التحميل وفروق الصيانة والتسعير.. ثالوث النهب "المُشرَعَن" في السوق العقاري

اشترى محمد محفوظ، شقة من شركة عقارية قبل عامين، بمساحة مُثبتة في العقد 140 مترًا، لكنه فوجئ عند تشطيب الأرضيات ورفع المقاسات بأن مساحتها الفعلية 95 مترًا فقط، بنسبة عجز بلغت 35%. وحينما راجع الشركة، جاء الرد بعبارة: "المساحة في العقد تشمل نسبة التحميل، والبند ينص على أنها قابلة للنقصان".

لم يملك محفوظ سوى القبول بالوضع الراهن، ليُفاجأ بعد مرور 3 أشهر من إقامته بالوحدة بأن الكهرباء المغذية للعقار بالكامل "مسروقة"، رغم أن المطور حصل على 30 ألف جنيه مقابل خدمات، و50 ألف جنيه كوديعة صيانة.

حينما حاول الشاب الثلاثيني اللجوء لجهاز حماية المستهلك، كان الرد "بعدم الاختصاص"، وأن تلك المشكلة تتبع حماية المستهلك في مرفق الكهرباء. وبعد شكاوى متعددة لجميع جهات الدولة، لم يجد هو والسكان حلًا سوى إعادة توصيل الكهرباء على نفقتهم الخاصة، متحملين أعباء ناهزت 32 ألف جنيه.

تشير تلك الواقعة لمشكلة مزمنة في القطاع العقاري تثير تساؤلات ملحة: من يحمي العميل من تلاعب المطور العقاري؟ ولماذا لا توجد جهة موحدة تحمي حقوق السكان؟ ومتى تتوقف فوضى التسعير التي تضرب السوق العقارية، والتي وصلت لدرجة وجود فوارق بالآلاف في سعر المتر داخل المنطقة الواحدة؟ ولماذا لا توجد تعريفات قانونية واضحة لنسبة التحميل التي باتت وسيلة لخداع المواطنين بشكل غير مباشر؟

التحميل.. وسيلة غير مباشرة للخداع

تحولت مشكلة "التحميل" إلى أداة التفاف مالي؛ فالشركة العقارية تُحاسب العميل على سعر المتر المدون في العقد، والذي يقل "نظريًا" عن السعر الحقيقي.

وعلى سبيل المثال، لو كانت الشقة 100 متر على الورق وسعر المتر 40 ألف جنيه، فإن قيمتها تعادل 4 ملايين جنيه، وإذا كانت نسبة التحميل 20%، تنخفض المساحة الحقيقية لـ 80 مترًا، مما يرفع التكلفة الفعلية للمتر إلى 50 ألف جنيه بشكل غير مباشر.

تتعلق مشكلة "التحميل" بالفراغ الخارجي الذي يتم حسابه وتوزيعه على كل وحدات العقار، مثل الحديقة، والشرفات (التراس)، وممرات المشاة التي تربط بين المبنى ومحيطه، وخصائص الفراغ المعماري. وهو عرف معمول به في صناعة العقار منذ عقود، لكنه تحول لظاهرة منفلتة في السنوات الأخيرة بعدما قفزت نسبته ببعض المشروعات لتقترب من 40%.

صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي

يبرر المطورون ذلك بأن التحميل موجود بكل دول العالم؛ ففي إيطاليا يصل لـ 33%، وفي مصر تتراوح النسبة نظريًا بين 15 و20%، لكن على أرض الواقع يتم تحميل المواطنين نسبًا أعلى بكثير، فلا يقتصر الأمر على حصة كل شقة من المناور والمداخل والسلم كما يُفترض.

كما أنه في الخارج تتم مراعاة التحميل في تسعير المتر، بينما في مصر ارتفعت أسعار الأراضي بمستويات قياسية على مدار السنوات الخمس الأخيرة.

أسامة سعد الدين
أسامة سعد الدين

يقول أسامة سعد الدين، المدير التنفيذي لغرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، إن هذه المشكلة محل دراسة بالغرفة، وعندما يتم إشهار "اتحاد المطورين العقاريين"، سيتم وضع قواعد ونسب محددة لهذه الإشكالية بدلًا من تركها لأهواء المطورين.

ويضيف أن صدور القانون سيفرض ضوابط وقواعد واضحة ومعروفة للجميع، ولن يُسمح بمزاولة نشاط التطوير العقاري إلا للشركات الملتزمة بهذه الضوابط، خاصةً وأن هناك شركات تعمل حاليًا خارج تصنيفات الغرفة، وهو ما يؤثر سلبًا على استقرار النشاط نفسه.

ويؤكد مدير غرفة التطوير العقاري أنه سيكون إلزاميًا لجميع الشركات، ولن يُسمح لأي كيان بمزاولة النشاط بأي صورة دون الالتزام بالضوابط، على أن تتضمن اللائحة التنفيذية جزاءات واضحة للمخالفين.

فوضى التسعير.. تكلفة لا تزيد عن 25%

لا يمثل التحميل المشكلة الوحيدة؛ فالقطاع العقاري يعاني أزمة تسعير حاليًا. فمع تسعير الدولار بمستوى 70 جنيهًا في عامي 2023 و2024، لا تستطيع الشركات خفض أسعار البيع للعملاء الجدد بعد هبوط الدولار لمستوى 47 جنيهًا، خوفًا من غضب المشترين القدامى، ولا تستطيع في الوقت ذاته جذب العملاء الجدد ومواجهة الركود.

وتراجعت ذرائع التكلفة التي ساقتها الشركات على مدار العامين الماضيين؛ فالدولار مستقر ومتوافر، والفائدة البنكية تراجعت لمستوى 20% مقابل 32% قبل عامين، وأسعار مواد البناء شهدت استقرارًا نسبيًا في النصف الثاني من عام 2025، لكن المطورين لا يريدون التخلي عن أرباحهم مهما كان الثمن.

ويقول رجل الأعمال نجيب ساويرس، رئيس مجلس إدارة شركة أورا للتطوير العقاري، إن تكلفة الإنشاء الحقيقية لا تمثل سوى 25% من السعر المعلن، والـ 75% الباقية هي تكلفة تمويل وقروض، مضيفًا أن السوق العقاري يعاني من تراجع المبيعات، وإرجاع الوحدات لعدم قدرة حاجزيها على استكمال السداد.

محمد راشد
محمد راشد

فيما يرى د. محمد راشد، عضو غرفة صناعة التطوير العقاري بالاتحاد الأفروآسيوي، أن التطورات الأخيرة في أسعار الفائدة واستقرار سعر الدولار توفر فرصًا جيدة للمطورين والمستثمرين، لكنها لن تؤدي بالضرورة إلى انخفاض أسعار العقارات في الوقت الحالي؛ فما زالت الأسعار مرتفعة نتيجة عوامل مركبة، منها ارتفاع تكلفة مواد البناء وضغوط السوق المحلية.

في 15 يناير الحالي، ألغت شركة حديد عز المصرية الحوافز التجارية لوكلائها بعد شهرين من تقديمها، وأقرت شركات أخرى زيادة في الأسعار الرسمية لبيع الحديد من 34.2 ألف ليصل إلى 37 ألف جنيه. وكذلك سجل سعر حديد المصريين 36 ألف جنيه للطن (أرض المصنع)، ورفعت مجموعة السويس للصلب سعر الطن من 33.7 إلى 36.5 ألف جنيه (تسليم أرض المصنع)، وشركة الجيوشي للصلب إلى 34.5 ألف جنيه للطن (تسليم أرض المصنع).

ويضيف راشد أن خفض أسعار الفائدة المتوقع خلال العام الجديد، واستقرار العملة عند مستويات تتراوح بين 47.5 و49 جنيهًا، يمكن أن يدعما قدرة المطورين على التمويل وتحسين هوامش الربح، إلا أن التأثير المباشر على أسعار الوحدات محدود؛ فالمطورون سيعتمدون في المقام الأول على تثبيت الأسعار، مع تقديم حلول تمويلية أكثر مرونة لتسهيل عمليات الشراء للعملاء دون التأثير على السوق ككل.

وديعة الصيانة.. أين أُنفقت؟

لا تتوقف مشكلات العميل مع المطور حتى بعد استقراره في وحدته، إذ يصطدم بـ "بدعة جديدة" تتمثل في "فروق الصيانة" التي يفرضها المطور بدعوى نفاد وديعة الصيانة. وهي مبلغ مالي تحدده الشركة المالكة عند شراء الوحدة، ويتم دفعه لمرة واحدة قبل الاستلام، وذلك لاستغلال عوائده وأرباحه البنكية في الإنفاق على صيانة العقار، كتغيير إنارة المداخل، وأعمال النظافة، وتطهير شبكات المياه.

لا تقل وديعة الصيانة في أي شركة عن 10% من إجمالي قيمة الوحدة؛ أي أن الشقة التي تبلغ قيمتها 2 مليون جنيه يُدفع عنها 200 ألف جنيه. ولو افترضنا أن البرج يتضمن 50 وحدة في المتوسط، فإن إجمالي المبالغ التي تُحصلها الشركة يبلغ 10 ملايين جنيه، تضعها في البنوك وتحصد أرباحها، ثم تعود من جديد لتطالب الملاك بفروق مالية.

ورغم تجميع تلك المبالغ، يكاد لا يخلو عقار في مصر حاليًا من شكاوى تأخر تغيير لمبات الإنارة في الطوابق، أو تردي مستوى النظافة، أو غياب الصيانة المنتظمة للمصاعد التي تتعطل باستمرار.

وفي بعض الأحيان لا تتم الصيانة من الأساس، وكان ذلك السبب في حوادث سقوط المصاعد التي شهدتها مصر خلال العام الماضي، والتي كان آخرها حادثين في نوفمبر 2025؛ أولهما سقوط مصعد بأحد المباني التي تضم مراكز ومعامل للأشعة تابعة للقطاع الخاص بمركز كوم أمبو بأسوان، والثاني سقوط مصعد داخل مول شهير بمدينة نصر.

عميل العقارات بلا جهة تحميه

وتشير المحامية نهاد أبو القمصان إلى أن تعدد الجهات المسؤولة عن العقار هو أصل المشكلة؛ فهيئة المجتمعات العمرانية دورها تنظيمي وتعاقدي مع المطور ولا توفر حماية مباشرة للمشتري، وجهاز حماية المستهلك يتحرك بعد وقوع الضرر لا قبله، والبرلمان يناقش لكن بلا أدوات تنفيذ، ولا توجد هيئة متخصصة لتنظيم سوق العقار كمنظومة واحدة. وفي هذا الفراغ، انفرد بعض المطورين بالقوة التعاقدية، وتحوّل المواطن من "مشتري" إلى "ممول" بلا ضمان.

وترى أبو القمصان، في تدوينة على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أن الحل يكمن في إيجاد آلية سريعة لفض المنازعات الجماعية لا تترك الناس سنوات في المحاكم، وتسجيل المشروع واعتماده، ومنع البيع على المخطط دون ضمان، وإقرار حساب ضمان إلزامي لا تُصرف منه الأموال إلا بنسب إنجاز، ووضع عقد بيع موحد يمنع البنود المجحفة ويضع جزاءات تلقائية للتأخير، مع إقرار تعريف قانوني واضح للمساحات ونِسَب التحميل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة