يحسم مجلس الشيوخ مشروع تعديل قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية يوم 15 فبراير الحالي، بعد الموافقة المبدئية على بنوده، في ظل تصميم حكومي على تمريره، رغم رفض نقابة الأطباء، التي لم يأخذ رأيها فيه من الأساس.
فلسفة الحكومة في تعديل القانون رقم 19 لسنة 2018، هي وضع إطار تشريعي منضبط ينظم العمل داخل المستشفيات الجامعية التابعة للجامعات الحكومية، باعتبارها مؤسسات تجمع بين تقديم الخدمة الصحية، والدور الأكاديمي، والتدريب الطبي، ودعم البحث العلمي.
في المقابل، يواجه مشروع القانون مخاوف ترتبط بحق الطبقات الفقيرة في العلاج، التي ما زلت تعتمد بشكل رئيس على المستشفيات التابعة للجامعات في المحافظات المختلفة.
ويبلغ عدد المستشفيات الجامعية في مصر، حاليًا، 147 مستشفى، بعد افتتاح مستشفى جامعة المنيا، والتجهيز لافتتاح 3 مستشفيات أخرى بالجامعة نفسها، خلال العام الجاري، ليصل العدد الإجمالي قريبًا إلى 150 مستشفى.

تعاملت المستشفيات الجامعية في 2025 مع نحو 32 مليون مريض، ما يجعلها تقدم 76% من خدمات رعاية (Tertiary Care)، وهي العمليات المعقدة والمركبة والجراحات المتقدمة في منظومة الصحة بمصر.
في 2025، أجرت المستشفيات الجامعية 658 ألف عملية جراحية، منها 393 ألف عملية كبرى، وذات مهارة متقدمة، وبلغ عدد التحاليل الطبية بها 26.7 مليون تحليل، والإشاعات التشخيصية والتداخلية 7.3 مليون، فيما بلغت حالات الرعاية المركزة والحضانات 177,391 حالة.
الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلميأيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الذي قدم المشروع، يقول:" إن التعديلات تستهدف تطبيق حوكمة لجميع المستشفيات الجامعية، بما يضمن جودة الخدمة الطبية والتعليمية والبحثية، وربط المستشفيات الجامعية بعضها ببعض، وكذلك بمستشفيات وزارة الصحة، ما يتيح معرفة توافر الأسرّة والخدمات بشكل فوري، خاصة في أقسام الرعاية المركزة.
يستهدف مشروع القانون إعادة هيكلة المستشفيات الجامعية بمنح المجلس الأعلى سلطات واسعة في التراخيص والرقابة، رابطًا بين الدورين التعليمي والعلاجي، مع توجيه عوائد الرسوم لتطوير التعليم الطبي. وبينما فصلت التعديلات بين منصبي عميد الكلية ورئيس المستشفيات خلافًا لقانون 2018، فإن المشروع يثير جدلًا واسعًا حول عدة نقاط، أبرزها اشتراط تجديد الترخيص كل خمس سنوات تحت طائلة الإغلاق. كما تبرز إشكالية قانونية حول «جهة الترخيص»، فإسنادها للمجلس الأعلى يخلق تضاربًا في المصالح، وإسنادها إلى وزارة الصحة يمثل تعديًا على ولاية وزارة التعليم العالي. إضافة إلى ذلك، يكتنف الغموض مادة «توفيق الأوضاع» لاستحالة تطبيق المعايير الإنشائية الحديثة -كإلغاء العنابر- على مباني أثرية مثل قصر العيني.
"الأطباء" ترفض المشروع تمامًا
وأعلنت نقابة الأطباء، في المقابل، رفضها التام لمشروع القانون، واعتبرت إخضاع المستشفيات الجامعية لإعادة ترخيص دوري كل خمس سنوات يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار مرفق عام حيوي يؤدي دورًا علاجيًا وتعليميًا وبحثيًا لا يحتمل الاضطراب أو عدم الاستقرار.
وأوضحت النقابة أن نظام الترخيص المحدد بمدة خمس سنوات نظام غير معمول بأي منشآت طبية داخل مصر، مضيفة أن قانون المنشآت الحالي ينص على الاكتفاء بالتفتيش الدوري على المنشآت الطبية مرة واحدة على الأقل سنويًا للتحقق من توافر الاشتراطات القانونية، واستمرار الالتزام بها، دون المساس بأصل الترخيص، واعتبرت النقابة أن ربط الترخيص بمدة 5 سنوات من شأنه أن يكون طاردًا للاستثمار في المجال الطبي.
كما رفضت النقابة جزاءات الإغلاق الكلي أو الجزئي للمستشفيات الجامعية، محذرة من تأثيرها على سلامة المرضى، وتعطيل استمرار العملية التعليمية والتدريبية والبحثية، التي ترتبط بطبيعتها بجداول زمنية دقيقة.
تعاملت الحكومة مع رفض نقابة الأطباء بطريقتين، أولاهما أسلوب وزارة التعليم العالي، التي قالت إن هناك فصلًا بين جهات المراقبة والتشغيل، حرصا على جودة الأداء في المستشفيات وكليات الطب، وأن التعديلات تعزز الدور الرقابي دون تعطيل العمل.
بشأن إغلاق المستشفيات، حال وجود مخالفات، شدد الوزير على أن أي إجراء سيكون تنظيميا وإداريا فقط، ولن يؤثر على سير العمل الطبي داخل المستشفى أو على المرضى، بل يهدف إلى توفير بيئة عمل آمنة ومنظمة للأطباء والباحثين وأعضاء هيئة التدريس.
الطريقة الثانية للتعامل الحكومي، مثّلها المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، الذي قال إن استطلاع رأي النقابة "غير مُلزم" من الناحية الدستورية، طالما جاء التشريع من جهة محايدة.
وأشار فوزي إلى أن أخذ رأي النقابة المهنية يكون بمشروعات القوانين المتعلقة بتنظيم المهنة ذاتها، من حيث آدابها وسلوكياتها وتأديب أعضائها، مؤكدًا أن مشروع قانون المستشفيات الجامعية لا ينظم مهنة الطب، ولا يتناول أخلاقياتها أو قواعد مزاولتها، بل يقتصر على تنظيم العمل داخل المستشفيات الجامعية.
انقسام النواب
النائب سيد عبدالعال، عضو مجلس الشيوخ عن حزب التجمع، طالب بأخذ رأي نقابة الأطباء، مضيفًا أن صياغة مواد القانون ستؤثر على المستوى الأكاديمي داخل المستشفيات، لأن الربح سيكون هو المستهدف، خاصة في الجامعات الخاصة.
وأبدى نبيل دعبس، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشيوخ، ومؤسس الأكاديمية الحديثة للهندسة والتكنولوجيا في مصر، تأييده لمشروع القانون، معتبرًا أن منظومة الصحة في مصر تحسنت خلال آخر 12 سنة، مضيفا : "منذ عهد عبد الناصر حتى الآن، نحن في العهد الذهبي للعلاج الطبي في مصر".
نبيل دعبس، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشيوخ،كما دافع النائب الدكتور حسام الملاحي، رئيس جامعة النهضة، عن مشروع القانون قائلا إنه "طال انتظاره"، موضحا أن المستشفيات الجامعية بها نحو 40 ألف سرير، وتقدم الخدمات العلاجية لملايين المصريين على مستوى الجمهورية، وأساتذة الطب هم العمود الفقري للحياة الطبية في مصر.
وأعادت وزارة التعليم العالي، قبل قرابة العام، تشكيل المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية مع ضم مستشفيات الجامعات الخاصة والأجنبية واندماجها الكامل في منظومة المعايير والسياسات العامة للدولة.
يضم المجلس حاليًا أمين المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية، وأمين مجلس الجامعات الخاصة، وأمين مجلس الجامعات الأهلية، وأمين مجلس شئون فروع الجامعات الأجنبية، وأمين مجلس المراكز والمعاهد والهيئات البحثية التابعة للوزير المختص بالبحث العلمي.
بنود مفخخة وسلق قوانين
النائب طارق عبد العزيز، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ، يقول:" إن الجزء الثاني من مشروع تعديلات قانون المستشفيات الجامعية يعيد المنظومة للخلف مائتي عام بدل تطويرها، ويتضمن أمرًا "خطيرًا ومُفزعًا".
طارق عبد العزيز، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ90% من المستشفيات الجامعية غير حاصلة على موافقات الحماية المدنية، بما فيها مستشفيات جامعات عريقة مثل عين شمس والمنصورة، ما يستوجب تدخلا تشريعيا ورقابيا عاجلا.
وشدد وكيل" تشريعية الشيوخ" على ضرورة وضع معايير تخصصية واضحة وملزمة للمستشفيات الجامعية، خاصة تلك التابعة للجامعات الأهلية والخاصة، وفروع الجامعات الأجنبية مع ضمها إلى المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية، حتى لا يحدث تباين في مستوى الخدمة أو اشتراطات السلامة.
انتقد عبد العزيز ما وصفه بـ"المواد المفخخة" في النصف الثاني من مشروع القانون، لا سيما ما يتعلق بآلية اختيار المدير التنفيذي للمستشفى الجامعي عبر عميد كلية الطب، وتسوية درجته الوظيفية مع العميد، بل وربما تفوقه في بعض الحالات.
وأوضح أن المدير التنفيذي يدير مستشفى جامعيا كاملًا وعددًا من المراكز المتخصصة الكبرى مثل ( الأورام والجهاز الهضمي والطوارئ)، ما يتطلب شخصية ذات كفاءة إدارية ورقابية ومالية عالية، وليس اختيارًا شكليا، محذرا من تكريس ما سماه" الشِللية الإدارية".
كما حذر عبد العزيز من منح صلاحية إغلاق المستشفيات الجامعية ضمن النصوص المقترحة، لافتا إلي أن ذلك قد يقود إلى كارثة صحية واجتماعية، خاصة في ظل غموض بعض الشروط، وعدم توافقها مع الواقع التشغيلي للمستشفيات، مطالبا بإعادة صياغة عدد من المواد محل الجدل، قبل المضي قدما في إقرار التعديلات.
النائب محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية بمجلس الشيوخ، أعلن تحفظه على تعديل القانون، وطالب بإعادته إلى لجنة التعليم والبحث العلمي لمزيد من الدراسة، مؤكدا أنه لا يمكن مقارنة مستشفى قصر العيني، الذي يضم 22 مستشفى، أو الدمرداش الذي يضم 18 مستشفى، مع مستشفى جامعة خاصة عبارة عن دورين، عيادات ورخامة.
وأشار مسلم إلى أن المساواة بين المستشفيات الحكومية والجامعية من جهة، والمستشفيات الخاصة من جهة أخرى، تمثل قدرًا من عدم العدالة، مؤكدًا أن الجامعات الحكومية تتحمل عبئًا اجتماعيًا كبيرًا في تقديم الخدمة لغير القادرين، بينما تختلف أهداف المستشفيات الخاصة وطبيعة أدوارها، قائلاً :" لن نمنح شيكًا على بياض، ولن نسمح بأن نتهم بسلق القوانين".
الأطباء .. الحاضر الغائب
الدكتور إيهاب الطاهر، طبيب وخبير بالشئون الصحية، يقول:" إن فلسفة تشغيل المستشفى الجامعى الحكومى، تختلف تماما عن فلسفة تشغيل المستشفى التابع لجامعة خاصة أو أجنبية، فالأولى فلسفتها التعليم والتدريب والعلاج والبحث العلمى، وهى أمور أكثر فائدة للمجتمع من النظر للربح المادى أو حتى محاولة تغطية التكاليف، أما المستشفى التابع لجامعة خاصة فغالبا سيأتى فيه الربح مقدما على الاعتبارات أخرى.
وأضاف الطاهر أن فرض عقوبات مثل الغرامة أو الغلق ستؤثر على ملاك الجامعات الخاصة، ولكن فى حالة الجامعات الحكومية، فإنها ستؤثر على المرضى غير القادرين، وعلى منظومة التعليم والتدريب بكليات الطب وعلى المتدربين من الأطباء، وكذلك على البحث العلمى.
وأوضح خبير بالشئون الصحية أن إلزام المستشفيات الجامعية (الحكومية) بتوفيق أوضاعها خلال سنة، قد يصطدم بعوائق إنشائية لا يمكن تعديلها، كما أنه سيحتاج إنفاق أموال ضخمة قد تزيد عن المتاح بالموازنة، التى وضعتها الحكومة، فماذا ستفعل إدارات المستشفيات (هل تستسلم للتهديد بالغرامة أو الغلق، أم ستفرض مصاريف إضافية على المرضى، وبعض الأطباء المتدربين والباحثين)؟
وأشار الطاهر إلى أنه من الضرورى تطوير وتحسين الأداء، لكن هذا لا يبدأ بإقرار قوانين تفرض عقوبات، ولكنه يبدأ بتوفير متطلبات التطوير والجودة وعلى رأسها:" زيادة الموازنات الحكومية المخصصة للمستشفيات، واختيار القيادات بمعايير شفافة تعتمد على الكفاءة فقط، وتحسين بيئة عمل وأجور الطواقم الطبية والعاملين بالمستشفيات".
واقترح خبير بالشئون الصحية وضع جدول زمنى للتطوير، وتحسين الأداء لكل مستشفى يتم إثناؤه، ومتابعة ومحاسبة إدارات المستشفيات على معدلات التطوير والتحسين التدريجى فى الجودة والأداء، طبقا للمعطيات المتاحة، ثم بعد ذلك يبدأ التفكير فى إقرار عقوبات لا تؤثر على متلقى الخدمة أو مقدمها.
وتمنى الطاهر ألا تؤدى النتائج لدفع بعض المستشفيات الجامعية (الحكومية) للعمل بأسلوب القطاع الخاص الهادف للربح، بما فى ذلك من تأثير سلبى على المرضى غير القادرين، وكذلك على الطلاب والأطباء المتدربين والباحثين.
الحكومة ترد
المستشار محمود فوزي قال:" إن الجدل الخاص بالموارد المالية، والنسب الدستورية يرتبط بـ" قانون الموازنة العامة للدولة"، وليس هذا القانون التنظيمي، كما أن القانون ولائحته التنفيذية يتضمنان بشكل واضح معايير منح التراخيص وتدريب الأطباء.
ودافع الوزير بموضوعية عن المادة الخاصة بتوفيق الأوضاع، موضحًا أن مهلة " عام واحد" لتشكيل مجالس إدارات للمستشفيات القائمة تعد مدة طويلة وكافية جدًا، محذرًا من أن مد الأجل سيخلق وضعًا مزدوجًا بين منشآت خاضعة للقانون وأخرى خارجه.
وفقا لـ فوزي، فإن فكرة" الترخيص الأبدي" تدفع المرافق إلى التكاسل، مشيرًا إلى أن تجديد الترخيص يعد أداة الدولة للرقابة ولضمان" تنشيط" المرفق للحفاظ على المعايير، لافتًا إلى أن الرسوم المقررة تعد" زهيدة" مقارنة بمدخلات المستشفيات الجامعية.