"ها أنا ذا على مشارف عام ثالث، قابعًا داخل الزنزانة، ولا أعلم متى أنال حريتي؛ حيث أصبحت الحرية حلمًا يراودني كل يوم؛ يحيا صباحًا ويموت مساءً". هذا ما جاء في رسالة طالب كلية الهندسة، مدثر محمد عبد الحميد، المحبوس منذ 20 أكتوبر 2023 على خلفية التضامن مع فلسطين.
ألقت قوات الأمن القبض على "مدثر" من منزله بسبب مشاركته في مظاهرات دعم القضية الفلسطينية، وهي القضية المقيدة برقم 2468 لسنة 2023. وما زال تجديد حبسه احتياطيًّا مستمرًا إلى الآن، دون السماح له بالإدلاء بأقواله أثناء جلسات التجديد، وفقًا لمحاميه.

نص رسالة مدثر
في الرسالة التي نشرها مكتب الشباب والطلاب بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، في 7 يناير الجاري، يوثق "مدثر" قسوة السجن، وتأثيره النفسي والجسدي، وحرمانه من استكمال دراسته؛ إذ أصبح الشعور بضياع المستقبل ينغص عليه حياته بعد فقدانه حريته.
سجن العاشر: تأهيل 6 - زنزانة 1/11 الأربعاء 7 يناير 2026
من رفيقكم: مدثر محمد عبد الحميد
"لقد ضاقت صدورنا من أنين الزنازين، واشتد الجسد كهولةً من معاناة السجن، فشاب شعر الرأس وتجعدت ملامح الوجه، وأصبح الإنسان هَرِمًا في مقتبل عمره، فضاع الأمل وتدمر المشوار التعليمي، وأصبح الفرد عالةً على الأهل بعدما كان عونًا لهم.
ها أنا ذا على مشارف عام ثالث، قابعًا داخل الزنزانة، ولا أعلم متى أنال الحرية، حيث أصبحت الحرية حلمًا يراودني كل يوم؛ يحيا صباحًا ويموت مساءً، حتى أصابني اليأس. أحقًّا الحرية صعبة المنال؟
ولماذا هذا التعنت في سلب الحرية؟
أيعجبكم تقييد يديّ؟
أيعجبكم قبوعي داخل زنزانة يملؤها الظلام الحالك؟
إنني لم أقترف أي جرم يُعاقَب عليه القانون، بل آمنت إيمانًا كاملًا بسيادة القانون، ومن سبيل هذا الإيمان مارست حقي الدستوري، وهو التظاهر السلمي البحت، لدعم القضية الفلسطينية ضد كيان إمبريالي صهيوني توسعي ارتكب العديد من المجازر الدموية بحق الشعب الفلسطيني الشقيق.
أنا أناديكم، وأنادي من بيده الأمر، بفك قيد يديّ، وإعطائي حق العيش كمواطن مُنَعَّم بالحرية، لا كسجين مسلوب الحق فيها".
تحذيرات حقوقية
من جانبها، حذّرت منظمة "صحفيات بلا قيود" من استمرار الانتهاكات التي يتعرض لها "مدثر"، وعشرات الطلاب المحتجزين في السجون المصرية على خلفية قضايا ذات طابع سياسي.
وأكدت المنظمة أن هذه الممارسات تمثل تهديدًا مباشرًا لمستقبل المحتجزين، وتشكل انتهاكًا صارخًا للدستور المصري والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

تدهور الحالة الإنسانية
أشارت المنظمة إلى أن رسالة الطالب "مدثر" عكست صورة قاسية لتأثير الحبس على جسده ونفسيته ومستقبله التعليمي والاجتماعي، وحجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها المحتجزون وشعورهم بالضياع.
ووفقًا لـ "لجنة العدالة"، فقد أعلن "مدثر" إضرابه عن الطعام يوم الأحد الموافق 29 أغسطس 2025، احتجاجًا على استمرار احتجازه وسط ظروف قاسية.
ولفتت اللجنة إلى عدم سماح هيئة المحكمة له بالإدلاء بأقواله لخمس مرات على التوالي أثناء نظر تجديد حبسه، وعدم النظر في ملفات القضية وأدلة البراءة والأوراق المقدمة للنيابة.
أكثر من 131 محبوسًا
مأساة "مدثر" ليست استثناءً؛ فحسب تقديرات حقوقية، لا يزال أكثر من 131 شخصًا رهن الحبس الاحتياطي على خلفية قضايا مرتبطة بالتضامن مع فلسطين.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تجدّدت المطالبات بالإفراج عنهم.
وطالب مكتب الشباب والطلاب بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي بالإفراج عن مدثر محمد عبد الحميد، وجميع معتقلي قضايا التضامن مع فلسطين، مؤكدًا أن "التضامن ليس جريمة"، كما طالبت لجنة العدالة إدارة السجن بإطلاق سراح "مدثر" فورًا دون قيد أو شرط.

وفي 29 أكتوبر 2025، أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية توقيف 200 شخص على الأقل والتحقيق معهم في 20 قضية أمام نيابة أمن الدولة العليا، بعدما عبّروا بأشكال سلمية مختلفة عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ورفضهم الإبادة الجماعية.
وخلال شهر أكتوبر الماضي، أخلت النيابة سبيل 29 شخصًا موزعين على ثلاث قضايا من داعمي فلسطين، بينما لا يزال 131 رهن الحبس الاحتياطي المفتوح على ذمة 14 قضية، منهم أربعة على الأقل ألقي القبض عليهم وهم في سن الطفولة (أقل من 18 سنة)، وشاب من ذوي الإعاقة في نهايات العقد الثاني من العمر، وسيدة مسنة تخطت الـ 67 من عمرها.
ويواجه المتضامنون جميعهم اتهامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب، بينما يواجه عدد منهم اتهامات يقرها قانون التجمهر رقم 10 لسنة 1914؛ وهو القانون الذي صدر خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، ولا يزال معمولًا به إلى الآن رغم إصدار قانون تنظيم التظاهر عام 2013.