بين أروقة الوحدات الصحية والبيوت البعيدة في أطراف القرى، يدور حديث مكتوم عن صغارٍ يرحلون قبل أن تكتمل أسابيعهم الأولى. في الفترة الأخيرة، يتداول البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، أرقامًا تتحدث عن ارتفاع وفيات الرضع؛ في ظل غياب واضح لأية بيانات رسمية حديثة أو سلاسل زمنية يمكن الاستناد إليها.
فيما سارعت وزارة الصحة لنفي وجود "أي ارتفاع غير طبيعي"، مؤكدة أن المؤشرات "مستقرة" عبر تصريح المتحدث الرسمي الدكتور حسام عبد الغفار. لكنها، أيضًا، اكتفت بالنفي دون إتاحة أرقام تفصيلية أو مقارنات زمنية تمكن الباحثين من التحقق المستقل. لكن، بعيدًا عن الأرقام المختبئة في الأدراج، تتراكم على أرض الواقع مؤشرات لا يمكن نفيها، تبدأ من معدلات الولادات القيصرية، والتي أصبحت هي الأعلى عالميًا، مرورًا بالشروط القاسية لصرف ألبان الأطفال، وأخيرًا صمت إحصائي حكومي واضح. نجد أنفسنا أمام سؤال جوهري: هل يُدار ملف صحة الأطفال كملف خدمي.. أم ملف سياسي؟ وما الذي نعرفه فعلًا عن "صحة الرضع في مصر" في ظل البيانات الشحيحة وصعوبة الوصول إليها.
"القيصرية".. منفذ يتحول إلى فخ
وعما يعايشه في المستشفى التي يعمل بها وعيادته الخاصة، يقول طبيب الأطفال الدكتور أحمد عبد الفتاح مهدي في حديثه مع فَكّر تاني: "للأسف آه، في زيادة واضحة في وفيات الرضع في السنوات الأخيرة خاصة في الريف"، ومؤكدًا على أن الحديث عن وفيات الرضع لا يمكن فصله عما يراه الأطباء يوميًا داخل المستشفيات.

وعن الوضع الصحي يقول، الأسباب متعددة، أبرزها ضعف الرعاية الصحية قبل الولادة وبعدها، وسوء التغذية، وانتشار الأمراض المعدية. ويضيف أن الأسباب الأكثر شيوعًا -حسبما يرى في نطاق عمله- تشمل الولادة المبكرة، ومضاعفات الولادة، والعدوى، والتشوهات الخلقية، وانخفاض الوزن عند الولادة، إلى جانب عامل ظهر بقوة بعد جائحة كورونا، وهو العدوى التنفسية الناتجة عن الفيروسات المتحورة، التي قد تتسبب في التهابات رئوية حادة وفشل تنفسي لدى الرضع.
بينما يتقاطع مع يقوله الطبيب مع نشرته منظمة الصحة العالمية التي تؤكد على أن أكثر من 40% من وفيات الأطفال دون الخامسة تحدث في "الفترة الوليدية -الأسبوع الأول من الحياة"، وهي الفترة التي تبدو في مصر ساحة لمعركة غير متكافئة، فيقول الدكتور أحمد عبد الفتاح: "الولادات القيصرية، لو مش ضرورة طبية ممكن تزيد من مخاطر الولادة المبكرة ومشكلات التنفس عند الرضيع، رغم انها في بعض الحالات بتكون إجراء منقذ للأم والطفل".
وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تشير بيانات مسح الأسرة الصحية المصرية 2021، أن نسبة الولادات القيصرية في العينة التي شملها المسح كانت نحو 74.1٪ من إجمالي الولادات، وهو مؤشر قوي على ارتفاع استخدام هذه العملية في مصر مقارنة بالمعدلات الدولية الموصى بها".
أما عن التغذية وألبان الأطفال يشدد الدكتور أحمد على أن نقص التغذية أو عدم توافر ألبان صناعية مناسبة، خاصةً في الحالات التي لا تقدر فيها الأم على الرضاعة الطبيعية، يمكن أن يضاعف المخاطر الصحية على الرضع في الشهور الأولى من العمر.

وفي هذا السياق، تأتي قرارات وزارة الصحة المتعلقة بتنظيم صرف اللبن الصناعي الأطفال، بأن وضعت شروطًا أكثر تشددًا للحصول عليها من الوحدات الصحية، وهو ما تعاني منه أمهات كثيرات، معتبرات أن الإجراءات المعقدة لا تراعي الظروف الصحية والاجتماعية المختلفة، ورغم تأكيد الوزارة أن الهدف هو "تشجيع الرضاعة الطبيعية"، يرى أطباء أن التطبيق الصارم للقرارات، دون بدائل فعالة أو متابعة دقيقة للحالات الطبية الخاصة، قد ينعكس سلبًا على صحة بعض الرضع.
إتاحة البيانات.. ليست "رفاهية"
بعيدًا عن التشخيص الطبي، يطرح الباحث والخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إشكالية أخرى تتعلق بكيفية إدارة البيانات الصحية والسكانية في مصر، ويوضح في حديثه مع فَكّر تاني: "إتاحة البيانات مش رفاهية، دي شرط أساسي للمساءلة العامة، والمؤشرات السكانية الحساسة، زي وفيات الرضع، لا يجب نشرها في صورة مجتزأة أو غير قابلة للتحقق".

ويحذر الخبير الاقتصادي، من نقل البيانات من جداول مفتوحة وسلاسل زمنية واضحة إلى نشرات متفرقة أو غير قابلة للتحميل والتحليل، مؤكدًا أن ذلك من شأنه إضعاف قدرة الصحفيين والباحثين على قراءة الاتجاهات الحقيقية، ويفتح الباب أمام الجدل بدلًا من النقاش المستند إلى أرقام.
بين الغموض الرسمي والأنين الذي يأتي من داخل غرف الرعاية المزدحمة، حقائق متناقضة. وتظل صحة الرضع في مصر معلقة في تلك المنطقة الرمادية، المنطقة التي تصبح أكثر قسوة مع غياب الأرقام والشفافية، حين تتحول البيانات إلى "أسرار" واللبن المدعوم إلى "معركة إجرائية"، يصبح الرضيع هو الضحية الأولى لسياساتٍ قد تنجح في تجميل الأوراق، لكنها تفشل في حماية الأرواح.
يبقى السؤال معلقًا فوق رؤوسنا جميعًا: إلى متى تظل حياة الصغار رهينةً للصمت الإحصائي؟ وهل ننتظر طويلًا قبل أن يُدار هذا الملف كأولوية إنسانية مطلقة، بعيدًا عن كونه مجرد رقم يتم تداوله أو إنكاره؟