استكمالًا لرحلتهن في تحويل الألم داخل المجال الخاص إلى قضية عامة، أطلقت مؤسسة براح آمن “سِجلّ البيوت”، وهي خريطة توثيقية لرصد أخبار العنف ضد النساء بالأرقام داخل المجال الخاص في مصر، خلال الفترة من 2018 إلى 2024. وتجمع الخريطة إنتاج المبادرة في الرصد منذ انطلاقه عام 2018 وحتى عام 2024.
وتتيح الخريطة للمستخدمين الاطلاع على أخبار العنف في المجال الخاص عبر أكثر من أداة، من بينها العمود الجانبي وميزة البحث، أو من خلال استعراض الخريطة للتعرّف على مواقع ظهور الوقائع داخل محافظات جمهورية مصر العربية، إلى جانب الرسوم البيانية والأرقام الإجمالية المعروضة أسفل الخريطة.
ويمكن البحث داخل الوقائع باستخدام عناوين الأخبار أو الكلمات الواردة في نصوصها، مع إمكانية تصنيفها حسب المحافظة، بما يسمح بتتبّع أنماط العنف ومقارنتها جغرافيًا. كما تتيح الخريطة التحكم في العرض عبر أزرار التكبير والتصغير لرؤية توزيع الأخبار داخل كل محافظة، والاطلاع على العدد الإجمالي للأخبار، سواء بشكل عام أو موزعًا حسب الموقع الجغرافي وأنواع العنف. وللأغراض البحثية، يمكن تحميل قاعدة البيانات في ملف إكسيل كمصدر مفتوح للاطلاع أو التحليل.
ترتكز خريطة العنف في المجال الخاص التي أطلقتها مؤسسة براح آمن على رصد رقمي للأخبار المنشورة عن وقائع العنف ضد النساء والفتيات، مع تحليل هذه البيانات في إطار اجتماعي وقانوني يستند إلى منظور نسوي. ويعتمد هذا الرصد على متابعة ما تنشره الصحف المصرية من وقائع تحدث داخل المجال الخاص، بهدف تتبّع أنماط العنف السائدة، وفهم طبيعة العلاقات بين الجناة والناجيات، ورصد كيفية تعامل المجتمع والمؤسسات الرسمية والإعلام مع هذه القضايا، بما يتيح إنتاج معرفة يمكن توظيفها في المناصرة وصياغة السياسات.

وعلى مدار سنوات العمل، شهدت منهجية الرصد تطورًا تدريجيًا استجابة لتراكم الخبرة واتساع نطاق المتابعة، لتتجاوز حصرها في الجرائم المنصوص عليها قانونيًا فقط، وتشمل ممارسات عنف يومية لا يعترف بها القانون المصري بوصفها جرائم، مثل الحرمان من التعليم أو فرض الحبس المنزلي أو الامتناع عن الإنفاق. ويأتي هذا التوسع في إطار محاولة إعادة تعريف هذه الأفعال اجتماعيًا باعتبارها انتهاكات حقيقية لحقوق النساء والفتيات، وتسليط الضوء على خطورتها وآثارها الممتدة.
وتعتمد الخريطة في تصنيف الوقائع على مجموعة من المؤشرات، من بينها نوع العنف، والموقع الجغرافي، وعلاقة الجاني بالناجية، والفئة العمرية، مع التعامل مع العنف بوصفه ظاهرة مركبة غالبًا ما تتداخل فيها أكثر من صورة للانتهاك في الواقعة الواحدة. ورغم أن هذه البيانات لا تمثل الحجم الفعلي للعنف القائم، لاعتمادها على ما يُنشر في الصحف فقط، فإنها توفر مؤشرًا تراكميًا مهمًا يساعد على قراءة اتجاهات العنف داخل المجال الخاص، وربطها بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية الأوسع.
تقول شيماء طنطاوي، الشريكة المؤسسة لمبادرة براح آمن، في حديثها إلى فَكّر تاني، أن الخريطة تجمع حصيلة الرصد السنوي الذي نفذته المؤسسة على مدار سنوات عملها في مساحة واحدة، وسوف يتم تطويرها وتحديثها بشكل مستمر مع إضافة بيانات الرصد الجديدة. وتشير إلى أن المؤسسة تعمل بالتوازي على إعداد تقرير تحليلي يقدّم السياق العام للخريطة ويحلل الأرقام الواردة بها.

وتلفت شيماء إلى أن هناك زيادة ملحوظة في جرائم القتل والعنف الجنسي ضد الأطفال خلال السنوات الأخيرة، معتبرةً أن تصاعد رصد هذه الجرائم قد يرتبط بكون العنف الجنسي ضد الأطفال لم يكن مطروحًا سابقًا للنقاش العام في السياق المصري، ما أسهم في غيابه إعلاميًا لفترات طويلة، قبل أن يبدأ في الظهور على الساحة الإعلامية خلال السنوات الأخيرة.
وفيما يتعلق بجرائم القتل، ترى شيماء أن حدتها تتصاعد بشكل أكثر وحشية، في ظل شعور بعض الجناة بأمان العقاب، نتيجة تداول أخبار عن تخفيف الأحكام في مثل هذه القضايا، وهو ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب. وتضيف أن تصاعد جرائم القتل ينعكس بدوره على باقي أنماط العنف، التي غالبًا ما تحدث بصورة متدرجة وتتفاقم بمرور الوقت.
وتؤكد شيماء أن الهدف من الخريطة هو تقديم صورة شاملة وواضحة للعنف بوصفه خللًا بنيويًا متغلغلًا في المجتمع ويتصاعد بشكل مستمر، مشددةً على أن أحد أهداف المبادرة هو إيصال هذه الصورة إلى صانعي القرار، وتوضيح أهمية إصدار قانون شامل لمكافحة جرائم العنف ضد النساء. كما تشير إلى أن المؤسسة تعتمد في منهجيتها على رصد الأخبار المنشورة في الصحف الرسمية، بما يضمن إتاحة مصدر موثوق يمكن للباحثين والباحثات الاعتماد عليه.
تشير بيانات خريطة العنف في المجال الخاص إلى أن العنف الجسدي تصدّر أنماط العنف المرصودة خلال أعوام 2018 و2019 و2023. ورغم ما تكشفه الأرقام من اتجاهات واضحة، فإنها لا تعكس الصورة كاملة، إذ يظل جزء كبير من العنف غير مرئي، سواء في طريقة الصياغة الإعلامية، أو توصيف الوقائع، أو آليات التعامل معها. كما تُظهر البيانات أن أنماط العنف لا تحدث بمعزل عن بعضها، بل تتكرر وتتداخل داخل البيوت نفسها بأشكال متعددة. وتأتي خريطة “سِجلّ البيوت” كمحاولة لتجميع هذه الوقائع المبعثرة، وتوثيق ما غالبًا ما يبقى خارج الرصد والاعتراف.
تأتي خريطة “سِجلّ البيوت” كأحد مخرجات برنامج الإنتاج المعرفي في مؤسسة براح آمن، ضمن برنامج يسعى إلى توسيع الفهم النسوي لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل المجال الخاص، وما يرتبط به من قضايا تمتد إلى المجال العام، فضلًا عن موضوعات جنسانية النساء والصحة والحقوق الجنسية والإنجابية.
ويعمل البرنامج على إنتاج معرفة موثقة حول هذه القضايا عبر تقارير تحليلية ورصدية دورية، ومقالات بحثية، وقواعد بيانات متخصصة، بما يدعم النقاش العام ويعزز اتساق المحتوى مع الرؤية النسوية للمؤسسة.
وتوضح تسنيم منير، مديرة برنامج الانتاج المعرفي، أن خريطة العنف في المجال الخاص تُستخدم بالأساس كأداة رقمية لرصد الأرقام والأنماط العامة، مثل أكثر المحافظات التي شهدت وقائع عنف، وأنواع العنف الأكثر تكرارًا، وتصنيفات الوقائع التي تجمع بين أكثر من نمط في الخبر الواحد. وتشير إلى أن دور الخريطة يتركز في تقديم هذه المؤشرات الكمية، بينما يأتي التحليل التفصيلي في التقارير المصاحبة التي تتناول أشكال الانتهاكات الواقعة تحت كل نوع من أنواع العنف، والأسس التي جرى على أساسها تصنيف الوقائع.

وتلفت تسنيم إلى أن التحليل يتجاوز الأرقام لرصد السياقات والأحداث المحيطة بالوقائع، مثل ارتباط تصاعد العنف بمواسم ومناسبات بعينها، من بينها شهر رمضان والأعياد، إلى جانب فترات الإجازات والمصايف، فضلًا عن الظروف المناخية القاسية مثل موجات الحر الشديد أو البرد القارس.
كما تشير إلى بروز أنماط محددة خلال السنوات الأخيرة، من بينها جرائم القتل بدافع الرفض، وتزايد العنف في جرائم قتل الزوجات، سواء من حيث حدّتها أو طابعها الاستعراضي في بعض الحالات.
وتتطرق تسنيم إلى ما كشفه الرصد بشأن أوضاع اللاجئات في مصر، وطبيعة تناول الصحافة لوقائع العنف المرتبطة بهن، مؤكدة أهمية قراءة الخطاب الإعلامي المصاحب لهذه القضايا. وتوضح أن استخدام مصطلحات مثل "الدفاع عن الشرف" أو "غسل العار" يسهم في تطبيع العنف أو تبريره، بدلًا من تسميته بوصفه عنفًا صريحًا ضد النساء. وتؤكد أن للإعلام دورًا محوريًا في تشكيل وعي الجمهور تجاه العنف في المجال الخاص، سواء عبر إعادة إنتاج الصور النمطية أو عبر تسليط الضوء على هذه الوقائع بوصفها انتهاكات تستدعي المساءلة.