على مدى ثلاثين عامًا تقوم بأداء مهامها الأكاديمية لطلابها، بين أروقة قاعات المحاضرات، تحمل أبحاثها ومنهجها العلمي وما تمنحه بكل حب وشغف لطلابها، منذ أن أصبحت مدرسة تحمل الأمانة العلمية، وتؤديها بكل أمانة.

فجأة، بين ليلة وضحاها تبدّل كل شيء، منذ 6 سنوات، داخل المعهد التكنولوجي العالي بالسادس من أكتوبر، تحوّلت الدكتورة منار الطنطاوي من أستاذ دكتور إلى متهمة تدور على ساحات المحاكم لتثبت حقها في درجة الأستاذية.
وهو الحق الذي حصلت عليه بحكم محكمة، لكن إدارة المعهد رفضت تنفيذ الحكم، حيث وجدت الدكتور منار نفسها أمام إجراءات تعسفية بداية من حجب جدول المحاضرات إلى خصم مستحقاتها المالية إلى فصلها.
تمسكت منار الطنطاوي بحقها القانوني، وبكرامة مهنتها، رغم استمرار محاولات الإقصاء، والضغوط التى تتعرض لها من إدارة المعهد، لكنها التزمت بكافة الإجراءات القانونية، في سبيل تطبيق العدالة.
وحاولنا التواصل في فَكّر تاني، مع الدكتور أحمد عزمي عميد المعهد التكنولوجي العالي، الذي امتنع عن الإدلاء بأية تصريحات، محتجًا بأن القضية ما تزال منظورة أمام القضاء، وأنه لن يعلق عليها لحين صدور حكم نهائي.
حكم نهائي بلا تنفيذ
ومن جانبه يؤكد عمر عيد المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لـ فَكّر تاني، أن الدكتورة منار الطنطاوي حصلت منذ 6 سنوات على ترقية لدرجة الأستاذية، ولكن الإدارة تقاعست عن اعتماد تلك الترقية، وعدم إصدار قرار وزاري بترقيتها، وتم رفع دعوة قضائية، وحصلت على حكم بأحقيتها في تلك الدرجة العلمية.
مشيرًا إلى أن الدكتورة منار تسير في إجراءات الترقية منذ 4 سنوات، وتم رفع دعوة قضائية أخرى لعدم تنفيذ حكم قضائي، وحصلت أيضًا على الحكم، ولكن منذ إبريل 2025 يتم خصم راتبها، كما تم منعها مباشرة من جدول المحاضرات.
بداية الأزمة
تعود وقائع قضية الدكتورة منار الطنطاوي إلى عام 2019، حين خضعت لفحص إنتاجها العلمي من قبل اللجنة العلمية الدائمة المختصة بالمجلس الأعلى للجامعات، والتي انتهت في ديسمبر من العام نفسه، إلى إقرار أحقيتها الكاملة في الترقية إلى درجة أستاذ، بعد استيفائها كل الشروط العلمية والقانونية المقررة.
وفي فبراير 2020، وافق مجلس إدارة المعهد التكنولوجي العالي بالسادس من أكتوبر، على الترقية، وتمت مخاطبة وزارة التعليم العالي رسميًا لاعتمادها، إلا أن وزارة التعليم العالي امتنعت عن إصدار القرار اللازم لتنفيذ الترقية، دون سند قانوني، ما دفع الدكتورة منار إلى اللجوء للقضاء.
وكانت محكمة القضاء الإداري أصدرت حكمها لصالح الدكتورة منار، ثم أيدت المحكمة الإدارية العليا هذا الحكم، ليصبح حكمًا نهائيًا وباتًا واجب النفاذ.
وبالرغم من كل ذلك، ما تزال الجهة الإدارية المختصة تمتنع عن تنفيذه حتى تاريخه، في مخالفة صريحة لنص المادة 100 من الدستور المصري، التي تُجرِّم الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية.
بالتوازي مع هذا الامتناع، تعرضت الدكتورة منار الطنطاوي منذ عام 2021 لسلسلة من الإجراءات التعسفية، شملت إخضاعها لتحقيقات إدارية متكررة شابتها مخالفات إجرائية جسيمة، وإحالتها إلى عدة مجالس تأديب انتهت جميعها دون إدانة، بما يعكس نمطًا واضحًا لاستخدام المسار التأديبي كأداة للتنكيل والضغط خارج إطار القانون مما ساهم في حرمانها من المناصب الإدارية والأكاديمية.
وخلال عام 2025، تصاعدت وتيرة هذه الانتهاكات بصورة غير مسبوقة، لا سيما عقب تولي إدارة جديدة للمعهد، حيث جرى سحب جدولها التدريسي دون مسوغ قانوني، والتعامل معها على نحو ينتقص من مركزها الأكاديمي المستحق، وفرض خصومات مالية دورية من راتبها بلغت نسبًا جسيمة، فضلًا عن تحويل إجازاتها الاعتيادية إلى إجازات عارضة واحتسابها غيابًا، في سياق ضاغط يُظهر تعمد التضييق عليها، بما يرقى إلى محاولة دفعها قسرًا إلى ترك عملها بدلًا من تنفيذ الحكم القضائي.
في ظل امتناع الحكومة.. من يُنفذ القانون
يوضح مهاب سعيد المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن الأزمة بدأت منذ عام 2022 عند استحقاقها لدرجة الأستاذية، رغم استيفائها كل الشروط، ولكن تم رفض ترقيتها، كما قيل، لأسباب أمنية. وتم رفع دعوة قضائية برقم 61520 لسنة 75 ، وتم الحكم فيها بتاريخ 30\8\2022، بأحقيتها في درجة الأستاذية، وإلزام وزارة التعليم العالي، والمعهد العالي التكنولوجي، ومنذ ذلك التاريخ ليومنا هذا نسير في إجراءات الترقية، ولا ينفذ الحكم، ولا يتم تنفيذ أحكام القضاء من قبل المعهد أو من قبل الوزارة .

ويقول سعيد لـ فَكّر تاني: "الوزارة طعنت على الحكم، وكسبنا الطعن، وقمنا بعمل استشكال، وهو الطعن على القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ الحكم رقم 61520 وبتاريخ 27\10\2025 وحكمت محكمة القضاء الإداري بإلغاء القرارالسلبي بالامتناع".
ويشير محامي حرية الفكر والتعبير إلى قيام المعهد بعمل مجالس تأديب كيدية للدكتورة منار؛ حيث تعرضت لـ 3 مجالس تأديب، وتمت تبرئتها، ومع ذلك ما زالت الدكتورة منار تواجه تعنتًا شديدًا، لعدم تنفيذ أحكام قضائية من قبل الدولة، مع التزامنا بالمسار القانوني كاملًا، وفي النهاية الوزارة لا تنفذ أحكام القضاء.
قراران و 3 مطالبات
ويلفت محمود عبدالرحيم المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، النظر إلى أن الدكتورة منار الطنطاي صدر ضدها قراران، الأول: خصم حافز الـ 25% من راتبها بداية من شهر مايو حتى تاريخه، بدون سبب، بما يخالف للقانون، وقمنا بالطعن على القرار، وطالبنا بإلزام المعهد بصرف حافزالـ 25% المخصوم من راتب المدعية عن شهور إبريل ومايو ويونيو ويوليو وأغسطس 2025 بمبلغ وقدره 21000، وما يستجد، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها رد قيمة ما تم خصمه من راتب المدعية الشهرى، حتى تاريخ تنفيذ الحكم.

كما طالبنا بإلزام المعهد بصرف أوفر تايم تيرم أكتوبر يناير 2025/2024 وتيرم يناير مايو 2025/2024 وتيرم مايو أغسطس 2025/2024 كاملين، المخصومين من المدعية، دون مبرر أو سند قانوني، وإلزام المعهد بنسبة الفوائد القانونية عن التأخر في سداد المستحقات المادية للمدعية، وفقًا لنص المادة 266 من القانون المدني.
وطالبنا أيضًا بإلزام المعهد بتعويض المدعية ماديًا وأدبيًا، والذي تراه هيئة المحكمة الموقرة الجابر لها، مع إلزام المدعى عليهما بالمصروفات، وأتعاب المحاماه، والمحكمة قررت حجز الدعوى للحكم بجلسة 25/2/2026.
ويوضح المحامي بالاستئناف العالي أن القرار الثاني الصادر بحق الدكتورة منار هو سحب الجدول الأكاديمي المخصص لها، حيث كان اسمها مدرجًا بالجدول الدراسي لعام 2025/2026، وكان مخصصًا لها بعض المحاضرات، وذلك بموجب إخطار إلكتروني داخلي صادر عن منسق القسم، والذي نص صراحةً على أن الإجراء تم طبقًا لتعليمات عميد المعهد.
وأكد عبد الرحيم أن هذا الإجراء يُعد وقفًا تعسفيًا وفوريًا عن العمل، دون صدور أي قرار رسمي بالإيقاف المؤقت أو التحقيق، وهو ما يعد مخالفة صريحة لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وللوائح، التي تنظم عمل أعضاء هيئة التدريس، وتغيير الصفة الأكاديمية والخصومات غير القانونية، وأصدر عميد المعهد توجيهاته إلى شؤون أعضاء هيئة التدريس بخصم جميع مفردات الراتب، والإبقاء على الراتب الأساسي فقط، وقمنا بالطعن على هذا القرا أمام المحكمة العمالية، وتم قيد الطعن برقم 1576 لسنة 2025 ومؤجلة لجلسة 29/1/2026 للاطلاع.
7منظمات حقوقية تتضامن مع الدكتورة منار
وقعت 7 منظمات حقوقية مصرية على بيان، صدر أمس الأحد، للتضامن مع الدكتورة منار الطنطاوي، وأدانت امتناع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وإدارة المعهد التكنولوجي العالي بالسادس من أكتوبر، عن تنفيذ حكم قضائي نهائي وبات صادر لصالح الدكتورة منار الطنطاوي الأستاذة بقسم الهندسة الميكانيكية بالمعهد، والقاضي بأحقيتها في الترقية إلى درجة أستاذ، حكمًا نهائيًا غير قابل للطعن وواجب التنفيذ، بجانب ما تتعرض له من إجراءات تعسفية، بانتهاك مبدأ سيادة القانون، والحقوق الأكاديمية والعمالية المكفولة دستورًا.
وأكدت المنظمات في بيانها أن قضية الدكتورة منار، لم تعد تقتصر على نزاع وظيفي فردي، وإنما باتت تمثل نموذجًا مقلقًا لظاهرة أوسع داخل مؤسسات التعليم العالي، قوامها الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء، واستخدام الأدوات الإدارية والتأديبية كوسيلة للضغط والعقاب.
وحصلت الدكتورة منار، أمس الأحد 18 يناير الجاري، في الدعوى رقم 73299 لسنة 78 قضاء إداري، على حكم بقبول الطعن، وإلغاء القرار السلبي بامتناع وزارة التعليم العالي والمعهد العالي التكنولوجي بالسادس من أكتوبر عن تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري، الذي يقضى باستحقاقها لدرجة أستاذ، ويعد هذا الحكم بمثابة استنفاد كافة السبل القانونية لعرقلة التنفيذ من قبل المعهد والوزارة.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن هذه الممارسات تخالف كذلك التزامات مصر الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يكفل الحق في العمل بشروط عادلة ومرضية، والحق في الأجر دون انتقاص تعسفي، والحماية من الإجراءات العقابية غير المبررة، فضلًا عن معايير منظمة العمل الدولية التي تحظر استخدام السلطة الإدارية كأداة للعقاب أو الإكراه، وتُلزم الدول بضمان الحماية الفعلية للعاملين من أي شكل من أشكال التنكيل الوظيفي أو الانتقام بسبب المطالبة بالحقوق.
وأشارت المنظمات الحقوقية، في بيانها، إلى أن هذه الوقائع تمثل انتهاكًا جسيمًا للحق في الحرية الأكاديمية، والحق في المسار الوظيفي العادل، والحق في الأجر، والحماية من الجزاءات التعسفية، بالمخالفة لأحكام الدستور المصري، ولا سيما المواد (12)، (13)، (21)، (22)، و (100).
وطالبت المنظمات الحقوقية في بيانها بالتنفيذ الفوري والكامل لحكم المحكمة الإدارية العليا، ووقعت على هذا البيان المفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومؤسسة دعم القانون والديمقراطية، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، ومركز النديم، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والمنبر المصري لحقوق الإنسان.