، وكان يومها مدير تحرير فقط، واليوم يعلو في السلطة ويمعن في الانتهاك، وكأنه يُكافأ عما يفعل، حسب ياسمين.

أزمة الصحفيات "تحت السجادة"

تقول نفيسة الصباغ، وهي صحفية وناشطة نسوية، إن ما تواجهه الصحفيات لا يعبر عن حالات فردية، لافتة إلى أن المفارقة الأساسية تتمثل في كون الانتهاكات الرقمية "أسهل في الإثبات"، مقارنة بالانتهاكات المباشرة التي تظل بلا محاسبة، لأن الضحايا عادة لا يملن للجوء إلى القانون بشكل مباشر، خشية فقدان فرصة العمل، ومصدر رزقهن.

شاركت نفيسة الصباغ في صياغة "سياسة حماية"، لكنهّا تقول إنها واجهت "مقاومة" داخل الجمعية العمومية في نقابة الصحفيين للخروج بها. وتشير إلى أن هناك عدة دعوات متجددة من المؤسسات والنقابة، لوضع سياسات وآليات شكوى وحماية، لكن من دون أي خطوات فعلية على الأرض.

وتستند حماية المؤسسات الصحفية والصحفيين إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، رقم 180 لسنة 2018. وتشمل الحماية ضمانات قانونية للمؤسسات (مثل حماية الملكية الفكرية) وحماية الصحفيين في أثناء ممارسة عملهم، لكنهّا لا تنص صراحة على دور المؤسسة في حال تعرضت الصحفية للتحرش مثلًا، أو لتهديدات نتيجة عملها.

من جهتها، تقول عضوة مجلس نقابة الصحفيين، ورئيسة لجنة المرأة، إيمان عوف، إن غياب آليات الحماية ليس استثناء "أكثر من 90 في المئة من المؤسسات الصحفية لا توجد بها سياسات حماية"، مضيفة أن هذا الغياب مرتبط بموقع قضايا النساء، كونهن خارج أجندة الأولويات.

وتربط إيمان هذا الفراغ بتصاعد العنف الرقمي ضد الصحفيات، لافتة إلى أن هذا التصاعد لا يقابله إبلاغ أو مساءلة حقيقية "الحقيقة في غياب آلية الشكاوى، وفي غياب حماية المبلّغين والشهود".

ويقر حسين الزناتي، وكيل أول نقابة الصحفيين، بوجود قصور في سياسات الحماية داخل الوسط الصحفي، خاصة فيما يتعلق بالانتهاكات الرقمية، ومع ذلك، يرى أن المؤسسات القومية أكثر قدرة على الضبط والمحاسبة. واستنادًا إلى تجربته رئيسًا للتحرير، يقول "على مدار خمس أو ست سنوات، محصلش عندي حاجة واحدة من هذه الأمور".

لكنّه يعترف في المقابل بأن الوضع يختلف جذريًا في المؤسسات الخاصة، وتحديدًا تلك التي تقوم على ملكية فردية، فتصبح السياسات مرهونة بقيم المالك نفسه. وعن دور النقابة يعترف بأنها لا تبادر، بل تتحرك فقط عند تلقي الشكاوى، مؤكدًا محدودية دور النقابة في فرض سياسات الحماية.

من جهتها، تلفت نفيسة الصباغ، إلى وجود سياسات حماية داخل مؤسسات رسمية أخرى، قائلة إن المشكلة تكمن في رفض الوسط الصحفي نفسه، وتفسر غياب سياسات الحماية وعدم وجود آليات للشكوى والتحقيق داخل المؤسسات الصحفية بالقول "ترمي أي حاجة لها علاقة بالستات تحت السجادة".

آلية شكوى مأزومة

لجأت ليلى العبد في إبريل 2025 إلى المسار النقابي، فتقدمت بشكاوى رسمية للنقابة بها كل التفاصيل والشهود. كانت الشكوى الأولى مقدمة ضد الصحفي الذي حاول تشويه سمعتها، لكن من دون أن تجد أي نتيجة ملموسة، حتى كتابة سطور هذا التحقيق، وفق قولها. بل إن الصحفي قد استمر بالظهور في بث مباشر على صفحته، وواصل التشهير بها.

أما الشكوى الثانية، فسجلتها ضد المسؤولة في المؤسسة، لتعلم بعد طول انتظار أن النقابة ليست جهة اختصاص.

يعلق رئيس لجنة التحقيقات في النقابة حسين الزناتي، عند سؤاله عن واقعة عدم الاختصاص في قضية "العبد"، بأن النقابة لا تستطيع التحقيق في هذه الحادثة لأن "المسؤولة نفسها" ليست نقابية. ويؤكد ضرورة إعلام الصحفي أو الصحفية، منذ البداية، بجدوى المسار النقابي من عدمه "ميوصلش الأمر للسكرتير العام، ومن السكرتير العام يوصل لمجلس النقابة اللي ممكن يكون في وسط الزحمة مش عارف تفاصيل الموضوع، فتتحول للتحقيق، ليتبين لاحقًا أن الموضوع ليس من اختصاص النقابة".

ويقر بأن الآليات القائمة تمثل عائقًا حقيقيًا أمام الصحفيات، خاصة مع طول الدورة الإجرائية، وهو ما يؤدي إلى عزوف الزميلات عن التقدم بشكاوى. ويعترف بالحاجة إلى آلية بديلة خارج المسار البيروقراطي التقليدي، مقترحًا تمكين لجنة المرأة لتكون قناة مباشرة وآمنة لتلقي هذا النوع من الشكاوى.

وتدعم رئيسة لجنة المرأة، إيمان عوف، فكرة الافتقار إلى آليات شكاوى نقابية آمنة للصحفيات خلال الفترة الماضية، مستشهدة بأن صحفية قررت التقدم بشكوى، لكن أتت بنتيجة عكسية "كانت النتيجة إنها هي اللي مشت من المؤسسة، والشخص موجود لحد دلوقتي، مع صعوبة الإثبات وغياب الشهود".

وعن لجنة التحقيق، توضح إيمان بأن اللجنة لم تُعطِ القضايا الرقمية أولوية، لافتة إلى أن الشكاوى الخاصة بغير النقابيات لا يتم التعاطي معها بالجدية نفسها، ما يضاعف هشاشة أوضاع الصحفيات العاملات خارج المظلة النقابية. وتقول إن المسار الإداري التقليدي داخل نقابة الصحفيين، في التعامل مع الشكاوى، مأزوم، لأن البلاغ المقدم عبره يمر على عشرات الموظفين، ما يؤدي إلى تسريبه والضغط على الصحفيات لاحقًا.

انسحاب من كل المساحات

في الوقت الذي انتقلت فيه ريهام لملفات أقل حساسية، وصلت ياسمين إلى لحظة شعرت فيها بأن الحياة نفسها فقدت معناها، وأقدمت على محاولات انتحار وابتعدت عن الصحافة لفترة، ثم عادت إليها من بوابات أكثر هشاشة، فالعمل الحر، والمؤسسات الصغيرة، بلا حماية نقابية أو استقرار مادي.

أما ليلى العبد، فما خسرته لم يكن معنويًا فقط، فقد طاردتها صفة "ست بتاعت مشاكل" داخل المؤسسات الإعلامية، وحرمتها من التقدم في عملها، وفق شهادتها. كما أن الألم والخوف قد عاشه أبناؤها ووالدتها، وكل من حولها. تواجه ليلى عقابًا رغم أنها "لم تفعل شيئًا"، أما المتهمون في هذه القصص فيحيون كأن شيئًا لم يكن.


  • أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج، والصور المستخدمة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي بمعرفتها.
  • بعض الأسماء الواردة في التحقيق مستعارة لحماية هوية أصحابها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة