ورقة بحثية جديدة: منصب رئيس" النواب" صراع سياسي أم حلقة في سلسلة الانضباط؟

 

 

خَلُصَت ورقة بحثية جديدة صادرة عن فَكّر تاني بعنوان: "ما الذي تحتمله الدولة؟ رئاسة البرلمان وحدود التمثيل في مصر"، إلى أن منصب رئيس البرلمان من 1924 حتى برلمان 2026، كان أحيانا ساحة لصراع سياسي ودستوري، وأحيانا أخرى كان كرسي رئيس المجلس حلقة ضمن سلسلة انضباط مؤسسي تقوده السلطة التنفيذية.

ركّزت الورقة على الغرفة السفلى للبرلمان، مجلس النواب، بتسمياته المختلفة عبر التاريخ البرلماني منذ دستور 1923 مع إشارة وحيدة لمجلس الشيوخ (الغرفة العليا للبرلمان).

مجلس النواب (وكالات)
مجلس النواب (وكالات)

وتؤكد الورقة، التي أعدها الباحث محمد سعد، أنها لم ترَ رؤساء المجالس كأفراد استثنائيين، بل نتاجات بنيوية تعكس موازين القوة وحدود التمثيل في كل مرحلة، وتفترض أن تغير أشخاص الرئاسة لا يكتسب دلالته من الأسماء، بل من قواعد المجال السياسي الذي تحوّل إلى وظيفة ضبط وإدارة.

أدبيات النظم السلطوية

تنطلق الورقة البحثية من تقاطع أدبيات النظم السلطوية ونظريات العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في السياقات غير الديمقراطية، خصوصاً أدبيات البرلمان السلطوي التي ترى أن وجود برلمان داخل نظام سلطوي لا يعني غياب الوظيفة السياسية، بل تغيّرها، إذ يعمل البرلمان كأداة لإنتاج الشرعية، وضبط النخب، وتوزيع المنافع، واحتواء الصراع، دون أن يكون موقعاً للمساءلة الفعلية.

ترتيبات مسبقة لرئاسة المجلس

واعتمد الباحث محمد سعد على مفهوم الاستقلال النسبي للمؤسسات لفهم لماذا ظهرت في بعض الفترات— خاصة العهد الملكي—رئاسة قادرة على تحدي الحكومة أو إحراجها، بينما تراجعت هذه القدرة مع تحوّل الدولة إلى نمط مركزي يعيد تعريف الشرعية خارج المجال التمثيلي.

مجلس النواب (وكالات)
مجلس النواب (وكالات)

وحاولت الورقة البحثية الإجابة على سؤال مركزي:" كيف تعكس التحولات في موقع رئاسة البرلمان المصري، منذ 1924 حتى 2026، التغيرات البنيوية في طبيعة النظام السياسي والعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

حين حطّم النواب أبواب المجلس

واستعرضت الورقة تاريخ البرلمان المصري بعد دستور 1923 إلى اليوم، ففي التجربة البرلمانية الأولى 1924لم تكن رئاسة البرلمان في ذاتها موضع توتر سياسي، بعد انتخاب حزب الوفد بأغلبية واضحة، وتولّى سعد زغلول رئاسة الحكومة، وانتُخب أحمد مظلوم باشا رئيسا لمجلس النواب.

سعد زغلول
سعد زغلول

وانتهت هذه الدورة على خلفية أزمة اغتيال السير لي ستاك واستقالة حكومة سعد، من دون أن تكون رئاسة المجلس نفسها طرفا مباشرا في الأزمة، وبرزت لحظة كاشفة أخرى خلال أزمة حزيران/يونيو 1930، بعدما تم منع مجلس النواب من الانعقاد بقرار من إسماعيل صدقي وأُغلقت أبوابه بالسلاسل، لكن رئيس المجلس آنذاك، ويصا واصف، أصدر تعليماته بتحطيمها والدخول إلى القاعة وهو ما أسفر عن حل البرلمان نفسه.

برلمان ما بعد يوليو

انتقل النظام السياسي برمّته إلى منطق مختلف، فمع قيام نظام جديد لم يعد هناك مجال لتكرار “وقائع كاشفة” من نوع 1925 أو 1930 أو 1950، لا لأن رئاسة البرلمان أُضعفت تدريجيا، بل لأن السياق الذي كان يسمح لها بالتحول إلى موضع اختبار قد أُزيل من جذوره.

ويرى سعد أنه من هنا، تدخل رئاسة البرلمان في جمهورية يوليو مرحلة مختلفة نوعيا: مرحلة لا تُفهم فيها بوصفها موقعا قابلا للتحدي أو الاختبار، بل بوصفها وظيفة أُعيد تعريفها داخل نظام لم يعد يقبل بتعدد مراكز القرار.

أنور السادات
أنور السادات

وقسّمت الورقة أداءات برلمان ما قبل يوليو حتى قيام الثورة ورصدت من خلال جدول"1" طبيعة تحولات منصب رئاسة المجلس، أما بعد ثورة يوليو فانتهى الإطار الذي جعل رئاسة البرلمان في العهد الملكي موقعا متقلب الدلالة، ففي المرحلة الأولى بعد 1952، لم يُستأنف العمل البرلماني فورا، بل جرى تعليق الحياة النيابية وحل الأحزاب، ثم أُنشئت مؤسسات تشريعية انتقالية بصيغ مختلفة، مثل" مجلس الأمة".

وأُوضحت الورقة أن رئاسة المجلس تم إسنادها إلى شخصيات تنتمي عضويا إلى النظام الجديد، وغالبا من داخل تنظيم الضباط أو الدائرة القريبة منه، مثل عبد الطيف البغدادي وأنور السادات، ولم يعد وكرسي رئيس المجلس موقعا قد يُفاجئ السلطة، بل موقعا يُختار بعناية ليضمن ألا تحدث مفاجآت.

مجلس بصلاحيات محددة

ورصد الباحث محمد سعد تحولات منصب رئيس البرلمان مع بداية حكم الرئيس الراحل أنور السادات 1970، قائلا إن هذه الوظيفة تغيرت تغيرا جذريا، فالفارق لم يكن في استعادة استقلال تشريعي بالمعنى الكلاسيكي، بل في إعادة إدخال البرلمان ضمن معادلة سياسية أكثر تعقيدا، تستخدم التعددية المحدودة والانفتاح المنضبط كأدوات لإدارة النظام لا لتقويضه، حيث شكّل دستور 1971 لحظة مفصلية أعاد فيها تثبيت البرلمان بوصفه مؤسسة دائمة ذات صلاحيات محددة.

كما ترى الورقة البحثية أن مرحلة حكم السادات مثّلت حالة وسطى في تاريخ رئاسة البرلمان، فهى لم تكن امتدادا مباشرا لمرحلة ما بعد 1952، ولا عودة إلى نمط العهد الملكيٍ، بل هي مرحلة أعادت إدخال البرلمان إلى الحياة السياسية، مع الإبقاء على رئاسته ضمن حدود واضحة.

الجمود.. 21 عاما رئيسا للبرلمان

ومع تولي الرئيس الراحل مبارك الحكم 1981، كشفت الورقة البحثية أن رئاسة البرلمان دخلت طورا مختلفا عما سبقها، حيث تحوّل كرسي رئيس البرلمان إلى منصب مستقر طويل الأمد، يكاد ينفصل عن إيقاع السياسة ذاته، حيث تولى الدكتور فتحي سرور تولى رئاسة البرلمان من 1990 إلى 2011، حوالي 21 عاما! وهو ما مثّل ذروة تحويل رئاسة البرلمان من موقع قابل للتقلب إلى منصب مستقر إلى حد الجمود.

برلمان ما بعد يناير و حل المجلس

في ورقته البحثية يكشف سعد أنه بعد انتخابات 2011–2012، وأصبح سعد الكتاتني رئيسا لمجلس الشعب في يناير 2012، تم كسر نمطين راسخين معا وهما: أن تأتي رئاسة المجلس من خارج الدائرة التقليدية للدولة، وأن تُحسم عبر أغلبية برلمانية، لا عبر توافق مُسبق مع السلطة التنفيذية.

كما أن رئاسة الكتاتني للمجلس لم تكن امتدادا لوظيفة إجرائية مثلما كانت في عهد مبارك، ولا جزءا من هندسة سلطوية كما في جمهوريات يوليو الأولى، بل تعبيرا مباشرا عن ميزان القوى داخل مجلس منتخب حديثا، للمرة الأولى منذ عقود، أصبحت رئاسة البرلمان نتاجا مباشرا لتنافس سياسي وتحالفات انتخابية، لا لاعتبارات الاستقرار أو الضبط المؤسسي. وهو ما أعاد الرئاسة إلى موقع النزاع السياسي، ليس داخل المجلس فحسب، بل في علاقتها ببقية مؤسسات الدولة، ولم تُمنح رئاسة البرلمان فرصة للتحول إلى تقليد مستقر، حيث تم حل البرلمان، بحسب الورقة البحثية.

برلمان الجمهورية الجديدة

يرى الباحث أنه مع تولي الرئيس السيسي السلطة عام 2014، لم تُستعد الصيغة البرلمانية السابقة على يناير، ولم يُعَد إنتاج نموذج «الرئاسة الأبدية» الذي استقر في عهد مبارك، بل جرى تبني نمط ثالث مختلف: برلمان قائم ومستقر، مع رئاسة مُدارة وقابلة للتدوير، ولا يُفهم هذا التحول بوصفه انفتاحا مؤسسيا، بل استجابة مباشرة لتجربة 2011–2012، ومحاولة لمنع تكرار تمركز شرعية سياسية مستقلة داخل موقع رئاسة المجلس.

المستشار هشام بدوي
المستشار هشام بدوي

وأُجريت انتخابات 2015 في ظل نظام انتخابي صُمم لإنتاج أغلبية واسعة غير حزبية، يعتمد أساسا على القوائم المغلقة والتحالفات المُدارة.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة