بسبب "خطأ إداري".. حكم مفاجئ لـ"الدستورية" قد يمنح البراءة والإفراج لمتهمي "الميث"

في قرار يحمل تداعيات واسعة النطاق على المشهدين القضائي والتشريعي في مصر، قضت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار بولس فهمي، اليوم الاثنين، بعدم دستورية جميع قرارات رئيس هيئة الدواء الخاصة بتعديل جداول المواد المخدرة، وهو ما قد يترتب عليه بطلان الأحكام الصادرة والإفراج عن المتهمين في القضايا المرتبطة بمخدر "الميث".

وأكدت المحكمة أن هذه القرارات صدرت بالمخالفة لمبدأ التفويض التشريعي، مما يرتب آثارًا فورية على القضايا الجنائية المنظورة المرتبطة بتلك التعديلات، دون المساس بأصل تجريم المواد المخدرة.

ويُنتظر أن يُحدث الحكم صدى واسعًا في الأوساط القضائية والقانونية، لا سيما أنه قضى تحديدًا بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، الذي تضمن نقل جوهر الميثامفيتامين، المعروف إعلاميًا بـ"الميث المخدر"، من القسم الثاني إلى القسم الأول (ب) من الجدول رقم (1) الملحق بقانون مكافحة المخدرات، وهو التعديل الذي ترتب عليه تشديد عقوبة الحيازة والتعاطي، وانعكس بصورة مباشرة على المراكز القانونية لمتهمين في قضايا كانت ولا تزال منظورة أمام المحاكم.

ولم يقف الحكم عند حدود القرار رقم 600 لسنة 2023، بل امتد أثره ليقضي بسقوط جميع القرارات السابقة واللاحقة الصادرة عن رئيس هيئة الدواء المصرية بشأن تعديل الجداول الملحقة بالقانون ذاته، تأسيسًا على وحدة العيب الدستوري الذي شابها جميعًا، بحسب ما ورد تفصيلًا في أسباب الحكم، التي اعتبرت تلك القرارات حلقة واحدة في سلسلة مخالفة دستورية واحدة.

وكانت إحدى الدوائر الجنائية بـ"محكمة النقض" قد أحالت القرار المطعون عليه إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته، بعد أن تراءى لها وجود شبهة جدية لمخالفة دستورية تمس مبدأ الشرعية الجنائية وحدود الاختصاص المقرر قانونًا.

اعتبرت المحكمة أن حلول رئيس هيئة الدواء المصرية محل وزير الصحة في هذا الاختصاص لا يستند إلى نص قانوني

لا جريمة أو عقوبة إلا بنص قانوني

وفي هذا السياق، يوضح القاضي السابق الدكتور نزيه الحكيم، أن الحكم لا يمكن اختزاله في كونه مجرد رقابة على قرار إداري، بل يمثل -في جوهره- إعادة تأسيس واضحة لمبدأ دستوري راسخ مفاده أن "التجريم والعقاب لا ينشآن إلا بنص قانوني صحيح"، صادر عن الجهة المختصة بالتشريع أو بناءً على تفويض صريح ومحدد لا لبس فيه.

ويشير الحكيم، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن المحكمة استندت بوضوح إلى المادة (95) من الدستور، التي تقرر مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون"، معتبرة أن أي تعديل في جداول المواد المخدرة ينعكس بالضرورة على نطاق التجريم والعقوبة، سواء من حيث التشديد أو التخفيف، وهو ما يضع هذا الاختصاص في صميم المجال التشريعي لا التنظيمي.

وفي حيثياتها، التي اطلعت عليها "فكر تاني"، أسست المحكمة الدستورية العليا قضاءها على أن القرار المطعون عليه يمثل افتئاتًا صريحًا على التفويض التشريعي المقرر لوزير الصحة والسكان بموجب المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات، التي خولته وحده سلطة تعديل الجداول الملحقة بالقانون.

وتنص المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات على أنه: "للوزير المختص، بقرار يصدره، أن يعدل في الجداول الملحقة بهذا القانون بالحذف، وبالإضافة، أو بتغيير النسب الواردة فيها".

واعتبرت المحكمة أن حلول رئيس هيئة الدواء المصرية محل وزير الصحة في هذا الاختصاص لا يستند إلى نص صريح، لا في قانون إنشاء الهيئة رقم 151 لسنة 2019، ولا في قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955.

وفي هذا الإطار، يشير الدكتور نزيه الحكيم إلى أن التفويض التشريعي الوارد بالمادة (32) تفويض شخصي ومحدد، لا يجوز إعادة توزيعه أو نقله إلى جهة أخرى بقرار إداري، حتى ولو كانت تلك الجهة هيئة عامة مستقلة، مشددًا على أن قانون إنشاء هيئة الدواء، ولا سيما المادتين (2) و(15) منه، قصر اختصاصات رئيس الهيئة على التنظيم الفني والرقابي في المجال الدوائي، ولم يمنحه سلطة تعديل جداول تمس نطاق التجريم والعقوبة.

وتوضح المحكمة في حيثياتها أن اختصاصات هيئة الدواء، وإن شملت تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الطبية، فإنها لا تمتد إلى تعديل جداول المواد المخدرة الملحقة بقانون جنائي، يترتب على تعديلها تشديد أو تخفيف في العقوبة، لما لذلك من اتصال مباشر بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يُعد من الضمانات الدستورية الأساسية التي لا يجوز المساس بها بقرارات تنظيمية.

ترسيخ لسيادة القانون وفصل السلطات

وفي هذا المعنى، يرى الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، أن الحكم يمثل تطبيقًا صارمًا لمبدأ سيادة القانون، ويعكس إدراك المحكمة لخطورة التوسع في الاختصاصات التنظيمية على حساب المجال الجنائي. ويؤكد مهران أن المحكمة اعتبرت قرارات رئيس هيئة الدواء افتئاتًا على التفويض الممنوح لوزير الصحة، وأن قانون الهيئة لم يمنح رئيسها صلاحية تعديل جداول تمس نطاق التجريم والعقوبة، وهو ما رسخ ثلاثة مبادئ دستورية أساسية دفعة واحدة: سيادة القانون، وشرعية الجرائم والعقوبات، والفصل بين السلطات.

وانتهت المحكمة إلى أن القرارات الصادرة عن رئيس هيئة الدواء المصرية في هذا الشأن أهدرت مبدأ سيادة القانون، وأخلّت بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وافتأتت على مبدأ الفصل بين السلطات، بما يجعلها مخالفة لنصوص المواد (5، و94، و95، و101) من الدستور، وهي المواد التي ترسخ خضوع الدولة للقانون، وقصر سلطة التجريم والعقاب على التشريع الصادر عن السلطة المختصة، وعدم جواز إنشاء جرائم أو عقوبات أو تشديدها إلا بنص قانوني صحيح.

وأكد منطوق الحكم أن القرارات السابقة واللاحقة على القرار المقضي بعدم دستوريته "موصومة بالعيب الدستوري ذاته"، ومن ثم فإن سقوطها بات متعينًا، بما مؤداه اعتبارها كأن لم تكن منذ صدورها. وفي هذا الصدد، يشدد الدكتور محمد محمود مهران على أن الحكم له أثر كاشف لا منشئ، أي أن العيب الدستوري كان قائمًا منذ لحظة صدور تلك القرارات، وهو ما يترتب عليه -وفق الفقرة الأخيرة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا- اعتبار الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة استنادًا إليها كأن لم تكن.

الأمر الذي يعني حصول بعض المتهمين في قضايا الميثامفيتامين على البراءة أو الإفراج، إذا كانت إدانتهم قد بُنيت حصريًا على تعديل هيئة الدواء الملغى. أما القضايا الأخرى، فتُعاد مواءمتها وفق الجداول الصحيحة الصادرة بقرار وزير الصحة، دون براءة تلقائية.

الأثر المباشر للحكم يتمثل في العودة إلى الجداول وفق آخر تعديلاتها الصادرة من وزير الصحة

الآثار العملية للحكم ومستقبل القضايا المنظورة

وفيما يتعلق بالآثار العملية، أوضحت المحكمة أن الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 تظل نافذة بعد إبطال قرارات رئيس هيئة الدواء، ويُعمل بها في شأن الدعاوى الجنائية المقامة عن وقائع ضبطت خلال الفترة التي عُمل فيها بالقرارات المقضي بعدم دستوريتها، وذلك إلى حين تعديلها أو استبدالها بأداة قانونية صحيحة تصدر من الجهة المختصة.

وفي هذا السياق، يقول الفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي لـ"فكر تاني"، إن الأثر المباشر للحكم يتمثل في العودة إلى الجداول وفق آخر تعديلاتها الصادرة من وزير الصحة، بوصفه صاحب التفويض التشريعي الصحيح، مشيرًا إلى أن القضايا الجنائية التي كانت موقوفة تعليقيًا أمام محكمة النقض أو محاكم الجنايات يجب استكمال نظرها في ضوء هذه الجداول، دون الاعتداد بالتعديلات الملغاة.

كما شددت المحكمة على التزام الدوائر الجنائية بمحكمة النقض ومحاكم الجنايات بدرجتيها، وكذلك النائب العام، بإعمال مقتضى الحكم وفقًا للمادة (195) من الدستور والمادتين (48، و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا. وفي هذا الإطار، يوضح مهران أن هذا الالتزام قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في عدد من القضايا، وقد يؤدي -بحسب الأحوال- إلى الإفراج عن محبوسين إذا ثبت أن إدانتهم قامت حصريًا على القرارات الملغاة.

ويذهب الخبير القانوني مصطفى علوان، الذي تحدثت إليه "فكر تاني"، إلى أن الحكم يفرض واقعًا قانونيًا جديدًا يستوجب إعادة ترتيب المشهد التشريعي المنظم لجداول المخدرات، مشيرًا إلى أن الحكم لا يضعف من جهود مكافحة المخدرات، بل يعززها، لأنه يؤسس لسياسة جنائية منضبطة تحتمي بأداة قانونية صحيحة وتحصّن قراراتها من السقوط أمام رقابة القضاء الدستوري.

وفي ضوء هذا كله، يأتي الحكم في سياق جدل قانوني ممتد حول حدود التفويض التشريعي، والفصل بين الاختصاصات التنظيمية والإدارية من جهة، والاختصاصات ذات الطبيعة الجنائية من جهة أخرى، وهو ما يرجح -بحسب مصادر قانونية- دفع مجلس النواب والحكومة إلى تدخل تشريعي عاجل لحسم مسألة الجهة المختصة بتعديل جداول المخدرات بنص صريح ومنضبط.

مفاجأة "الدستورية".. "خطأ إداري" يفتح أبواب البراءة لمتهمي "الميث"

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة