رحلة بحث عن ركنة في مدينة لا تتسع للجميع

لا أحب قيادة السيارات كثيرًا، وبالأخص في المناطق المزدحمة التي تتحول فيها عملية البحث عن ركنة أو مكان انتظار إلى معركة يومية تستنزف الأعصاب والوقت. لذلك، أفضل في كثير من الأحيان استخدام المواصلات العامة، خاصة عندما أكون متجهًا إلى وسط القاهرة.

فالتحرك بالمترو أو الأتوبيس، أو حتى سيرًا على الأقدام إذا كانت المسافة محتملة، يكون في الغالب أسرع وأكثر منطقية من الدوران لساعات بحثًا عن مكان فارغ للسيارة. فضلًا عن أن المشي وصعود ونزول السلالم يمثلان شكلًا بسيطًا من الرياضة القسرية التي تفرضها الحياة في مدينة خانقة مثل القاهرة.

كثيرًا ما أركن سيارتي في منطقة قريبة من محطة مترو، ثم أستكمل رحلتي بوسائل النقل الجماعي، ولا أرى في ذلك أي عيب أو انتقاص. بل على العكس، يفترض أن يكون هذا هو السلوك الطبيعي الذي تشجعه الدولة، عبر توفير وسائل نقل جماعي آدمية، نظيفة، وآمنة، بما يقلل الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة، ويساهم في تخفيف الضغط المروري عن المدن الرئيسية. فحل أزمة الزحام لا يكمن فقط في توسعة الطرق أو بناء كباري جديدة، بل في تغيير نمط الاستخدام اليومي للمدينة.

في إحدى المرات، ركنت سيارتي بجوار محطة مترو في مدينة نصر، واتجهت إلى وسط القاهرة لإنهاء بعض الإجراءات الحكومية. كان يومًا شاقًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سلسلة لا تنتهي من التعليمات البيروقراطية المألوفة: “اطلع الدور الرابع”، “انزل تاني للدور التاني”، “ادفع الرسوم في شباك 15”، “وبعدين شباك 12”، “وسلّم الإيصال الأول في شباك 4”، “وصوّر البطاقة”، “وارجع لنا تاني علشان الختم”، ثم الخلاصة المعتادة: “تعالى بكرة تكمل باقي الإجراءات”. يوم طويل، مرهق، ومتشابه إلى حد التطابق مع آلاف الأيام التي يعيشها المواطن داخل المصالح الحكومية.

لكن المفاجأة لم تكن في الروتين الإداري، بل عند عودتي إلى سيارتي في نهاية اليوم. فوجئت بأن هناك سيارة متوقفة خلف سيارتي مباشرة، بشكل يمنعني تمامًا من الخروج. بعد سؤال أصحاب المحلات القريبة، علمت أن السيارة تخص أحد سكان العمارة المقابلة لمحطة المترو. وبعد جهد إضافي، تمكنت من الوصول إلى شقته وطلبت منه، بهدوء في البداية، أن يحرك سيارته حتى أتمكن من المغادرة. إلا أنه رفض، وقرر – من وجهة نظره – “معاقبتي” بأن يترك سيارته في مكانها إلى أجل غير مسمى، إلى أن يشعر أنني نلت العقاب الكافي لمجرد أنني تجرأت وركنت في مكان يعتبره ملكًا خاصًا له.

تحول النقاش سريعًا إلى جدال حاد. أوضحت له أن المكان يقع في شارع عام، وليس جراجًا خاصًا، ولا يوجد أي تخصيص رسمي يمنحه حق احتكار المساحة أمام العمارة. وحتى لو افترضنا – جدلًا – أن هذه المساحة مخصصة كجراج، فلا يحق له قانونًا احتجاز سيارتي بهذا الشكل الذي يمكن اعتباره نوعًا من التعدي أو البلطجة. تصاعدت حدة الحوار، وتدخل بعض الجيران، ثم الأمن، ووصل الأمر إلى تدخل أفراد من الشرطة. وفي النهاية، انتهت الأزمة بحل ودي، واعتذار متحفظ من الرجل، بينما اعتذر بعض جيرانه نيابة عنه، مبررين هذا السلوك بحالة الغضب المتراكمة لديهم بسبب مستخدمي المترو الذين يركنون سياراتهم في المنطقة منذ سنوات، ما جعل السكان الأصليين يعانون في إيجاد أماكن لسياراتهم، وكأن “الأغراب” اقتحموا حيزهم اليومي.

عدت إلى سيارتي وأنا أفكر في أزمة أماكن الانتظار في مصر بوصفها أزمة هيكلية، لا حادثة فردية. إنشاء الخط الثالث لمترو الأنفاق كان إنجازًا مهمًا بدأ قبل عام 2011، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم تفكر الحكومات المتعاقبة في توفير جراجات متعددة الطوابق أو مساحات انتظار منظمة بجوار محطات المترو؟ لماذا يُترك هذا الفراغ التخطيطي ليُملأ بالصراعات اليومية بين السكان والمستخدمين؟

نادراً ما تجد جراجًا منظمًا بالقرب من محطة مترو، وإن وُجد، غالبًا ما تكون تكلفته مرتفعة إلى درجة تنفر المستخدم العادي. تذكرت هذه الواقعة مجددًا وأنا أمر أسفل خط المونوريل في شارع التسعين، المشروع الذي يُفترض افتتاحه قريبًا، والذي سيكون – رغم الملاحظات الهندسية والاقتصادية – إضافة مهمة لمنظومة النقل. لكن السؤال نفسه يطرح نفسه بإلحاح: أين سيترك سكان القاهرة الجديدة سياراتهم قبل استقلال المونوريل، سواء في اتجاه العاصمة الإدارية أو وسط القاهرة؟

الواقع يشير إلى أن أزمة الركن في القاهرة الجديدة قائمة بالفعل، حيث يقوم كثير من سكان العمارات والفيلات بوضع أحجار أو سلاسل أمام الأرصفة لمنع الآخرين من ركن سياراتهم، بعد أن تحولت الجراجات إلى دوبلكسات سكنية أو محال تجارية. يحدث ذلك رغم أن الشارع ملك عام، ولا يحق لأحد الاستيلاء على المساحة التي أمام عقاره. فكيف سيكون الوضع بعد تشغيل المونوريل، ومع تجمع الميكروباصات أسفل محطاته؟ وكيف ستتحمل الشوارع الجانبية، التي تعاني أصلًا من ركن أربع صفوف متوازية، هذا الضغط الإضافي، خصوصًا في مناطق البنوك والمستشفيات؟

جدل واسع

منذ أيام، دار جدل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي حول افتتاح موقف ميكروباص بشكل مفاجئ وسط فيلات التجمع الخامس. نسبة كبيرة من سكان القاهرة الجديدة أبدت رفضها للمشروع، معتبرة أنه ظهر دون أي حوار مجتمعي أو استطلاع رأي، ودون الاستماع لشكاوى السكان المتعلقة بسلوكيات بعض سائقي الميكروباص، أو ما يصاحب هذه المواقف عادة من ضوضاء، وباعة جائلين، ونصب شاي، وتراكم قمامة. وهي ظواهر خبرها المصريون جيدًا في مواقف كثيرة تهتم بالكم على حساب الكيف.

الزحام في حي العتبة وسط القاهرة (وكالات)
الزحام في حي العتبة وسط القاهرة (وكالات)

في المقابل، يرى آخرون أن إنشاء موقف الميكروباص يمثل إنجازًا ضروريًا، وأنه لا يحق للسكان الاعتراض، فالدولة من حقها التخطيط والبناء بما يخدم الصالح العام، وأن اعتراض سكان المناطق الراقية ليس سوى تعبير عن نزعة طبقية ترفض اختلاط الفضاءات.

وبين هذين الرأيين، يظهر مشروع الأتوبيس الترددي على الطريق الدائري كنموذج إضافي لمعضلة التخطيط غير المكتمل. المشروع مهم، وتم على أساسه توسعة الطريق وهدم عدد كبير من العقارات مع تعويض أصحابها وفقًا لقانون نزع الملكية للمنفعة العامة. لكنه، مرة أخرى، يفتقر إلى مساحات انتظار سيارات بالقرب من المحطات، كما أن أنفاق وسلالم عبور المشاة لا تبدو موزعة بما يتناسب مع حجم الاستخدام المتوقع، ما ينذر بعودة فوضى الميكروباصات والعشوائية حول المحطات.

 أزمة “هندسة تجربة” كاملة

في جوهرها، لم تعد أزمة النقل في مصر مقتصرة على توفير وسيلة أو تطوير طريق، بل أصبحت أزمة “هندسة تجربة” كاملة. فالمشروعات القومية الكبرى، مثل المونوريل والأتوبيس الترددي، ستظل جزرًا معزولة ما لم تُستكمل بخدمات محيطة، على رأسها منظومة “Park & Ride”، وجراجات ذكية بأسعار محفزة تشجع المواطن على ترك سيارته طواعية، دون خوف من صراعات أو اعتداءات.

الصراع القائم اليوم بين السكان والمشروعات الجديدة، أو بين أصحاب السيارات والسكان أو “السايس”، ليس صراعًا طبقيًا بالضرورة، بل نتيجة طبيعية لغياب التخطيط الشامل الذي يراعي السلوك الإنساني والمساحات البينية. فالحل لا يكمن في الإلغاء أو المنع، بل في خلق توازن معماري وبصري يضمن كرامة الراكب، وهدوء الساكن، وانسيابية الطريق.

في النهاية، يبقى السؤال معلقًا تحت أعمدة المونوريل ومحطات الترددي: هل نتعلم من الأخطاء المتراكمة قبل أن تتحول محيط هذه المشروعات إلى بؤر عشوائية جديدة؟ أم سنظل ندور في حلقة مفرغة من المشاحنات اليومية والبحث عن “ركنة” في شارع يضيق بالجميع؟ فنجاح أي منظومة نقل لا يُقاس بطول المسارات، بل بمدى سهولة رحلة المواطن من باب منزله إلى وجهته… دون صراع

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة