تحت عباءة "الكفالة".. كيف تحولت دار رعاية إلى "وكر" للاتجار بالبشر؟

في البداية لم يصرخ أحد، فالأطفال عادة لا يصرخون "بصوت مسموع" في مثل هذه الحالات، أو هكذا بدا المشهد الصامت داخل جدران دار الرعاية "إشراقة"، ذلك الصمت الذي تحول تدريجيًا إلى ضجيج في أواخر عام 2025، حين خرجت إلى العلن اتهامات خطيرة وضعت المؤسسة برمتها تحت مجهر الرأي العام والنيابة العامة في آن واحد.

ففي مكان يفترض به أن يكون الملاذ الأخير والآمن لمن فقدوا الأسرة والسند، جرت وقائع انتهاكات امتدت خيوطها على مدار عشر سنوات، إذ سُجلت فصولها الأولى عام 2015، لتنفجر الثانية في عام 2017، مثيرةً حينها صدمة مجتمعية واسعة دفعت الجهات المعنية إلى اتخاذ قرارات بدت حاسمة بحل مجلس الإدارة، وسحب الدار من القائمين عليها لإخضاعها مباشرة لإشراف وزارة التضامن الاجتماعي. يومها، خُيّل للجميع أن الدولة قد أغلقت الباب بإحكام أمام تكرار المأساة، لكن الواقع أثبت أن ذلك الباب لم يُغلق قط.

مع أواخر عام 2025، عاد اسم الدار ليتصدر المشهد باتهام مديرها ورجل أعمال يعمل في القطاع العقاري بارتكاب جرائم جسيمة، شملت -وفق قرار الإحالة- الاتجار بالبشر، والاعتداء الجنسي، والتحرش بعدد من نزلاء الدار. وبحسب مصدر قضائي مطلع، فقد استمعت النيابة العامة لأقوال المجني عليهم، وواجهت المتهمين بالأدلة الفنية والتحريات الدقيقة، كما أجرت فحصًا شاملًا للأجهزة الإلكترونية والتحويلات المالية، لتنتهي إلى إحالة القضية إلى المحاكمة الجنائية المختصة مع استمرار حبس المتهمين احتياطيًا.

ومنذ اللحظة الأولى لورود البلاغات، وُصفت الوقائع في سياق الاعتداء على "أطفال" داخل دار رعاية، وهو توصيف بديهي بحكم طبيعة المؤسسة، غير أن التحقيقات اللاحقة، وبعد مراجعة دقيقة لبيانات النزلاء وسجلات أعمارهم، فجّرت مفاجأة بأن المجني عليهم في تلك القضية قد تجاوزوا سن الثامنة عشرة، وبعضهم بات في مطلع العشرينيات.

هذا التحول العمري لم يكن تفصيلًا شكليًا عابرًا، بل أعاد تشكيل الإطار القانوني للقضية برمتها، فبينما يترتب على وصف المجني عليه بكونه "طفلًا" تطبيق نصوص مشددة في قانون الطفل، فإن ثبوت بلوغه سن الرشد ينقل مسار النقاش القانوني إلى البحث في مدى توافر عناصر الاستغلال والإكراه، أو استغلال حالة الضعف وفقًا لقانون مكافحة الاتجار بالبشر.

أقر رجل الأعمال المتهم بتردده المستمر على دار الأيتام وتقديمه تبرعات مالية وعينية ووجود ميول جنسية غير نمطية لديه

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا القانون الأخير لا يشترط أن يكون المجني عليه طفلًا لكي تكتمل أركان الجريمة، بل يكفي ثبوت استغلال حالة ضعف أو احتياج أو تبعية، أو استغلال وضع اجتماعي هش. ومن هذه الزاوية، برزت نقطة محورية في التحقيقات: هل يشكل وضع نزيل دار الرعاية -حتى بعد بلوغه الثامنة عشرة- حالة ضعف بنيوية تجعل "رضاه" محل شك قانوني؟

وقد تبنت النيابة، وفق التحقيقات، طرحًا مفاده أن الاعتماد الاقتصادي والاجتماعي الكامل على الدار، والخشية من فقدان المأوى أو الدعم، قد تُفرغ مفهوم الرضا من مضمونه الحقيقي، خاصة إذا ثبت وجود تهديد ضمني أو صريح بقطع سبل العيش.

تحت عباءة الكفالة

واستنادًا إلى ملف القضية والمعلومات التي اطلعت عليها وحصلت عليها منصة "فكر تاني"، فقد انتهت جهات التحقيق من فحص الوقائع المتعلقة باتهام مدير دار الرعاية "إشراقة" ورجل الأعمال المعروف الذي يعمل في مجال العقارات والأراضي، موجهة إليهما اتهامات جسيمة تتعلق بالاتجار بالبشر والتحرش والاعتداء الجنسي على عدد من نزلاء الدار.

ووفقًا لمصدر قضائي بارز تحدث لـ"فكر تاني"، شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن النيابة العامة قد انتهت إلى ثبوت شبهة الاتهام في حق الرجلين، ومن المقرر إحالة القضية إلى المحاكمة الجنائية المختصة لبدء نظرها أمام القضاء، وذلك بعد اكتمال التحقيقات وسماع أقوال المجني عليهم والمتهمين، ومواجهة كل طرف بالأدلة الفنية والتحريات، مع تجديد حبس المتهمين لمدة 45 يومًا على ذمة القضية.

وفي سياق الإفادات، كشف عدد من المجني عليهم في تحقيقات نيابة شرق القاهرة، أن رجل الأعمال المتهم كان دائم التردد على الدار بمدينة الشيخ زايد، حيث دأب على تقديم الهدايا والأموال للنزلاء، وطلب الطعام الفاخر لهم من مطاعم معروفة عبر خدمات التوصيل، فضلًا عن شراء هواتف محمولة باهظة الثمن لبعضهم -من بينها هواتف "أيفون"- وكل ذلك كان ثمنًا ومقابلًا للاعتداء عليهم جنسيًا داخل مسكنه الخاص.

وقد أشار أحد الضحايا في التحقيقات إلى أن هذه الاعتداءات كانت تتكرر بصورة دورية وممنهجة، وأن المتهم كان يتناوب الاعتداء عليهم، مستغلًا بوضوح حاجتهم المادية واعتمادهم الكامل والمطلق على ما يقدمه من إنفاق.

توازيًا مع ذلك، وخلال فحص الهاتف الخاص بمدير دار الأيتام، كشفت التحقيقات عن تلقيه تحويلات مالية متكررة من رجل الأعمال عبر تطبيقات تحويل الأموال، من دون وجود أي إيصالات رسمية تثبت توجيه تلك المبالغ لصالح الدار وأنشطتها. وبحسب التحقيقات، عجز مدير الدار عن تقديم سوى 5 إيصالات تبرع فقط بقيمة إجمالية بلغت 300 ألف جنيه، في حين تبين أن إجمالي الأموال التي تدفقت إليه من رجل الأعمال يفوق ذلك الرقم بكثير، مما عزز بقوة شبهة استخدام التبرعات كغطاء لتسهيل استغلال النزلاء جنسيًا.
وفي أقواله أمام جهات التحقيق، أقر رجل الأعمال المتهم بتردده المستمر على دار الأيتام، وتقديمه تبرعات مالية وعينية، وزيارته للنزلاء وتوزيع الهدايا والملابس والهواتف عليهم، بل وعلى مدير الدار أيضًا. وأضاف المتهم في اعترافاته تفاصيل أكثر خطورة، مشيرًا إلى أنه قام بـ"كفالة" 4 من نزلاء الدار، حيث أقاموا معه داخل شقته لمدة قاربت الخمسة أشهر، مقرًا بممارسته أفعالًا وصفها بأنها تمت "برضاهم"، وذلك نظير تكفله بمصروفات تعليمهم وملابسهم وهواتفهم المحمولة.

كما أقر المتهم بوجود ميول جنسية غير نمطية لديه، معتبرًا أن ما جرى كان بعلم وموافقة الأطراف الأخرى، وهو الزعم الذي واجهته النيابة بأقوال المجني عليهم التي نفت وجود أي رضا، وأكدت وقوع الاعتداء تحت وطأة التهديد والابتزاز.

ووفقًا لما ورد في أقواله وسير التحقيقات، فإن رجل الأعمال تقدم بطلب رسمي إلى مدير دار الأيتام للتكفل بالنزلاء الأربعة، وهو ما قوبل بموافقة المدير، ليُبرم عقد كفالة سمح بخروج النزلاء من الدار للإقامة مع المتهم، في إجراء يمثل مخالفة صارخة للقواعد المنظمة لعمل دور الرعاية، بحسب ما توصلت إليه جهات التحقيق.

وتحت مظلة "نظام الأسر البديلة"، الذي يشرعن خروج الطفل للاحتضان خارج أسوار المؤسسة، تفرض اللوائح سياجًا من الشروط الصارمة، إذ يتحتم أن تكون الأسرة مصرية، تتحد ديانتها مع ديانة الطفل، مع ضبط الفئة العمرية للزوجين بما لا يقل عن 21 عامًا ولا يتجاوز الستين. كما تستلزم الاشتراطات حصول الزوجين على مؤهل تعليمي متوسط كحد أدنى، واجتياز الدورة التدريبية المقررة من وزارة التضامن الاجتماعي، فضلًا عن ثبوت الملاءة المالية وصلاحية المسكن لضمان بيئة آمنة.

"إشراقة" وأرشيف عام 2017 الأسود

لم تكن دار الرعاية "إشراقة" اسمًا مجهولًا أو طارئًا على خريطة الأزمات قبل تفجر هذه القضية الأخيرة، ففي عام 2017، وجدت الدار نفسها في قلب عاصفة، وواحدة من أكثر الوقائع إثارة للغضب المجتمعي، بعد توجيه اتهامات خطيرة لمسؤولين ومشرفين داخلها بتعذيب أطفال نزلاء والاعتداء عليهم بدنيًا وجنسيًا، في واقعة كشفت حينها الستار عن أوضاع إنسانية متردية للغاية خلف الأسوار.

التحقيقات التي باشرتها النيابة المختصة آنذاك، كشفت أن عددًا من الأطفال تعرضوا لصور متعددة ومرعبة من الانتهاكات، شملت الاعتداء البدني الممنهج، والعقوبات القاسية، والإهانات اللفظية، فضلًا عن الاشتباه في وقوع اعتداءات ذات طابع جنسي. وقد استندت النيابة في تحقيقاتها تلك إلى أقوال 16 طفلًا من نزلاء الدار أكدوا جميعهم تعرضهم لتلك الممارسات، وهو ما عضدته تحريات الجهات الأمنية وتقارير الطب الشرعي التي رصدت آثار تعذيب واضحة على أجساد بعضهم.

وفي إطار تلك التحقيقات الموسعة، قررت النيابة استدعاء رئيسة مجلس إدارة الدار وقتها، الدكتورة نجد محمد خميس -زوجة الدكتور عاطف عبيد، رئيس وزراء مصر الأسبق والراحل- لسماع أقوالها بصفتها المسؤولة الإدارية الأولى، وذلك في ضوء ما نُسب إلى القائمين على الدار من مخالفات جسيمة تتعلق بإساءة معاملة الأطفال، وسوء الإشراف، ووجود قصور إداري وتنظيمي فادح.

ووفقًا لما انتهت إليه التحقيقات حينها، لم تقتصر المخالفات على الانتهاكات الجسدية فحسب، بل امتدت لتشمل تردي مستوى الرعاية والخدمات المقدمة للأطفال، ورداءة الوجبات الغذائية، والاستعانة بالأطفال في أعمال تنظيف شاقة، وفرض عقوبات مهينة عليهم بدعوى "التأديب"، في مخالفة صريحة ومجردة للغرض الأساسي والإنساني من إنشاء دور الرعاية.

وقد تدخلت وزارة التضامن الاجتماعي آنذاك، معلنةً سحب إدارة الدار من مجلس إدارتها القائم، وحل المجلس بالكامل، مع تعيين مفوض للإشراف على الجمعية، وإسناد إدارة الدار إلى جهة أخرى ذات خبرة، لتعمل تحت إشراف مباشر من الوزارة.

رواية الدفاع.. وسجال "السن والرضا"

في القضية الأخيرة، تكاد تتكرر الأزمة نفسها، وبالأدوات ذاتها تقريبًا، وإن تغيّرت الأعمار والمسميات القانونية. فبينما كانت النيابة العامة تمضي في استكمال تحقيقاتها، وتُحيل المتهمين إلى المحاكمة الجنائية بتهم الاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي والتحرش، خرج دفاع رجل الأعمال برواية مغايرة، لا تنكر الوقائع بقدر ما تسعى إلى إعادة تأطيرها قانونيًا، بعيدًا -بحسب وصفه- عن "الانفعال المجتمعي".

حيث بدا محمد لطفي، محامي رجل الأعمال المتهم، حريصًا في تصريحاته لـ"فكر تاني" على تفكيك الاتهامات بندًا بندًا. من وجهة نظره، لا تتوافر -فنيًا- أركان جريمة هتك العرض كما يعرفها القانون الجنائي، مشيرًا إلى أن تقارير الطب الشرعي لم تثبت وقوع إيلاج، وهو ما يغيّر توصيف الجريمة جذريًا في الميزان القانوني. وفي الوقت ذاته، شدد لطفي على أن جميع المجني عليهم تجاوزوا سن الطفولة القانونية، وبلغوا الثامنة عشرة وما بعدها، بعضهم في مطلع العشرينيات، ما ينزع -وفق دفاعه- عن الواقعة وصف الاعتداء على "أطفال" بالمعنى الوارد في قانون الطفل.

تكرار الجريمة يكشف إخفاقًا حكوميًا مزدوجًا، داخليًا في الرقابة، ودوليًا في الوفاء بالتزامات مصر بموجب اتفاقيات حماية الأطفال

لكن هذا الدفاع لم يقف عند حدود التوصيف الطبي أو العمري، بل امتد إلى سردية معاكسة لطبيعة العلاقة بين المتهم ونزلاء الدار. فبحسب لطفي، لم يبادر موكله باستدراج النزلاء أو التواصل معهم داخل المؤسسة، بل إن أحد المجني عليهم -على حد قوله- هو من سعى للتقرب من رجل الأعمال، في سياق اعتبره الدفاع محاولة ابتزاز.

أما مسألة "الكفالة" والإقامة خارج الدار، فيؤكد المحامي أنها تمت بناءً على طلب مباشر من مدير الدار وقرار صادر عن الجمعية المشرفة، منذ مارس 2025، وبإجراءات يصفها بـ"السليمة إداريًا"، نافيًا أن يكون موكله قد تصرف منفردًا.

ورغم إقرار المتهم بتردده على الدار وتقديمه تبرعات وهدايا، بل وكفالته أربعة من النزلاء وإقامتهم معه قرابة خمسة أشهر، يتمسك الدفاع بأن هؤلاء النزلاء -بعد بلوغهم سن الرشد- يتمتعون بحرية الحركة الكاملة، ولا يخضعون لقيود تمنعهم من الإقامة أو التنقل، وهو ما يراه نقطة محورية ستُطرح أمام المحكمة.

إخفاق حكومي مزدوج

غير أن هذا السجال القانوني، على أهميته، بدا- في نظر خبراء قانونيين- جزءًا من صورة أوسع وأعمق، تتجاوز حدود الدفاع والاتهام إلى مساءلة نموذج الرعاية ذاته، ومنظومة الرقابة التي سمحت بتكرار المشهد.

الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، يرى أن عودة الانتهاكات إلى دار "إشراقة" بعد واقعة 2017 تمثل خللًا بنيويًا لا يمكن اختزاله في أشخاص أو مجالس إدارات. بالنسبة له، فإن الإبقاء على الدار بعد الواقعة الأولى كان خطأ جسيمًا، لأن القانون- سواء قانون الطفل أو قانون تنظيم العمل الأهلي -يتيح الإغلاق الفوري، بل والنهائي، عند ثبوت الخطر على النزلاء. ويذهب مهران إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن تكرار الجريمة يكشف إخفاقًا حكوميًا مزدوجًا، داخليًا في الرقابة، ودوليًا في الوفاء بالتزامات مصر بموجب اتفاقيات حماية الأطفال.

وفي الاتجاه ذاته، يشدد المستشار عصام رفعت، القاضي السابق بمجلس الدولة، على أن القانون وضع آليات واضحة للرقابة والمساءلة، تبدأ بوضع الدار تحت الإشراف الخاص وتنتهي بالإحالة للنيابة العامة. ويؤكد أن أي خروج للأطفال أو النزلاء خارج الضوابط الرسمية، خاصة إذا اقترن باستغلال جنسي، يفتح باب المسؤولية الجنائية على مصراعيه، ليس فقط للمتهمين المباشرين، بل لكل من قصّر في الإشراف أو التغاضي.

أما الخبير القانوني صالح حسب الله، فيعيد النقاش إلى جوهر الإشكالية، أن القانون يجيز الكفالة والاستضافة بشروط صارمة، لكن أي التفاف على هذه الشروط يحوّل الاستضافة من إجراء إنساني إلى جريمة محتملة. وبحسبه، فإن الإخفاق في منع تكرار ما جرى بعد 2017 يفرض مساءلة قانونية تمتد من إدارة الدار إلى مفتشي وزارة التضامن، وصولًا إلى القيادات العليا إذا ثبت التقصير أو الإهمال.

هكذا، تتشابك الخيوط بين دفاع قانوني يتمسك بحدود النصوص والتوصيفات، واتهامات تستند إلى فكرة "الضعف البنيوي" للنزلاء حتى بعد بلوغهم سن الرشد، وخبراء يرون أن المشكلة أعمق من قضية بعينها. وبين هذا وذاك، تظل دار "إشراقة" شاهدًا ثقيلًا على سؤال لم يُحسم بعد، هل تكفي النصوص القانونية وحدها لحماية الأضعف، أم أن الخلل الحقيقي يكمن في التطبيق، وفي نموذج رعاية أثبت -مرارًا- هشاشته؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة