لمن تفتح البنوك خزائنها في مصر؟

تحت عنوان "الاستحواذ الكامل"، يمكن وصف المشهد الحالي لصناعة التطوير العقاري في مصر، بعدما نجح هذا القطاع في قنص النصيب الأكبر من مصادر التمويل المتاحة، محتلًا المراتب الأولى في قروض القطاعين المالي المصرفي وغير المصرفي، علاوةً على توظيف آليات مالية متقدمة لتعزيز السيولة، بدءًا من التوريق وزيادة رؤوس الأموال، وصولًا إلى تأسيس الصناديق العقارية.

القوائم المالية نفسها التي أعلنها البنك الأهلي المصري -أكبر البنوك الحكومية- لعام 2025 تكشف عن هذا الخلل واضح في أولويات التمويل؛ إذ استحوذ قطاع المقاولات والتطوير العقاري على الكتلة الأكبر من التمويلات بقيمة ناهزت 30 مليار جنيه، تلاه قطاع النقل والمواصلات بـ 28 مليار جنيه.

في المقابل، تراجع قطاع الصناعات التحويلية -الذي يفترض أن يكون عصب الاقتصاد وقاطرة التصدير وجذب العملة الصعبة- إلى المركز الثالث، بينما حل قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة رابعًا، رغم المساعي الحكومية لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة.

والمفارقة الأكبر تجلت في قطاع السياحة، الذي جاء في المرتبة الخامسة بتمويلات لم تتجاوز 6 مليارات جنيه (أي ما يعادل 20% فقط مما حظي به العقار)، وذلك رغم الطفرة التي يشهدها القطاع منذ افتتاح المتحف المصري الكبير، والخطط القومية لجذب 30 مليون سائح بحلول 2030.

إنفوجراف مصدره القوائم المالية للبنك الأهلي المصري في 2025 - تم تصميمه بالذكاء الاصطناعي
إنفوجراف مصدره القوائم المالية للبنك الأهلي المصري في 2025 - تم تصميمه بالذكاء الاصطناعي

البنوك تفتح خزائنها للكبار

لم يكن تصدر القطاع العقاري للقوائم المالية مجرد رقم عابر، بل نتاج سلسلة من التحالفات المصرفية الضخمة. فقد قاد البنك الأهلي تحالفًا لإقراض شركة "مشارف للاستثمار العقاري" (إحدى شركات بي آر أي جروب) بقيمة مليار جنيه، إضافة إلى تمويل ضخم بقيمة 3 مليارات جنيه لصالح شركة "أورا ديفلوبرز إيجبت" المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس.

ولم يغرد البنك الأهلي منفردًا في هذا السرب؛ إذ أظهرت بيانات بنك قطر الوطني الأهلي (QNB) قفزة في القروض الموجهة للقطاع العقاري بنسبة 42% خلال عام 2025، لتسجل 11.7 مليار جنيه، في مؤشر قوي على توسع محفظة البنك لتلبية الطلب المتزايد من المطورين.

وعلى المسار ذاته، قاد بنك مصر في 2025 تحالفًا مصرفيًا لصالح شركة "ماونتن ڤيو"، لترتيب تمويل مشترك طويل الأجل (7 سنوات) بقيمة 6.2 مليار جنيه، يغطي جزءًا من التكلفة الاستثمارية لمشروع الشركة بشرق القاهرة البالغة 14.4 مليار جنيه.

كما رتب البنك قرضًا مشتركًا بـ 1.3 مليار جنيه لصالح شركة الشرق الأوسط للاستثمار العقاري (مجموعة بالم هيلز) لتمويل فندق "Casa Cook" في هاسيندا وايت بالساحل الشمالي.

واستمرارًا لمسلسل التمويلات المليارية، رتب بنك مصر بالتعاون مع بنوك أخرى تمويلًا لصالح شركة "سكاي أونوڤو" لتملك وتقسيم الأراضي، بقيمة 7 مليارات جنيه وبأجل زمني يصل إلى 7 سنوات و9 أشهر، للمساهمة في مشروع "Park St. Edition" بالقاهرة الجديدة الذي تبلغ استثماراته الإجمالية 16.05 مليار جنيه.

وفي صيغة إسلامية، شارك تحالف يضم بنوك مصر، والقاهرة، والأهلي، والتعمير والإسكان، وقناة السويس، في إبرام عقد بصيغة "المضاربة" لصالح شركة "إنرشيا للتنمية العقارية" بقيمة 5.2 مليار جنيه لمدة 6 سنوات، لتمويل مشروع "چيفيرا" برأس الحكمة.

منافسة على "السيولة المحلية"

رغم أن الفلسفة الاقتصادية من جذب الاستثمارات العقارية الخليجية تقوم أساسًا على ضخ رؤوس أموال أجنبية جديدة من الخارج، إلا أن واقع السوق يكشف عن مشهد مغاير؛ حيث تزاحم هذه الكيانات الكبرى نظيرتها المصرية في الحصول على التمويل من البنوك العاملة بالسوق المحلية.

تشير البيانات إلى انخراط البنوك المصرية بقوة في تمويل أذرع الشركات الخليجية؛ إذ شارك البنك الأهلي المصري، العام الماضي، في توفير تمويل بقيمة 1.2 مليار جنيه لصالح شركة "ماجيك لاند الحكير" (التابعة لمجموعة الحكير السعودية).

هذا التمويل خُصص لمشروع تطوير وإنشاء المدينة الترفيهية التجارية "TANZA" داخل المنطقة الحرة بمدينة السادس من أكتوبر، ومثل التمويل وحده نحو 60% من إجمالي التكاليف الاستثمارية للمشروع البالغة 2.1 مليار جنيه.

وفي السياق ذاته، قاد تحالف مصرفي برئاسة بنك مصر توقيع عقد تمويل مشترك متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية بقيمة 3 مليارات جنيه لصالح شركة "المراسم الدولية للتطوير العمراني" (التابعة لمجموعة بن لادن السعودية)، بهدف تمويل الجزء المتبقي من التكلفة الاستثمارية لمشروع "فيفث سكوير"، ليرتفع بذلك إجمالي التمويلات الممنوحة للشركة إلى 8.9 مليار جنيه.

ولم تغب الشركات الإماراتية عن مشهد الاقتراض المحلي؛ ففي نوفمبر الماضي، وقع بنك مصر عقد تسهيل ائتماني دوار (Revolving Credit Facility) مع شركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار "سوديك" (التابعة لتحالف الدار العقارية والقابضة ADQ الإماراتية)، بقيمة إجمالية بلغت 3 مليارات جنيه وبأجل يصل إلى 4 سنوات.

وجاء هذا التمويل مدعومًا بالملاءة المالية القوية لـ "سوديك"، التي سجلت انخفاضًا في الرافعة المالية، حيث بلغ رصيد ديونها المصرفية 5.98 مليار جنيه في 30 سبتمبر، لتصل نسبة الديون إلى حقوق الملكية لمستوى آمن عند 0.43x.

وفي تعليق على هذا التوجه، أوضح مسؤول مصرفي أن البنوك العاملة في السوق لا تفرق في قرارات التمويل بين شركات المقاولات الأجنبية والمصرية؛ فالفيصل هو "الملاءة المالية" والقدرة على السداد لضمان أموال المودعين.

وأضاف المصدر أن شهية البنوك مفتوحة لتمويل القطاع العقاري في ظل الأرباح القياسية التي حققتها الشركات خلال العقد الأخير، بجانب اعتماد نموذج العمل في مصر على "البيع بالتقسيط"، مما يجعل الشركات في حاجة دائمة لسيولة نقدية فورية لا توفرها تدفقات الأقساط طويلة الأجل.

العقار يلتهم "الكعكة" غير المصرفية أيضًا

لم يكتفِ القطاع العقاري بالهيمنة على القروض البنكية، بل امتد نفوذه ليتصدر مشهد التمويل غير المصرفي أيضًا. وبحسب أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، قفز نشاط التمويل العقاري مسجلًا 24.3 مليار جنيه خلال عام 2025، بمعدل نمو بلغ 51.9%، وهو ما يعكس زيادة الطلب على حلول التمويل السكني وتطور الأطر التنظيمية.

وكشفت البيانات أن القروض التراكمية الممنوحة من شركات التمويل العقاري سجلت 36 مليار جنيه بنهاية أول 11 شهرًا من عام 2025، مقارنة بـ 22.1 مليار جنيه خلال الفترة المناظرة من 2024، بمعدل نمو قياسي بلغ 64.4%. كما شهد شهر نوفمبر الماضي وحده قفزة نوعية، إذ ارتفعت قروض الشركات بنسبة 236% على أساس سنوي، مسجلة 3.87 مليار جنيه مقارنة بـ 1.15 مليار جنيه في العام السابق.

وبالتوازي مع ذلك، لجأت شركات التطوير العقاري إلى آلية "سندات التوريق" كأحد أبرز الحلول التي توفرها سوق المال لتسييل محافظها المالية. وتشير الإحصائيات إلى تنفيذ 30 إصدارًا لسندات توريق بضمان محافظ تمويل أو تطوير عقاري، بقيمة إجمالية بلغت 77.2 مليار جنيه.

هذا الرقم الضخم يمثل وحده نحو 36.6% من إجمالي إصدارات سندات التوريق في مصر خلال الفترة من عام 2022 وحتى نهاية أغسطس 2025، والبالغة قيمتها الكلية 211 مليار جنيه.

ولم تتوقف الحلول المبتكرة عند هذا الحد، بل لجأت الشركات العقارية المقيدة في البورصة إلى التمويل غير المباشر عبر "زيادة رأس المال"؛ وهي آلية تتيح للشركة الحصول على سيولة "صفرية التكلفة" (دون فوائد بنكية). فعلى سبيل المثال، إذا أرادت شركة زيادة رأسمالها، يمكنها طرح أسهم جديدة للمساهمين (مثلاً زيادة الأسهم من 100 مليون إلى 150 مليون سهم بقيمة 5 جنيهات للسهم)، لتحصل بذلك على 250 مليون جنيه نقدًا تدخل خزائنها مباشرة دون أعباء الاقتراض التقليدي.

فجوة "تحت الإنشاء".. هل تنقذ الرقابة السيولة؟

ورغم هذا الدعم المالي الواسع، يطالب المطورون في جميع المؤتمرات المتخصصة -التي باتت تنظمها كبرى المؤسسات الصحفية والاقتصادية- بمزيد من التيسيرات.

تتمحور المعضلة الأساسية التي يسعى المطورون لحلها حاليًا في "تمويل الوحدات تحت الإنشاء" (Off-plan financing)، وهو الأمر الذي كان يصطدم بقرار البنك المركزي الصادر عام 2007، والذي اشترط أن تكون الوحدات كاملة التشطيب قبل دخولها في العملية التمويلية.

وتكشف أرقام المطورين عن فجوة هائلة؛ ففي عام 2024، بلغت مبيعات الوحدات "تحت الإنشاء" نحو 2 تريليون جنيه (لدى أكبر 20 مطورًا فقط)، بينما لم يتجاوز حجم قطاع التمويل العقاري الرسمي في العام نفسه 25 مليار جنيه، أي بنسبة ضئيلة لا تتعدى 1.25% من حجم السوق الحقيقي.

واستجابةً لهذه الضغوط، أقرت الرقابة المالية في أكتوبر الماضي تعديلات جوهرية سمحت لشركات التمويل العقاري بالتعامل الجزئي مع المطورين عبر "شراء محافظ الحقوق المالية" (شيكات العملاء الآجلة).

والأهم من ذلك، خفّض القرار شرط "الانتظام المسبق" لسداد العملاء ليصبح 10% فقط من ثمن الوحدة بدلًا من 20%؛ أي أن العميل إذا سدد 10% من قيمة وحدته بانتظام، يمكن لشركة التطوير العقاري بيع مديونيته لشركة تمويل عقاري والحصول على قيمتها "كاش" فورًا، مما يحل أزمة السيولة ويسرع دورة رأس المال.

"الدائرة العقارية".. روشتة برلمانية لضبط الإيقاع

وسط هذا الزخم المالي الهائل، وتزايد الفجوة بين التوسع العمراني والآليات التنظيمية، برزت الحاجة الملحة لتدخل تشريعي يضبط إيقاع السوق ويحمي جميع الأطراف.

في هذا الإطار، تقدم النائب ياسر قورة، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، بـ "اقتراح برغبة" إلى لجنة الإسكان، يهدف لإنشاء منظومة مالية ورقابية رقمية موحدة تحت مسمى "الدائرة العقارية".

يهدف المقترح إلى تأسيس هيئة تنسيقية وطنية تضم ممثلين عن الوزارات السيادية المعنية (الإسكان، العدل، المالية) والبنك المركزي المصري، لتتولى الإشراف الكامل على المشروعات وتنظيم العلاقة المتشابكة بين المطور والمشتري والممول.

يرتكز المقترح البرلماني على حزمة من الآليات الحمائية الدقيقة، جاءت تفاصيلها كالتالي:

أولًا: حساب الضمان

ألزم المقترح بإنشاء حساب بنكي مستقل لكل مشروع عقاري على حدة، تُودع فيه حصريًا جميع الأموال المحصلة من العملاء والممولين.

ونص المقترح بوضوح على ألا يتم الصرف من هذا الحساب للمطورين إلا بعد اعتماد الجهة الرقابية لنسب الإنجاز الفعلية على أرض الواقع، مع منح الصلاحية لتجميد الأموال فورًا في حال تعثر المطور أو انسحابه، لحين إسناد استكمال المشروع لمطور بديل، حفاظًا على أموال الحاجزين.

ثانيًا: المنصة الرقمية والشفافية السعرية

تضمن المقترح إنشاء منصة إلكترونية وطنية تحتوي على قاعدة بيانات شاملة ومحدثة لحظيًا لجميع المشروعات.

وترتبط هذه المنصة إلكترونيًا بالبنوك وجهات التمويل وهيئة المجتمعات العمرانية، لتوضيح "الأسعار الفعلية" للمتر ونسب التنفيذ، مما يغلق الباب أمام التلاعب أو المضاربات السعرية غير المبررة.

ثالثًا: العدالة الناجزة والتعريف الرقمي

لحل إشكالية بطء التقاضي، اقترح النائب إنشاء وحدة قضائية متخصصة لفض المنازعات العقارية، تضم قضاة ومستشارين فنيين ومهندسين، لسرعة الفصل في الخلافات دون اللجوء للمحاكم المدنية.

كما شملت "الروشتة" إلزام المطورين بإصدار "شهادة تعريف رقمية" (Digital ID) لكل وحدة، تتضمن المساحة الفعلية المعتمدة هندسيًا (Net Area)، والسعر الحقيقي، ورقم الحساب البنكي للمشروع، مع حظر استخدام العبارات المطاطة في العقود مثل "تقريبًا" أو "تحت العجز والزيادة"، لضمان الحماية القانونية للمشترين.

رابعًا: ما بعد البيع (وديعة الصيانة)

لم يغفل المقترح مرحلة التشغيل، إذ نص على إنشاء حسابات فرعية مخصصة للصيانة والإدارة داخل منظومة المشروع، وضمان تحويل "وديعة الصيانة" إلى اتحاد الشاغلين (الملاك) فور التسليم، لضمان استدامة جودة الخدمات والمرافق والقضاء على ظاهرة تبديد هذه الودائع.

وأكد النائب أن تطبيق هذا النظام كفيل بالقضاء على ظاهرة "بيع الوهم العقاري" وتحويل القطاع إلى محرك تنموي مستقر.

هل تكفي أموال البنوك طموحات المطورين؟

رغم "طوفان السيولة" المرصود والتدفق المستمر للمليارات من البنوك وشركات التمويل وأسواق المال، لا يزال المطورون يطالبون في كل محفل ومؤتمر بمزيد من التيسيرات التمويلية وخفض أسعار الفائدة.

هذه المفارقة الصارخة تكشف عن حقيقة جوهرية تحكم السوق العقاري المصري، وهي أن "شهية التوسع لدى الشركات تفوق دائمًا المتاح من السيولة". فالنموذج القائم حاليًا لدى بعض الشركات الكبرى، التي تعلن عن إطلاق 4 مشروعات ضخمة دفعة واحدة معتمدة بشكل شبه كلي على الاقتراض ومقدمات حجز العملاء (في سوق مبيعات "تحت الإنشاء" تجاوز حجمه 2 تريليون جنيه)، يضع هذه الشركات في دائرة احتياج لا تنتهي للتمويل.

وفي هذا السياق، يبدو أن كل مليار تضخه البنوك في شرايين هذا القطاع ليس إلا "دفعة أولى" في فاتورة طموحات توسعية لا سقف لها، مما يثير تساؤلات مشروعة حول استدامة هذا النموذج التمويلي، وتأثيره المباشر على مزاحمة قطاعات إنتاجية حيوية -كالصناعة والسياحة- باتت تقف في "قائمة الانتظار" بحثًا عن فتات التمويل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة