أنهى الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء أمس الأحد، أطول مفاوضات عسكرية-سياسية شهدتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد، بتوقيع اتفاق يُلزم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بتفكيك هيكلها العسكري مقابل ضمانات ثقافية وإدارية، في صفقة وصفها محللون بأنها "دمج قسري" لا "شراكة وطنية".
التوقيع جاء بعد أيام دراماتيكية شهدت اشتباكات دموية في حلب، حيث أحكم الجيش السوري سيطرته الكاملة على المدينة بعد طرد ما تبقى من وحدات قسد، وتمددت المواجهات سريعًا نحو دير حافر وسد تشرين، مما وضع القيادة الكردية أمام خيارين: إما حرب استنزاف شاملة ومدمرة ضد جيش بات يحظى بدعم إقليمي وغطاء جوي، أو القبول بشروط دمشق القاسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إدارتهم المدنية.
النقطة الجوهرية التي حسمها الاتفاق الأخير هي إنهاء طموح قسد بالانضمام للجيش كـ "كتلة مستقلة" (3 فرق عسكرية بقوام 50 ألف مقاتل) كما كانت تطالب سابقًا في مفاوضات مارس 2025. وبدلًا من ذلك، نص الاتفاق صراحةً على دمج المقاتلين "كأفراد" داخل وزارتي الدفاع والداخلية بعد "تدقيق أمني" شامل، وهو ما يعني عمليًا تفكيك القيادة المركزية للقوات التي كانت تسيطر على ثلث مساحة سوريا، وتحويل مقاتليها إلى جنود نظاميين خاضعين للأوامر المركزية لدمشق.

خمس سلال للدمج: تشريح الاتفاق
لم يكتفِ الاتفاق بالجانب العسكري، بل أعاد هندسة النفوذ في شرق سوريا عبر خمس "سلال" متوازية تضمن تفكيك "الإدارة الذاتية" (DAANES) ككيان موازي للدولة:
السلة الأولى: السيادة والموارد (والسؤال المفقود)
حسمت دمشق ملف "عصب الحياة"؛ إذ نص الاتفاق على تسليم كل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في الحسكة للحكومة السورية فورًا، مع نقل مسؤولية حمايتها للقوات النظامية.
لكن الاتفاق، في نصه المعلن، يلتزم صمتًا مريبًا تجاه المعضلة الاقتصادية الأهم: تقاسم العائدات.
وبحسب تحليل لمركز "جسور" للدراسات، فإن دمشق أصرّت على استعادة السيطرة المركزية الكاملة على الحقول كشرط لتمويل إعادة الإعمار، رافضةً نموذج "إقليم كردستان العراق" الذي يتيح للإقليم تصدير النفط أو الاحتفاظ بنسبة ثابتة من الإيرادات.
وتشير تقارير "عنب بلدي" - الذي تأسس في سياق الثورة السورية عام 2011 - إلى أن قسد أبدت سابقًا استعدادها لتسليم الملف النفطي بشرط "توزيع الثروة"، لكن غياب أي بند مالي واضح في الاتفاق النهائي يعني عمليًا أن الأكراد سلّموا ورقتهم الاقتصادية الرابحة مقابل وعود بـ"رواتب فردية" للمقاتلين المدمجين، دون ضمانات قانونية بتخصيص نسبة من عوائد نفط الرميلان والعمر لتنمية مناطقهم المحرومة، مما يضع الاتفاق أمام اختبار "الاستدامة الاقتصادية" عند أول أزمة تمويل.

السلة الثانية: إعادة الانتشار (واللغم العشائري)
تضمن الاتفاق تغييرًا جذريًا في الخريطة؛ حيث تلتزم قسد بتسليم محافظتي الرقة ودير الزور "إداريًا وعسكريًا" للحكومة بشكل فوري، مع انسحاب قواتها إلى شرق نهر الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.

إلا أن هذا البند يصطدم بـ "فيل في الغرفة": المكون العربي العشائري؛ فقوات قسد ليست كردية خالصة، بل تعتمد في دير الزور والرقة على هياكل عربية مثل "مجلس دير الزور العسكري".
يشير فلاديمير فان ويلجنبرج - المؤلف المشارك لكتاب "أكراد شمال سوريا: الحكم والتنوع والصراعات" - إلى أن وجهاء عشائر "العكيدات" و"البكارة" يرفضون عودة سيطرة دمشق دون ضمانات لحكم محلي حقيقي، ويرون في صفقة قسد "خيانة" تُسلم مناطقهم للنظام مقابل مكاسب ثقافية للأكراد في الشمال.
ويقول في تحليله بـ"معهد واشنطن" إن غياب أي ذكر لآلية استيعاب هذه التشكيلات العشائرية في الجيش السوري أو الإدارة المحلية يجعل من عملية التسليم في دير الزور "حقل ألغام" قد ينفجر في وجه دمشق وقسد معًا، خاصة مع انتشار السلاح الفردي بكثافة في تلك المناطق.
السلة الثالثة: "الحالة الخاصة" لكوباني
أوجد الاتفاق وضعًا خاصًا لمدينة عين العرب (كوباني) ذات الرمزية الكردية العالية، حيث سيتم إخلاؤها من "المظاهر العسكرية الثقيلة"، واستبدالها بقوة أمنية مُشكّلة من أبناء المدينة، مع الإبقاء على جهاز شرطة محلي يتبع إداريًا لوزارة الداخلية في دمشق.
السلة الرابعة: قنبلة "داعش" الموقوتة
أغلق الاتفاق أيضًا ملفًا شائكًا أرق العالم لسنوات؛ حيث نص على دمج الإدارة المسؤولة عن سجناء تنظيم الدولة والمخيمات (مثل الهول) ضمن هياكل الحكومة، لتتحمل دمشق "المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة" عنها.
السلة الخامسة: معضلة "حزب العمال"
وفي استجابة مباشرة للمخاوف التركية، ألزم الاتفاق قيادة قسد بـ "إخراج كل قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين" خارج حدود الدولة، قاطعًا بذلك الشريان التنظيمي مع جبال قنديل.

حقوق مقابل السلاح: تشريح "المرسوم 13"
يصف مراقبون هذا الاتفاق بأنه "مقايضة وجودية": فقدان القوة الصلبة مقابل الحصول على الاعتراف القانوني. إذ لأول مرة في تاريخ الدولة السورية، ينتزع الأكراد اعترافًا دستوريًا عبر "المرسوم 13/2026" الذي يُعَد حجر الزاوية السياسي في الاتفاق.
ينص هذا المرسوم على اعتبار اللغة الكردية "لغة وطنية" تُدرس رسميًا في المناطق ذات الكثافة الكردية، مع حل مشكلة "مكتومي القيد" عبر إلغاء تبعات إحصاء 1962 ومنح الجنسية لكل المواطنين الكرد المقيمين، إضافة إلى اعتبار "النيروز" عيدًا وطنيًا وعطلة رسمية، وهي خطوات غير مسبوقة في تاريخ التعريب القسري الذي عانى منه أكراد سوريا لعقود.
لكن الرد الكردي الرسمي جاء حذرًا ومشوبًا بالشك العميق. فقد صرّحت "الإدارة الذاتية" (DAANES)، في بيان شديد اللهجة، أن المرسوم "خطوة أولى لكنها لا ترقى للطموحات"، مشددةً على أن الحقوق يجب أن تكون "دستورية ودائمة" وليست مجرد "مراسيم رئاسية" مؤقتة قابلة للإلغاء بجرة قلم رئاسية بمجرد استقرار السلطة المركزية، مطالبةً بدستور جديد يضمن اللامركزية الإدارية.
وأعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي قبوله اتفاق وقف إطلاق النار في شمال سوريا بهدف إنهاء سفك الدماء، مؤكدًا أن القتال فُرض على "قسد" في ظل ما وصفه بحرب غير متكافئة.

وأوضح أن القوات انسحبت من دير الزور والرقة إلى الحسكة لمنع انزلاق الوضع إلى حرب أهلية، مشيرًا إلى أن الاتفاق يتيح عودة النازحين إلى منازلهم ويحافظ على ما تحقق من مكتسبات بعد الثورة السورية. كما أعلن عزمه زيارة دمشق لبحث بنود الاتفاق مع الحكومة السورية، مع التشديد على حماية خصوصية مناطق الإدارة الذاتية.
وفي هذا السياق، يرى سيث فرانتزمان، المحلل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، أن دمج قسد - التي تأسست عام 2015 بدعم أمريكي - في هيكلية الدولة الجديدة يعني عمليًا تحويل "قوة قتالية متماسكة" اعتادت العمل باستقلالية إلى مجرد "أرقام فردية" داخل بيروقراطية وزارة الدفاع، مما يُفقد الأكراد ورقة ضغطهم الكبرى على الأرض، ويجعل مستقبلهم مرهونًا كليًا بنوايا دمشق المتغيرة، واصفًا الأمر بأنه "تفكيك ناعم" وليس دمجًا حقيقيًا.
واشنطن تعيد الهندسة: غياب "الضامن" والفخ الاستراتيجي
لم يكن هذا الاتفاق ليتم لولا "هندسة أمريكية" دقيقة خلف الكواليس؛ فالرئيس السوري أشار صراحةً إلى دور إدارة الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس في إتمام الصفقة لتأمين "خروج آمن" لقواتهم. وتسعى واشنطن، بحسب تحليل فلاديمير فان ويلجنبرج، إلى ترتيب انسحاب يحفظ ماء الوجه عبر دمج حلفائها في الدولة بدل التخلي عنهم كما حدث في أفغانستان.
لكن الاتفاق يعاني من ثغرة استراتيجية قاتلة: غياب "آلية الضامن" الميداني؛ فالنصوص المعلنة تخلو من أي ذكر لـ "لجنة مراقبة دولية" أو "قوات فصل" تشرف على التنفيذ، مكتفية بعبارات فضفاضة عن "التنسيق مع واشنطن في مكافحة الإرهاب".
ويحذر ويلجنبرج من أن واشنطن يجب أن تلعب دور "الضامن" لأي اتفاق عبر تشكيل "غرفة عمليات مشتركة" لمنع الصدام، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن واشنطن تتجه للانسحاب السريع، مما يترك قسد مكشوفة أمام دمشق بمجرد رحيل الجنود الأمريكيين. وهذا الفراغ الرقابي يُعيد للأذهان سيناريو "تسويات درعا 2018"، حيث استخدم النظام "التدقيق الأمني" لاحقًا كأداة لتصفية المعارضين واغتيال القادة السابقين بعد رفع الغطاء الدولي عنهم، وهو الخطر الأكبر الذي يواجه قادة قسد اليوم.
"قصقصة أجنحة العمال" لتهدئة أنقرة
أكثر بنود الاتفاق حساسية هو ذلك المتعلق بـ "حزب العمال الكردستاني" (PKK). الاتفاق يُلزم قسد بإخراج القيادات غير السورية (كوادر قنديل)، وهو ما يراه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شرطًا أساسيًا لأي تطبيع مع دمشق.

ويرى كاوا حسن، المحلل بمركز ستيمسون للدراسات، أن عملية السلام الكردية في سوريا متشابكة مع ملف PKK؛ فنجاح دمج قسد بشروط "نزع فتيل الحزب" قد يفتح الباب لتسوية تاريخية إقليمية تُرضي تركيا، لكنه يضع الأكراد السوريين في مأزق إدارة شؤونهم العسكرية والمدنية دون "الخبرة التنظيمية" التي كانت توفرها كوادر الحزب لسنوات طويلة، مما قد يُضعف تماسكهم الداخلي أمام دمشق.
وتذهب تحليلات Long War Journal أبعد من ذلك، مشيرةً إلى أن قبول قسد بهذا الشرط قد يكون جزءًا من "صفقة تركية-أمريكية" أوسع شملت ضغطًا على قيادات الحزب لنزع السلاح، مما جعل قسد تضحي بعلاقتها الأيديولوجية مع قنديل مقابل البقاء المادي في المشهد السوري.

سيناريوهات 2026: سلام هش أم انفجار مؤجل؟
بينما يُحتفل بالاتفاق كانتصار للدبلوماسية، يظل المشهد مفتوحًا على ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: التنفيذ السلس والاستقرار الهش
تنجح الحكومة في استيعاب المقاتلين وتطبيق المرسوم الثقافي بجدية، مما يخلق حالة رضا نسبي وينهي الحرب، بشرط استمرار تدفق التمويل الدولي لإعادة الإعمار وضغط أمريكي (عن بعد) لمنع الانتقام.
السيناريو الثاني: التعثر الفني وفخ التدقيق
تستخدم دمشق بند "التدقيق الأمني" لاستبعاد آلاف المقاتلين بدعوى "ملفات إرهاب" سابقة، مما يثير تمردًا مسلحًا جديدًا، خاصة في ظل غياب "ضامن دولي" يمنع الاعتقالات الانتقامية، وهو السيناريو الأقرب إذا عجلت واشنطن بالانسحاب.
السيناريو الثالث: الانفجار الموضعي
قد تنفجر الأوضاع في "نقاط الاحتكاك" مثل دير الزور، إذا رفضت العشائر العربية تسليم مناطقها لدمشق دون مكاسب اقتصادية واضحة (حصة من النفط)، أو إذا فشلت الحكومة في إدارة ملف سجون داعش، مما قد يدفع التنظيم للعودة من البوابة الخلفية للفوضى.
وفي المحصلة، يبدو أن اتفاق 18 يناير 2026 قد وضع نهاية لحلم "روج آفا" ككيان سياسي مستقل، لكنه فتح الباب لاختبار جديد ومعقد: هل يمكن لسوريا الموحدة أن تتسع لهوية كردية معترف بها دستوريًا، أم أن الدمج العسكري سيكون مقدمة لصهر الهوية الثقافية أيضًا؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في تطبيق دمشق لبنود المرسوم 13، ومدى جدية واشنطن في مراقبة "هندستها" الأخيرة قبل الرحيل النهائي.