بالتزامن مع انعقاد الفصل التشريعي الجديد، تصاعدت وتيرة التكهنات حول مصير الحكومة؛ توقيتًا وشكلًا، وسط جدل المصطلحات بين كونه "تعديلًا محدودًا" أم "تغييرًا شاملًا".
لم يقف النقاش عند حدود الأسماء، بل امتد لطرح تساؤل جوهري حول جدوى التحول نحو تشكيل حكومة منبثقة عن "الأكثرية البرلمانية"، تعزيزًا للمسار الحزبي والسياسي.
السياق الدستوري والواقع السياسي
فَكّر تاني استطلعت آراء عدد من السياسيين، الذين أجمعوا على ضرورة تفعيل جوهر المادة 146 من الدستور، وتتيح تشكيل الحكومة من الحزب أو الائتلاف الحائز على الأكثرية البرلمانية، إلا أن سقف توقعاتهم لا يزال يستبعد حدوث ذلك في المدى المنظور.

ورغم ذلك، يظل خيار "الحكومة السياسية" ذات الخلفية الحزبية مطلبًا مطروحًا بقوة في الأوساط السياسية، كبديل لحكومات التكنوقراط.
في يونيو 2018، تولى الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة، واستمر في موقعه رغم إجراء تعديلات وزارية متتابعة، وتصاعد المطالب الحزبية والشعبية بالتغيير. وعقب إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر 2023، كُلف مدبولي مجددًا بتشكيل الحكومة، التي أدت اليمين الدستورية لآخر تعديلاتها في 3 يوليو 2024.
معادلة "السياسي - التكنوقراط"
يطرح الدكتور رائد سلامة، السياسي والخبير الاقتصادي، مقاربة مغايرة، مؤكدًا أن الحل الأمثل يكمن في اختيار رئيس الوزراء لتوليفة هجينة تجمع بين "الوزراء السياسيين" و"التكنوقراط"، بما يحقق التوافق الوطني ويلبي طموحات الشارع.

ويرى سلامة، في حديثه مع فَكّر تاني، أن الظروف الإقليمية والدولية الاستثنائية تفرض على مصر استدعاء كافة الكفاءات الوطنية، حتى وإن كانت من أحزاب الأقلية أو من خارج البرلمان تمامًا.
ويشترط سلامة أن يتم هذا الاختيار بعيدًا عن منطق "المحاصصة"، وضمن إطار توافقي يدعم تطور الحياة السياسية، ويُطعّم الحكومة بوزراء تكنوقراط أصحاب بصمة.
وحول جدلية "حكومة الأغلبية"، يقول سلامة إن العبرة ليست بهوية حزب الأكثرية، بل بالقدرة على تشكيل "حكومة ائتلافية" تتجاوز ثنائية الأغلبية والمعارضة التقليدية.
تصنيفيًا.. لا للوزير الوظيفي
ومن زاوية تحليلية، يفكك سلامة هيكل الحكومة بوضع محددات دقيقة، مفرقًا بين ثلاثة مستويات للوزراء:
- الوزير السياسي: صاحب الرؤية والاستراتيجية، ولا يُشترط تدرجه الفني داخل الوزارة.
- الوزير التكنوقراط: المتخصص الفني وصاحب المشروع التنفيذي المباشر.
- الوزير الموظف: الذي يكتفي بتسيير الأعمال اليومية دون امتلاك رؤية أو مشروع.
ويحذر "سلامة" بشدة من إعادة إنتاج نمط "الوزير الموظف" في التشكيل المرتقب، أيًا كان اسم رئيس الوزراء، مشددًا على حاجة مصر الماسّة لأصحاب الرؤى والمشاريع، سواء كانوا سياسيين أو تكنوقراط.
دعم مشروط لحكومة الأكثرية
يعبر علي أبو حميد، أمين العضوية بحزب العدل، عن تطلعات حزبه التي تتماشى مع قطاع واسع داخل البرلمان، والمتمثلة في الأمل بوجود تشكيل وزاري منبثق عن "الأكثرية البرلمانية".

ويؤكد "أبو حميد" أنه رغم إدراكه للصلاحيات الدستورية التي تضع حق التشكيل ابتداءً في يد رئيس الجمهورية، إلا أن إشراك الأحزاب في صلب السلطة التنفيذية يعد ضرورة لوضعهم أمام مسؤولية سياسية مباشرة ومستمرة عن أداء الوزراء، بدلًا من الاكتفاء بموقف المتفرج أو "الموافق السلبي" على ترشيحات الرئاسة ورئاسة الوزراء.
ويستدرك القيادي بحزب العدل موضحًا أن التوقعات الواقعية لا تشير إلى حدوث ذلك في الوقت الراهن، لا سيما أن التعديل الوزاري الأخير تم بتكليف مباشر من رئيس الجمهورية، ولا توجد مؤشرات حالية تبشر بتغير هذه المنهجية.
الحكومة الحزبية الآن "كارثية"
على النقيض تمامًا، تصف الدكتورة كريمة الحفناوي، القيادية بالحزب الاشتراكي المصري، سيناريو تشكيل الحكومة من رحم الأكثرية البرلمانية الحالية بـ"الكارثة"، محذرةً بوضوح من خطورة الائتلافات الحزبية التي قد تنشأ في هذا السياق.
تستند الحفناوي في رؤيتها إلى اعتبار أن هذه الائتلافات ستكون استكمالًا لما وصفته بـ"هندسة المجال السياسي"، التي بدأت بسيطرة "المال السياسي"، معتبرةً أن البرلمان الحالي نتاج "قائمة" لم يخترها الشعب بإرادة حرة، بل زُج بأعضائها عبر نفوذ المال.

وتتساءل الحفناوي: "ما الرادع لمن دخل البرلمان بطرق غير صحيحة ألا يستخدم منصبه التنفيذي بشكل فاسد؟"، رافضةً استنساخ نماذج الدول الديمقراطية ومقارنتها بالوضع المحلي لاختلاف السياقات.
وترى الحفناوي أن تغيير الأشخاص دون تغيير السياسات هو "عبث"، واصفة الوزراء الحاليين بأنهم يعملون كـ"سكرتارية للرئاسة"، وبالتالي فإن التغيير سيظل شكليًا لا ضمنيًا.
وتستدل بتجربة التشكيل الوزاري الأول في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي ضم كفاءات سياسية كان يُأمل فيها التغيير، لكن "البيروقراطية" حاصرتهم وأعاقت أي تطور، وفق تعبيرها.
العبرة بالسياسات لا الأشخاص
يبدي الدكتور زهدي الشامي، رئيس مجلس أمناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، تحفظًا على مبدأ "الحكومة الحزبية" في ظل المعطيات الراهنة.
ويقول في تصريحاته لـ فَكّر تاني: "لا أميل إلى أن الحكومة الجديدة ستُشكل من الأغلبية، ولست مع هذه الطريقة في اختيار وزراء ينتمون لنفس السياسات الحالية".
يستبعد الشامي سيناريو سحب البرلمان الثقة من الحكومة أو تدخله لتشكيلها من تلقاء نفسه، مرجحًا استمرار العمل بالمسار التقليدي للمادة 146 (تكليف رئاسي وموافقة برلمانية).

ويرى أن جوهر الأزمة لا يكمن في "طبيعة الحكومة" (رئاسية أم برلمانية)، بل في "طبيعة السياسات" التي تسببت في تفاقم الديون، وتعميق الفوارق الطبقية، وإهدار العدالة الاجتماعية، بينما يؤكد على أنه لا يتوقع حدوث تنوع حقيقي أو وجود "مدارس سياسية مختلفة" داخل التشكيل الحكومي الواحد.
السياسة بوابة الإصلاح

وفي رؤية مغايرة، يعتبر حسام مصطفى، المرشح البرلماني السابق والقيادي بالحزب المصري الديمقراطي، أن الإصرار على إدارة الدولة بمنطق "الحكومات غير السياسية" يُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، ويجعل الانتخابات "منقوصة"، حيث ينتهي دور المواطن عند الصندوق، ويفقد صوته في الحكومة التي ترسم سياسات حياته اليومية.
ويؤكد أن وجود حكومة بخلفية حزبية ليس "رفاهية سياسية"، بل هو شرط أساسي لتحقيق المحاسبة والشفافية. فبدون تولي الأكثرية البرلمانية مسؤولية التشكيل، يصعب محاسبة الحكومة، وتتآكل ثقة الناس في جدوى العمل السياسي برمته.
ويخلص إلى أن الحكم السياسي القائم على برنامج واضح ومسؤولية محددة هو السبيل الوحيد لاستشعار المواطن بأن له صوتًا مسموعًا ومؤثرًا.
رحيل مرجح في بورصة توقعات
على صعيد الفضاء الرقمي، تفاعل نخبة من السياسيين والأكاديميين مع حالة الترقب السائدة. إذ رجح الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي، عبر حسابه على "فيسبوك"، رحيل الدكتور مصطفى مدبولي؛ مستندًا في تحليله إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تركيزًا محوريًا على ملف "الصناعة"، ما يستدعي رئيسًا للوزراء يمتلك فهمًا أعمق لهذا المسار الاقتصادي.
ويتوقع "حسن" أن تشهد مصر تغييرًا وزاريًا واسعًا قد يطال ما يقارب العشرين وزيرًا، لتعديل المسار الاقتصادي.
ويدعو في الوقت ذاته إلى ضرورة وجود "خطة مدروسة" تلتزم بها الوزارة وتعمل بتناغم لتنفيذها، مشددًا على أهمية ممارسة رئيس الوزراء لصلاحياته الدستورية الكاملة، ليكون هو وفريقه "صُنّاع سياسات" لا مجرد "منفذي أوامر".
تسريبات إعلامية: التعديل "انتهى"
وإعلاميًا، اشتعلت بورصة التكهنات بأرقام ونسب محددة. حيث كشف النائب والإعلامي مصطفى بكري، عبر برنامجه على فضائية "صدى البلد"، أن القادم سيكون "تعديلًا وزاريًا" واسعًا وليس "تشكيلًا" لحكومة جديدة بالكامل، متوقعًا تغيير ما يقرب من 80% من الحقائب الوزارية.
وفجّر بكري مفاجأة باعتباره أن التعديل "حدث بالفعل"، وأن المقابلات الشخصية للمرشحين قد انتهت منذ ثلاثة أسابيع.
وفي السياق ذاته، ذهبت الإعلامية قصواء الخلالي إلى توقع تغيير وزاري بنسبة كبيرة، لكنها لفتت الانتباه إلى نقطة جوهرية تتقاطع مع طرح السياسيين، وهي أنه رغم الحديث عن التغيير، "لم يطرح أحد إمكانية جلوس الحزبيين على مقاعد الوزارات"، ما يبقي الحديث عن الحكومة السياسية في دائرة التمني.
ويبدو المشهد السياسي منقسمًا بين "طموح حزبي" و"واقعية تنفيذية". فبينما يتمسك فريق من السياسيين بأمل تطبيق المادة 146 وتشكيل حكومة "أغلبية برلمانية" لضمان المحاسبة السياسية، يرى فريق آخر أن العلة تكمن في "السياسات" لا في "هوية الأشخاص"، محذرين من إعادة إنتاج الأزمة تحت عباءة حزبية.
وفيما تنشغل الأوساط الإعلامية بحساب نسب التغيير وموعد الإعلان، يظل الإجماع الوحيد بين الأطراف كافة هو حاجة مصر الماسة لمغادرة مربع "الوزير الموظف" إلى مربع "صانع السياسات"، سواء كان تكنوقراطًا أو سياسيًا، لمواجهة تحديات المرحلة.