يبدو أن مجلس النواب الحالي قد يستفيد من «مصائبه» في سبيل التأسيس لشرعيته الجديدة، فعلى خلاف سابقه، الذي انطلق هادئًا من دون عقبات تعرقل انتخاباته أو الطعون عليها، واجه البرلمان الحالي صخبًا كبيرًا بدء من التشكيك في سلامة العملية الانتخابية، واستمر ليلاحق جلساته الأولى، بعد إصدار محكمة النقض حكمًا بإبطال انتخابات مقعدي دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، وهو ما قد يمنح -للمفارقة- طوق نجاة للمجلس الذي يسعى لتحسين صورته العامة.
فبعد ثلاثة أشهر من انتخابات صعبة، شهدنا خلالها دوامات متتالية من الإعادة في عدد من الدوائر، وتدخل الرئيس السيسي نفسه الذي طالب بضرورة تحقيق إرادة الناخبين، يأتي حكم النقض، ليضيف على البرلمان طوباوية وكأنه -على عكس ما وثقه مراقبون- المجلس الذي جاءت كل مقاعده مستحقة، وما يزال خاضعًا للفرز والتمحيص من أجل «نقاءً أكمل».
وفي نوفمبر الماضي، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، فوز النائب خالد مشهور، المرشح المستقل والنائب السابق عن حزب مستقبل وطن، إلى جانب فوز النائب محمد شهدة، مرشح حزب مستقبل وطن، من الجولة الأولى، غير أن الطعن الذي قبلته محكمة النقض على مقعديهما، استند إلى وقوع مخالفات في عملية التصويت، تمثلت في رصد توقيع عدد من المقيمين بالخارج على الإدلاء بأصواتهم دون وجودهم فعليًا داخل البلاد، إضافة إلى عدم تمكين مندوبي بعض المرشحين من حضور عمليتي الاقتراع والفرز، فضلًا عن التصويت المتكرر لبعض الأشخاص في كشوف الانتخاب، وتناقض البيانات المسجلة للناخبين في كشوف الاقتراع مع بياناتهم الحقيقية.
المحافظة الملعونة
تبدو محافظة الشرقية وكأنها مصابة بلعنة انتخابية، إذ شهدت دائرتا الزقازيق وبلبيس نضال ثلاث نائبات حصلن على مقاعدهن الفردية بعد معركة استمرت أيامًا، عقب إعلان اللجان العامة خسارتهن، قبل أن تنصفهن الهيئة الوطنية للانتخابات.
أما دائرة منيا القمح، التي أبطلت المحكمة انتخاباتها، فكانت حلبة صراع قبل الانتخابات بعدة أسابيع، حيث احتدم الخلاف بين النائب المبطل عضويته خالد مشهور من جهة، والنائب الأول لرئيس حزب مستقبل وطن أحمد عبد الجواد من جهة أخرى، بعد استبعاد مشهور من قوائم مرشحي الحزب على المقاعد الفردية في الدائرة التي ينتمي إليها عبد الجواد.
ومع شراسة المنافسة الانتخابية في هذه الدائرة، انتهت النتائج بإعلان فوز مشهور، إلى جانب مرشح الحزب محمد شهدة، بينما خسر مرشح مستقبل وطن الآخر ماجد الأشقر.
واليوم، تعود الدائرة ذات الثقل التنظيمي لحزب مستقبل وطن، والمرتبطة بشبكات نفوذ عبد الجواد، إلى دائرة الضوء مجددًا بعد صدور حكم النقض.
أحسن من الدقي والعجوزة
خلال الفصل التشريعي السابق، لم نشهد أي تجربة لبطلان العضوية، رغم وجود عشرات الطعون المقدمة من مرشحين عدة. غير أن الفصل التشريعي الأول، الذي تولى فيه الدكتور علي عبد العال رئاسة المجلس، شهد واقعة بطلان عضوية أحمد مرتضى منصور عن دائرة الدقي والعجوزة.

فبالأمس أصدرت المحكمة حكمها ببطلان انتخابات منيا القمح، بينما في عام 2016 أبطلت عضوية أحمد مرتضى منصور بعد نحو ستة أشهر من أدائه اليمين الدستورية، وأكدت أحقية الدكتور عمرو الشوبكي بالمقعد، بعد مراجعة الأرقام ورصد أخطاء في الحصر العددي.
ورغم الاعتقاد حينها بأن عصر «سيد قراره» قد انتهى بعد إقرار دستور 2014، الذي منح محكمة النقض حق إبطال العضوية، ظل الشوبكي خارج البرلمان ولم ينل حقه في المقعد، بينما امتنع أو مُنع منصور لاحقًا من حضور جلسات المجلس.
وتعطل تنفيذ الحكم بعدما أحال عبد العال الحكم إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، التي حاولت البت فيه وإصدار تقرير يُعرض على الجلسة العامة، غير أن التسويف كان سيد الموقف، حتى مرت السنوات الخمس من عمر المجلس دون حسم مقعد الدقي.
ويكمن الفارق هنا في أن واقعة الدقي والعجوزة لم تتحول إلى أزمة شرعية إلا بعد صدور الحكم، حين اصطدم الجميع بسؤال التنفيذ، وانتهى الأمر إلى حكم بلا أثر، ومقعد بلا صاحب، ورسالة صريحة من البرلمان بتجاهل أحكام محكمة النقض.
أما في منيا القمح، فإن الحكم لا يزال في لحظته الأولى، ولم يصل بعد إلى مرحلة الاختبار الحقيقي، ما يطرح تساؤلات عدة عن مستقبل تطبيقه: هل سيتم تنفيذ حكم محكمة النقض وإعادة الانتخابات فعليًا؟ أم سنشهد تكرار السيناريو القديم الذي بدأ من الدقي والعجوزة وانتهى إلى طي الملف دون أن يجلس صاحب الحق على مقعده؟
من الناحية القانونية، تنظم المادة 107 من الدستور اختصاص محكمة النقض بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس النواب، على أن تُقدم الطعون خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يومًا من تاريخ إعلان النتيجة النهائية للانتخاب، وتفصل المحكمة في الطعن خلال ستين يومًا من تاريخ وروده إليها، وفي حال الحكم ببطلان العضوية، تُبطل من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم.
كما نصت اللائحة الداخلية لمجلس النواب على إخطار رئيس المجلس بحكم محكمة النقض بشأن بطلان عضوية أحد أعضائه في أول جلسة تالية لورود الحكم، على أن يعلن المجلس خلو المكان ويُخطر بذلك من صدر في شأنه الحكم.
ومن زاوية الحكم الأخير، يبدو وضع منيا القمح أفضل من الدقي والعجوزة، ليس لأن المخالفات أقل، بل لأن الفرصة لا تزال قائمة لتدارك الموقف مؤسسيًا، حتى لا يتحول تجاهل حكم النقض إلى عبء إضافي على صورة المجلس، وتتكرر ظاهرة حفظ الأحكام القضائية في الأدراج.
ويظل اللافت في حكم منيا القمح أنه جاء بعد سنوات من الصمت تجاه طعون انتخابات 2020، ما يفتح تساؤلًا مشروعًا عن التوقيت وربطه بسياقه السياسي الذي بدأ بعد فيتو الرئيس: هل نحن أمام بداية مسار جديد لتفعيل الرقابة القضائية على صحة العضوية؟ وهل يمهد الحكم لصدور أحكام مشابهة؟ أم سيبقى استثناءً وحيدًا؟
سيناريوهات المستقبل
لا يقتصر أثر حكم محكمة النقض على إبطال مقعدين فحسب، بل يمتد ليشكل اختبارًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا، تمس تداعياته العلاقة بين القضاء والبرلمان. وتزداد حساسية الواقعة لأن الحكم لم يصدر في دائرة هامشية أو بعيدة عن مركز القرار داخل الحزب، بل في دائرة ترتبط بأبرز قياداته التنظيمية، ما يعني أنه في حال إجراء انتخابات جديدة سنكون أمام معركة قد تكون أشد شراسة من الجولة السابقة.
ويصبح السؤال الحقيقي ليس عن الحكم ذاته، وإنما عن سيناريوهات التعامل معه: هل نتجه إلى تنفيذ سريع وإعادة الانتخابات، أم إلى المماطلة والتسويف على غرار تجربة الشوبكي ومنصور؟
وربما يكون السيناريو الأول، الذي أميل إليه، هو الأكثر تفاؤلًا، خاصة إذا رُبط بسياق فيتو الرئيس، الذي أسهم في تحسين بعض مساوئ العملية الانتخابية، وحدّ من التدخلات، رغم تفاقم ظاهرة شراء الأصوات والرشاوى الانتخابية، التي باتت الحل الأخير في أيدي المرشحين بعد رفع جميع أشكال الدعم.