كشفت ورقة بحثية حديثة عن تصاعد منهجي في حملات الملاحقة الأمنية والقضائية ضد صناع المحتوى الرقمي في مصر، لا سيما مستخدمي تطبيق «تيك توك»، حيث تحولت المنصة من مساحة للترفيه إلى ساحة للمساءلة القانونية.
وأوضحت الورقة الصادرة أخيرًا عن «مؤسسة حرية الفكر والتعبير»، أن السلطات المصرية وسعت دائرة الاتهامات من «خدش الحياء» و«قيم الأسرة» في عام 2020، لتشمل تهمًا أشد خطورة مثل «الإرهاب» و«غسل الأموال» في عام 2025، مستندة إلى نصوص قانونية فضفاضة وممارسات تنفيذية تتسم بالعشوائية.
2025.. موجة جديدة من الملاحقات وتهم «غسل الأموال»
رصدت الورقة، المنشورة في 5 فبراير الجاري، تجدد الحملات الأمنية بشكل واسع خلال عام 2025، حيث شهد شهر يوليو من العام نفسه انطلاق حملة بلاغات مكثفة قادها محامون تحت شعار «خليها تنضف». وهي حملة بدأت عقب انتشار مزاعم حول «تجارة أعضاء بشرية» أطلقتها إحدى مستخدمات السوشيال ميديا، غير أن التحقيقات الرسمية انتهت بتوجيه تهم نمطية للمقبوض عليهم تتعلق بـ«القيم الأسرية» و«إساءة استخدام وسائل التواصل»، مع خلو البيانات الرسمية من إشارات لجرائم الاتجار بالأعضاء.
وشملت قائمة المستهدفين في تلك الموجة أسماء بارزة، إذ قُضي بحبس «سوزي الأردنية» 6 أشهر، وحبس «أم سجدة» سنتين مع غرامة 200 ألف جنيه، كما صدر حكم بحبس مقدم البرامج الساخر محمد عبد العاطي (خفف لاحقًا في يناير 2026 لثلاثة أشهر).
ولفت البحث الانتباه إلى ظهور نمط جديد من الاتهامات في 2025 يتعلق بـ«غسل الأموال» وتجميد الأصول، مما يعكس قلق السلطات من التدفقات المالية للاقتصاد الرقمي ومسارات الصعود الاجتماعي غير التقليدية التي تتيحها المنصة بعيدًا عن رقابة الدولة.
«تيك توك».. من الترفيه إلى ساحة مواجهة
أرجع البحث التركيز الأمني على «تيك توك» إلى نموه الانفجاري في مصر، إذ قفز عدد المستخدمين من حوالي 15 مليونًا في 2021 ليصل إلى 41.3 مليون مستخدم في 2025. وتحول التطبيق إلى مساحة محورية للتأثير الاجتماعي والاقتصادي، تتيح لفئات شابة ومهمشة تحقيق نفوذ رمزي ومادي.
وأشارت الورقة إلى أن السلطات تتعامل مع هذا الفضاء باعتباره «ساحة أمنية» تحتاج لضبط أخلاقي، وليس فضاءً عامًا للتعبير. ولم يقتصر الاستهداف على المحتوى «غير الأخلاقي» حسب التصنيف الرسمي، بل امتد ليشمل المحتوى الساخر والناقد للأوضاع الاقتصادية.
من «باتمان حلوان» إلى «سعر اللحمة».. السخرية تحت طائلة الإرهاب
وثق البحث كذلك حالات تجاوزت فيها الاتهامات البعد الأخلاقي لتصل إلى «الانضمام لجماعة إرهابية» و«نشر أخبار كاذبة» بسبب محتوى ساخر أو ترفيهي. ففي عام 2022، قُبض على أربعة شباب دعوا لفعالية تنكرية ترفيهية بعنوان «باتمان حلوان»، ووجهت لهم تهم الإرهاب وحُبسوا احتياطيًا لأكثر من عام.
كما طالت الملاحقات في 2023 صناع محتوى انتقدوا الغلاء، مثل محمد الفتلة الذي نشر فيديو ساخرًا عن «بيع اللحمة بالتقسيط»، ومحمد حسام الدين وبسمة حجازي بسبب فيديو تمثيلي عن زيارة للسجون، مما يكشف عن حساسية السلطة تجاه أي سردية تعكس السخط الاجتماعي حتى لو كانت في قالب كوميدي.
ترسانة تشريعية ومفاهيم فضفاضة
انتقدت الورقة استناد الملاحقات إلى نصوص قانونية غير منضبطة، أبرزها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018. وسلطت الضوء على المادة (25) الخاصة بـ «الاعتداء على القيم الأسرية»، مشيرة إلى أن المشرع لم يضع تعريفًا محددًا لهذه القيم، مما فتح الباب لتأويلات واسعة وملاحقات انتقائية.
كما انتقد البحث المادة (7) التي تبيح حجب المواقع بدعوى الأمن القومي دون إذن قضائي، والمادة (27) التي تعاقب على إدارة حساب يهدف لارتكاب جريمة، مما يجرم الأداة قبل الفعل. مشيرًا إلى أن هذه القوانين تتعارض مع المادتين 65 و96 من الدستور المصري، ومع الالتزامات الدولية لمصر، حيث تحولت النصوص القانونية إلى أدوات للضبط الاجتماعي بدلًا من حماية الحقوق.
انتهاك الخصوصية وضمانات المحاكمة
وأوضحت الورقة أن الملاحقات تضمنت انتهاكات جسيمة للحق في الخصوصية، حيث اعتمدت التحقيقات في كثير من الحالات (مثل حالة سوزي الأردنية ورسامي الوشوم) على تفتيش الهواتف وفحص المحادثات الخاصة والمحتوى غير المنشور واستخدامه كأدلة إدانة.
واعتبر البحث أن هذا النهج يفرغ الحق في الخصوصية من مضمونه، ويتعامل مع الوجود الرقمي كذريعة لاستباحة الحياة الشخصية. كما رصدت الورقة التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي كأداة للعقاب والردع المسبق، والتشهير بالمتهمين إعلاميًا قبل صدور أحكام نهائية، مما يقوض قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ويمكن الاطلاع على الورقة البحثية كاملة هنا.