بين المقابر والمشرحة.. نساء يبحثن عن "ستار الكرامة" خلف جدران الموت

الواحدة صباحًا.. لا صوت في الشارع غير نباح الكلاب وصفير الرياح الذي يتسلل من شقوق النوافذ الخشبية القديمة. الحركة في الخارج توقفت تمامًا، والظلام يخيم، وهو ليس ظلامًا عاديًا، بل ستار ثقيل من "الرهبة" يفرضه الجار الصامت القابع على بعد أمتار قليلة.

في هذا الشارع، تصبح أصوات مواء القطط المتشاجرة صرخات مكتومة في مخيلة سكانه، ويتحول صرير الأبواب إلى نذير شؤم. أمام مشرحة زينهم، لا يغلق الناس نوافذهم هربًا من البرد، بل فرارًا من "الرعب الليلي" الذي يبدأ كل يوم مع دقات الثانية عشر.

هنا، يتشابه الأحياء والأموات فكلاهما داخل مشرحة زينهم يُغسل. لم تكن "جنة" ذات الأعوام الخمسة تُدرك -مع هذا الواقع- ذلك الفاصل الزمني بين الموت والحياة. لا تعرف عن عالم الأموات سوى حكايات الرعب المتواترة بين الأحياء، وهي القصص ذاتها التي حبست حاجتها إلى دورة مياه لا توفرها إلا المشرحة.

وسط هذا السكون الثقيل، أيقظت الطفلة الصغيرة عمتها من نومها العميق، وبنظرة حائرة قالت لها: "عايزة ادخل الحمام"، أما بالنسبة لعمتها الحاجة نحمده -56 عامًا، لم يكن الأمر مجرد استجابة لرغبة طفلة، بل كان مواجهةً متجددة مع عجزها.
هي التي قذفت بها الأيام لتسكن مع زوجها وابنتي شقيقها في غرفةٍ واحدة بمحيط "مشرحة زينهم"؛ لم يكن ضيق المكان هو أزمتها الوحيدة، بل تلك "المقايضة" القاسية التي فرضها عليها الفقر، حين أجبرها على السكن في بقعةٍ يفر منها الجميع، لتجد نفسها الآن -وفي هذه الساعة- عاجزةً حتى عن تأمين طريق طفلة نحو أبسط احتياجاتها، بعيدًا عن ملامح الموت التي تحاصر جدرانهم.

بقينا فقرا أكتر وأحلام الشقة بقت صعبة وبعيدة (تصميم سلمى الطوبجي)

"أنا عايشة هنا فوق العشرين سنة، لما جيت اتجوز وعودني إن العيشة هنا مؤقتة. لكن الأيام عدت ومفيش حاجة اتغيرت، بقينا فقرا أكتر وأحلام الشقة بقت صعبة وبعيدة".. تقول الحاجة نحمده في حديثها مع فَكّر تاني.

يعمل زوجها مغسلًا للموتى، يتكسبون ركنا نوفر قوت يومنا بشق الأنفس، فزوجي كان يعمل "مغسلًا للموتى"، مهنةٌ لا تضمن دخلًا ثابتًا، بل تضمن فقط أن يظل الموت رفيقنا في البيت والعمل.

هكذا تقول نحمده وهي تنظر إلى أركان غرفتها بحسرة، كأنها تتمنى لو أن جدران المكان تنطق لتشهد على حكايتها التي تتمنى أن تصبح "ماضيًا" في يوم ما. شردت قليلًا، ثم تابعت بصوتٍ يملؤه الرضا الممزوج بالمرارة: "أنا معنديش عفش زي بقية البيوت، ولا أجهزة كهربائية تملا الفراغ، ورضيت باللي قسمه ربنا.. لكن اللي مبوظ عليا العيشة، مفيش حمام!!".

اضطرت نحمده لاستخدام حمام المشرحة لقضاء حاجتها، وهو الأمر الذي يزرع الخوف في قلبها كل ليلة، حين يهدأ ضجيج المارة الذي كان يشتت انتباهها عن صوت سيارات نقل الموتى وهي تفرغ حمولتها الثقيلة أمام بابها. أما زوجها، فكان يهرب من هذا الشعور باستخدام مراحيض المساجد أو المقاهي القريبة، تاركًا إياها وحدها في مواجهة خوفها وحرجها.

تفاقمت المأساة حين طلق شقيقها زوجته، وتخليا معًا عن ابنتهما "ياسمين". لم تتردد نحمده في تبني ابنة السبعة أعوام، وهو القرار الذي كلفها رحيل زوجها، حيث رفض تحمل تلك المسؤولية فتحملتها وحدها، وهجرها ليتزوج بأخرى، تاركًا نحمده وياسمين في غرفة غير مؤهلة للحياة، تواجهان وحدهما وحشة المكان.

في انتظار "الضوء"

"أنا كبرت هنا.. 15 سنة عايشاهم في الضلمة دي"؛ تحكي ياسمين 21 سنة، عن طفولتها مع عمتها التي تناديها "ماما". ورغم أن العيش معها كان أرحم بكثير من شتات والديها، إلا أن هذا المكان هو العدو الأول لطفولتها. استيقظت ياسمين يوميًا على صرخات أهالي الضحايا، وشاهدت الجثامين وهي تُنقل في سيارات الإسعاف أمام عينيها الصغيرتين.

حاولتا مرارًا الحصول على شقة من المحافظة أو الإسكان، لكن الحظ لم يحالفهما؛ إما لنقص الأوراق، أو لعجز مالي عن دفع "المقدم". لم تتمالك ياسمين نفسها وهي تحكي، قاطعتها الدموع حين تذكرت اضطرارها لدخول حمام المشرحة ليلًا، خاصة في المرات التي كانت فيها عمتها نحمده مريضة ولا تستطيع مرافقتها: "أنا حاسة بالحرج، لكن عمتي حطت جردل فاضي ورا الأوضة بتاعتنا لحالات الطوارئ وأيام البرد القارس؛ احنا في يناير والبرد بيشد ع العضم. بنمشي ييجي 200 متر لحد حمام المشرحة".

وبينما فشلت كل محاولات إصلاح الحمام الملاصق للغرفة بسبب المال أحيانًا، وبسبب تعقيدات الحي التي لا تفهم فيها عمتها أحيان أخرى. تحكي ياسمين كيف كانت تظل مستيقظة طوال الليل، رغم حاجتها للحمام، تنتظر "خيط الضوء" في السماء لتتشجع وتخرج من الغرفة.

اليوم، تحاول ياسمين أن تخفي رعبها أمام جنة اختها الصغيرة، التي انتقلت للعيش معهما مؤخرًا لنفس الظروف القاسية؛ وكأن القدر قرر أن يعيد حكاية ياسمين مرتين في نفس الغرفة. بدأت جنة هي الأخرى رحلة المعاناة ذاتها.

فهي الأخرى تردد كلام أطفال الشارع عن "أشباح المشرحة"، بينما تحملها ياسمين في الليل وتذهب بها إلى هناك، تغني لها أو تشتت انتباهها لئلا تشعر بالخوف الذي ينهش صدر ياسمين نفسها. وفي ليالي الشتاء، تلفها ببطانية بإحكام، وتركض بها في الشارع المظلم، لتحمي عظامها الصغيرة من لسعات البرد ومن هيبة الموت الجاثم أمام بابهما.

"حفرة" لا تستر أحدًا

بخطواتٍ قليلة، تبتعد عن سكون الموتى في مقابر "الإمام الشافعي"، تجد نفسك فجأة وسط "حوش" لا يشبه المقابر في شيء غير جدرانه؛ فهو مفعم بضجيج لا ينقطع. هنا، يخترق صراخ الصغار وضحكاتهم أثناء اللعب بهيبة المكان، في مفارقةٍ تجعل من "الموت" جارًا وصديقًا؟

ألاقي مكان مستور أقضي فيه حاجتي بعيد عن العيون.. إحساس الإهانة بيقتلني (تصميم سلمى الطوبجي)

في هذا الركن المنسي، يعيش عبد اللطيف وزوجته دينا وأبناؤهم، يتقاسمون مع الموتى الأرض، لكنهم يطاردون حلمًا يبدو بسيطًا للآخرين ومستحيلًا لهم: حمام يستر عوراتهم ويحفظ كرامتهم.

لم تكن دينا -اسم مستعار- تملك رفاهية الكلام بطلاقة؛ فبين كل كلمةٍ وأخرى، كانت يدها ترتفع لتغطي فمها في حركةٍ عفوية تخفي وراءها خجلًا دفينًا، وعيناها معلقتان بالأرض كأنها تعتذر عن واقعٍ لم تكن طرفاً في اختياره. 

لكن شعورًا غامضًا بالأمل يجعلها تفتح قلبها؛ أملٌ غريب نبت من وسط الركام، فعمليات هدم الأحواش المجاورة أصبحت بالنسبة لها "طوق نجاة"، تتمنى أن يطال حوشها لعلها تحصل على تعويض يمنحها: "بيت زي بقية الناس".

تقول دينا لـ فَكّر تاني: "مفيش حمام في الحوش، طلبت من جوزي يتصرف، عمل لنا حفرة ورا المكان شبه الحمام البلدي.. حاول يوصل لها ميه وصرف، بس النتيجة كانت حمام بائس، ريحته بتخنقنا وشكله يوجع القلب".

القهر في "كابوس" الشتاء

في هذا الواقع الذي لا يرحم.. يقف الفقر حائطًا سدًا أمام أحلام عبد اللطيف وزوجته في امتلاك شقة، فالمطلوب من مال وأوراق يفوق قدراتهم على التحمل، "كنت فاكرة إني هتعود"، تقول دينا وهي تمسح دمعةً غافلتها، "لكن القهر بياكل فيا لما الحمام يعطل وأكون محتاجة أقضي حاجتي.. بفضل صامدة ومحبوسة في وجعي لحد ما الليل يدخل والناس تنام، عشان ألاقي مكان مستور أقضي فيه حاجتي بعيد عن العيون.. إحساس الإهانة بيقتلني".

أما الشتاء، فهو بالنسبة لها ليس فصلًا للمطر، بل "كابوس لعين"، كلما اقتربت غيومه، شعرت بقبضة في صدرها، خوفًا على أطفالها الذين يضطرون للخروج في البرد القارس والظلام الدامس للوصول إلى "الحفرة".

وعبد اللطيف، الرجل الذي يقضي يومه بين القبور بحكم عمله كـ "تُربي"، يقف عاجزًا أمام ويحكي بمرارة عن الحشرات التي تخرج من "الحفرة"، وعن مياه الصرف التي تغرق المكان مع كل زخة مطر، مما يضطره هو وأسرته لقطع مسافات نحو المساجد القريبة، وفي الليل.. تكتمل المأساة مع بكاء الأطفال.

يقول عبد اللطيف لـ فَكّر تاني، بنظراته التائهة: "أنا راجل وأقدر أتحمل، لكن الوجع كله في نظرة ابني رحيم، ودموع مراتي اللي بتحسسني بقلة الحيلة.. أنا المسؤول عنهم، بس رزقي يوم بيوم، ومعيش اللي يخليني أشتري بيت يحفظ لها خصوصيتها بدل ما تخبط على الجيران في نص الليل عشان تدخل الحمام". بالنسبة لعبد اللطيف، "حملة الإزالات" ليست تهديدًا بالتشرد، بل هي "صك غفران" قد يمنحه الفرصة لستر عائلته إذا ما حصل على التعويض.

واستنادًا إلى المادة 78 من الدستور المصري التي جعلت من السكن الآمن حقًا أصيلًا، كـ "طوق نجاة" قانوني،  تقول المحامية إنتصار السعيد لـ فَكّر تاني، إن هذه المادة "غير ذاتية التنفيذ"؛ أي أنها تظل حبرًا على ورق ما لم تحركها قوانين وبرامج تنفيذية.

المحامية إنتصار السعيد

وتوضح المحامية أن هذه المادة لا يتم تطبيقها مباشرة دون وجود قوانين وبرامج تنفيذية تنظمها: "في إجراءات قانونية للنساء اللي بيسكنوا في بيوت غير آدمية أو غير مؤهلة، لاسترداد حقهن في سكن يحفظ لهن الكرامة الإنسانية، وبيكون عن طريق التقدم بطلبات رسمية لبرامج الإسكان الاجتماعي، خاصة إن الدولة بتعتبرهن الفئات الأولى بالرعاية ويحق لهن التقدم إلى صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري".

وتشير إلى أنه من  حقهن تقديم شكاوى رسمية للجهات الإدارية من خلال توجيه شكاوى إلى وزارة التضامن الاجتماعي وزارة التنمية المحلية المحافظة المختصة والمجلس القومي للمرأة، بالإضافة إلى اللجوء للقضاء الإداري، في حالات محددة مثل امتناع  جهة إدارية عن فحص الطلب، أو استبعادهن تعسفيًا من برامج الإسكان، أو تركهن في مناطق خطر رغم ثبوت الخطورة.

وأخيرًا، تؤكد المحامية إنتصار السعيد، أنه إذا ثبت وجود النساء في مساكن غير آمنة أو مناطق مصنفة على أنها خطرة أو صدر لها قرار إخلاء وإزالة فلها الحق في السكن البديل أو إعادة التسكين أو التعويض بموجب الدستور المصري وعدم تنفيذ ذلك يُعد إخلالًا بالتزام دستوري، ويجوز في حالات التعسف أو الامتناع الإداري مساءلة الجهة المختصة قانونًا، استنادًا إلى الحق في الكرامة الإنسانية والحياة الآمنة، وليس مجرد كونه مطلبًا اجتماعيًا.

وتضيف أنه وبالرغم أن المادة 78 تنص على أن السكن الآمن والملائم حق دستوري لكل مواطن، إلا أنها لا يتم تفعيلها تلقائيًا، بل تظل مرهونة بوجود سياسات عامة وبرامج تنفيذية واضحة. أما عن أقصر طريق قانوني للتنفيذ على أرض الواقع فتقول المحامية  أن توصيف الحالة رسميًا كـ "حالة إنسانية عاجلة" بلا مأوى / مسكن خطر يمكنها من تقديم شكوى قانونية مُسببة للمحافظة أو التضامن الاجتماعي بالاستناد للمادة 78 من الدستور المصري وطلب تدخل فوري  "إيواء مؤقت أو إدراج عاجل في الإسكان"، وليس مجرد دراسة وعند امتناع الجهات التنفيذية عن الاستجابة للمطلب يمكننا إقامة دعوى قضاء مستعجلة على اعتبار أن التواجد في مثل هذه المساكن خطر يداهم النساء ويهدد حياتهن في بعض الأحيان.

وفي الحقوق الإنسانية لا تبدو دورة المياه مجرد "مرفق صحي"، بل هي "ستار الكرامة" الأول الذي يحمي النساء من الانتهاك. هكذا تصف مها أحمد مديرة برنامج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، في حديثها مع فَكّر تاني، عن غياب هذا الحق الأساسي.

وتؤكد مها أن حرمان النساء من الوصول إلى دورات مياه آمنة هو "انتهاك صامت" يضرب في مقتل حقوقًا أصيلة؛ كالخصوصية، والصحة، والعيش الكريم. فالحمام هنا ليس "رفاهية" يمكن التغاضي عنها، بل هو الحصن الذي يحمي المرأة من مخالب التحرش والعنف، ويصون جسدها من أمراض تتربص بصحتها الجنسية والعامة، خاصة في فترات الحمل والدورة الشهرية، حيث تتحول الحاجة البيولوجية الطبيعية إلى اختبارٍ يومي للقهر والإهانة.

هذا الواقع المرير، كما توضح مها، لا يكسر قلوب هؤلاء النساء فحسب، بل يكسر أيضًا التزامات الدولة الواردة في الدستور المصري واتفاقية "سيداو" الدولية، التي تعهدت بضمان ظروف معيشية تحفظ للمرأة آدميتها. 

وتختتم حديثها بأن دور المنظمات الحقوقية اليوم يتجاوز الرصد؛ ليكون بمثابة "البوصلة القانونية" والمنصة الإعلامية التي تمنح النساء الوعي بحقوقهن؛ فالمعرفة هي أولى خطوات التحرر، والاستشارة القانونية هي الجسر الذي يعبر بهنَّ من ضيق العجز إلى استرداد ما ضاع من كرامتهن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة