في توقيت لافت، تحولت "صوماليلاند" من مجرد إقليم انفصالي منسي، إلى ساحة عمليات مفتوحة لتحركات إسرائيلية وإماراتية متزامنة، بدت وكأنها تعيد هندسة النفوذ في القرن الإفريقي عبر تبادل دقيق للأدوار. فبينما كانت تل أبيب تكسر المحرمات الدبلوماسية باعتراف رسمي يمنحها موطئ قدم استراتيجي عند "بوابة الدموع"، كانت أبوظبي تستغل نفس الجغرافيا كـ "منصة لوجستية خلفية" لإدارة تعقيدات الملف اليمني، وتسهيل حركة وتسلح القيادات الانفصالية في جنوب اليمن، وعلى رأسهم عيدروس الزبيدي، بعيدًا عن الرقابة.
هذا التكالب المزدوج على استغلال "السيادة الهشة" للإقليم، لم يدفع مقديشو فقط إلى رد عنيف بتمزيق اتفاقياتها الدفاعية مع الإمارات دفاعًا عن استقلالها؛ بل وضع الأمن القومي العربي برمته أمام واقع جديد وخطير. إذ بتنا الآن أمام مشهد يتحول فيه الساحل الجنوبي لخليج عدن إلى قاعدة انطلاق متقدمة لقوى إقليمية ودولية، تهدد بخنق الممرات المائية الحيوية ومحاصرة العمق العربي من الجنوب.
لماذا قفزت تل أبيب فوق القانون الدولي الآن؟

يرى فيديريكو دونيلي، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة ترييستي الإيطالية، أن الخطوة الإسرائيلية في صوماليلاند تشكل سابقة خطيرة.

وقد تحدت تل أبيب المعايير الدولية الراسخة لسلامة أراضي الدول من أجل "منفعة أمنية" وجغرافيا استراتيجية. والاعتراف هنا ليس مكافأة سياسية، بل هو إقرار بأن "القدرة على الحكم والسيطرة الميدانية" التي تتمتع بها صوماليلاند تجعلها شريكًا موثوقًا.
ويفصل جوليد يوسف عيدان، المُحاضر في جامعات أرض الصومال، هذا المنطق، فيشير إلى أن إسرائيل، التي تقدس "الموثوقية والتماسك المؤسسي"، وجدت في صوماليلاند "سيادة وظيفية" حقيقية. فالإقليم يمتلك سيطرة إقليمية ونظامًا أمنيًا فعالًا منع تسلل الجماعات المتطرفة، مما يجعله "أصلًا استراتيجيًا" في بيئة إقليمية مضطربة، وشريكًا قادرًا على تقديم التزامات أمنية طويلة الأمد لا تستطيع مقديشو توفيرها.
عينٌ على الحوثي وأخرى على أنقرة
التوقيت هنا هو جوهر اللعبة. يربط ماركوس فيرجيل هوهن، المحاضر في معهد الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة جوتنجن الألمانية، بين الاعتراف وبين طموحات بنيامين نتنياهو لما بعد حرب غزة. فمع تراجع قدرات حماس وحزب الله، تسعى إسرائيل لتأمين موقع هيمنة عسكرية في الشرق الأوسط، حيث يبقى "العدو الرئيسي" هو إيران ووكلاؤها، تحديدًا الحوثيين في اليمن.

ويوضح هوهن أن وجود موطئ قدم إسرائيلي في صوماليلاند، الواقعة مباشرة قبالة السواحل اليمنية على طريق الشحن عبر خليج عدن، يمنح تل أبيب ميزة عسكرية حاسمة لمراقبة واحتواء التهديد الحوثي من مسافة صفر.
لكن الأمر لا يتعلق بإيران وحدها؛ فهناك منافسة شرسة مع قوى إقليمية أخرى، كما يكشف تحليل "مودرن ديبلوماسي"، الذي يتحدث عن رغبة إسرائيلية في "إعادة تشكيل التهديدات"؛ إذ تنظر تل أبيب بعين القلق للتواجد التركي المتصاعد في الصومال، حيث تمتلك أنقرة أكبر قاعدة عسكرية خارجية لها هناك وتدير البنية التحتية الأمنية لمقديشو.
ومن منظور إسرائيلي، تحولت الصومال إلى "منطقة نفوذ تركي"، مما استدعى البحث عن حليف يوازن هذه الكفة، ووجدته في صوماليلاند التي تعمل كـ "ثقل موازن هيكلي" لهذا النفوذ. وهذا ما يؤكده أيضًا معهد أورايون بوليسي، الذي يشير إلى أن إسرائيل تسعى لتخفيف نفوذ أنقرة عبر دعم بديل "غير منحاز" ومستقر سياسيًا.
أصول "بربرة".. الجائزة الكبرى
على الأرض، تتجاوز المصالح الحبر الدبلوماسي لتلامس البنية التحتية العسكرية الصلبة.
تنقل وكالة فرانس برس (AFP) عن رولان مارشال، الخبير في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، قوله بوضوح: "ما هو على المحك الآن هو الوصول العسكري". وتضيف الوكالة أن أصول صوماليلاند، وتحديدًا ميناء ومطار "بربرة" الذي طورته الإمارات العربية المتحدة منذ عام 2016 ليكون قادرًا على استضافة أصول بحرية وجوية ضخمة، هي التي رجحت كفة الاعتراف لدى إسرائيل، متجاوزةً أي مخاوف من تداعيات دبلوماسية.
وتؤكد الوكالة، نقلًا عن مسؤول في صوماليلاند، اكتمال منشآت جديدة وقاعدة جوية في بربرة مؤخرًا، مما يجعلها جاهزة للتشغيل الفوري ضمن هذه الاستراتيجية الجديدة.
هندسة المحور الجديد.. تجاوز "عنق الزجاجة" المصري
لا تتوقف تداعيات هذا "الانقلاب الجيوسياسي" عند حدود الأمن العسكري، وإنما تمتد لتضرب عصب الاقتصاد الاستراتيجي للمنطقة، وتحديدًا قناة السويس.
يكشف تحليل "مودرن ديبلوماسي" عن تشكّل ما يسميه "هندسة متعددة الأطراف" (Multilateral Geometry) تجمع بين إسرائيل والهند وإثيوبيا وصوماليلاند، في تكتل يهدف إلى خلق ممرات تجارية وبحرية جديدة.
في هذا السياق، تبرز صوماليلاند كقطعة "الدومينو" الناقصة التي تسمح للهند بتنويع مساراتها بعيدًا عما تراه نيودلهي "نقطة ضعف هيكلية"، والمتمثلة في سيطرة مصر المنفردة على طريق التجارة العالمي عبر قناة السويس.
ويفصّل التحليل ذاته هذه النقطة الخطيرة، مشيرًا إلى أن الهند، التي تحولت استراتيجيًا نحو البحر، ترى في تركز التحكم بحركة التجارة في يد القاهرة "مخاطرة" يجب تقليصها عبر إيجاد "بدائل لوجستية" ومرونة استراتيجية.
هنا، تلعب صوماليلاند دور "المُنَوِّع" (Diversifier)؛ فموقعها القريب من باب المندب، والمتحرر من النفوذ المصري، يوفر للهند وإسرائيل عقدة بحرية بديلة وآمنة، مما يقلل من "الإيجار الجيوسياسي" الذي تفرضه الجغرافيا المصرية على التجارة المتجهة غربًا.

بربرة.. "دبي" القرن الإفريقي
هذا المخطط لم يكن وليد اللحظة، بل مهدت له "السياسة الاقتصادية" لدولة الإمارات منذ سنوات. فبحسب هوهن، تحول ميناء بربرة بفضل استثمارات "موانئ دبي العالمية" التي بلغت 450 مليون دولار منذ عام 2016، إلى شريان حياة يربط إثيوبيا الحبيسة بالبحر، خالقًا ما يُعرف بـ "ممر بربرة".
ويضيف معهد أورايون بُعدًا دوليًا لهذا الاستثمار، معتبرًا أن استقرار صوماليلاند يجعلها المرشح الأمثل لتكون "بوابة الهند" إلى وسط وشرق إفريقيا، ومركزًا لوجستيًا ضمن "الممر الهندي-الشرق أوسطي-الإفريقي" الناشئ.
هذه البنية التحتية، التي طورتها الإمارات، خلقت "شبكة مصالح كثيفة" سبقت الاعتراف الدبلوماسي، مما سمح لإسرائيل -وفقًا لـ "مودرن ديبلوماسي"- بالدخول في بيئة جاهزة، حيث لا تعمل تل أبيب في فراغ، بل تستثمر في نظام بيئي اقتصادي وأمني أسسته أبوظبي بالفعل، مما يقلل التكلفة الدبلوماسية ويعظم العائد الاستراتيجي.
الضلع الإثيوبي.. كاسر العزلة
يكتمل هذا المثلث بالضلع الإثيوبي الذي يمثل هنا "الوسيط الاستراتيجي". فإثيوبيا، التي تعاني من عقدة الدولة الحبيسة، وجدت في موانئ صوماليلاند مخرجًا وجوديًا يقلل اعتمادها على جيبوتي. ومن منظور إسرائيلي، تعمل إثيوبيا هنا كـ "مُشرّع إقليمي" للعلاقة مع صوماليلاند، حيث يتم تغليف الوجود الإسرائيلي ضمن غطاء التعاون الإقليمي القائم بالفعل بين أديس أبابا وهرجيسا.
لكن هذا التقارب يثير قلقًا عميقًا في القاهرة؛ إذ يشير معهد أورايون إلى أن مصر تنظر لهذا التحالف بعين الريبة، خشية أن يؤدي تعزيز المحور (الإسرائيلي-الإماراتي-الإثيوبي) إلى تقوية أوراق الضغط لدى أديس أبابا في ملف سد النهضة، عبر خلق "محور غير رسمي" يطوق مصر من الجنوب ويقلص نفوذها التاريخي في منابع النيل والبحر الأحمر معًا.
الرد العربي.. بين "قضم الأطراف" والمخاوف الوجودية
لا تنظر العواصم العربية إلى ما يجري في صوماليلاند باعتباره حدثًا معزولًا، فهو حلقة جديدة في مسلسل طويل لضرب "بنية الأمن العربي" المتهالكة أصلًا.

يصف عماد حرب، في تحليله للمركز العربي واشنطن دي سي، الاستراتيجية الإسرائيلية بأنها عملية "قضم لأطراف الأمن العربي" (Nibbling at the Margins). إذ دأبت إسرائيل تاريخيًا على بناء تحالفات مع "الكيانات الموازية" أو الجماعات الانفصالية التي تعادي الحكومات المركزية العربية، بدءًا من جيش لبنان الجنوبي، مرورًا بتمتين العلاقات مع إقليم كردستان العراق، ووصولًا إلى دعم فصائل في جنوب سوريا والسودان.
واليوم، يأتي الاعتراف بصوماليلاند استكمالًا لهذا النهج الذي يهدف إلى تطويق العالم العربي من أطرافه، وخلق "كماشة استراتيجية" تمتد من العراق شرقًا إلى القرن الإفريقي غربًا.
ويحذر "حرب" من أن الاعتراف الإسرائيلي يتجاوز الدبلوماسية ليؤسس لتعاون عسكري واقتصادي يفتت ما تبقى من "هندسة الأمن الجماعي"، خاصةً في الجزيرة العربية، حيث يسعى نتنياهو لامتلاك نفوذ يعيق حرية الحركة في مضيق باب المندب، مما يضر بالأمن القومي لكل من مصر والسعودية واليمن والسودان دفعة واحدة.

القاهرة.. حصار "المياه والنار"
بالنسبة لمصر، يلامس التهديد وترًا وجوديًا مزدوجًا: أمن المياه وأمن الملاحة.
رسميًا، أدانت القاهرة الخطوة بلهجة حاسمة؛ إذ ذكرت الهيئة العامة للاستعلامات أن وزارة الخارجية رفضت "بشكل قاطع" أي إجراءات أحادية تقوض وحدة الصومال، معتبرةً الاعتراف انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا للاستقرار الإقليمي.
وأكدت مصر أنها لن تعترف بـ "الكيانات الموازية"، مشددة على دعمها الكامل لسيادة مقديشو.
لكن خلف هذا الرفض القانوني، تكمن مخاوف جيوسياسية أعمق، يفككها معهد أورايون من منظور "أزمة النيل"، مشيرًا إلى أن القاهرة تقرأ الاعتراف الإسرائيلي والاستثمار الإماراتي في صوماليلاند عبر عدسة صراعها مع إثيوبيا.
وتنبع المخاوف المصرية من احتمالية تشكل "محور غير رسمي" يضم إسرائيل والإمارات وإثيوبيا، يعمل على تقوية نفوذ أديس أبابا الإقليمي ومنحها منافذ بحرية بديلة، مما يضعف أوراق الضغط المصرية في مفاوضات سد النهضة، ويزيد من عزلة القاهرة في محيطها الحيوي الجنوبي.
الرياض.. فوبيا "الكيانات الموازية"
على الجانب الآخر، تجد الرياض نفسها أمام معضلة مركبة. فوفقًا لتقرير يورونيوز، سارع مجلس الوزراء السعودي، برئاسة خادم الحرمين الشريفين، إلى رفض أي محاولات لفرض "كيانات موازية" تهدد وحدة الصومال، في رسالة ضمنية واضحة ضد السابقة التي ترسيها إسرائيل - وربما حلفاؤها - في المنطقة.
ويذهب معهد أورايون إلى أبعد من ذلك في تحليل الموقف السعودي، رابطًا إياه بالتنافس المكتوم مع الإمارات. يشير المعهد إلى أن السعودية، التي تدخلت بحزم في اليمن للحفاظ على الدولة، تنظر بريبة إلى التحركات الأحادية التي تتجاوز الإجماع العربي، وتخشى أن يؤدي ترسيخ نموذج "صوماليلاند" إلى تشجيع سيناريوهات مماثلة في جنوب اليمن، حيث دعمت الإمارات سابقًا "المجلس الانتقالي الجنوبي".
ويرى المعهد أن الخطر يكمن في تحول النزاع بين هرجيسا ومقديشو إلى "جبهة جديدة" لتصفية الحسابات وتمدد التنافس السعودي-الإماراتي، مما يهدد بإشعال المزيد من الفوضى في الفناء الخلفي للمملكة.

الخاصرة الرخوة.. رهان على "سراب" الاستقرار؟
بينما تبني تل أبيب استراتيجيتها على فرضية أن صوماليلاند "واحة استقرار" وسط الفوضى، تكشف التقارير الميدانية عن واقع أكثر هشاشة قد يحول "الأصل الاستراتيجي" إلى عبء أمني.
تفكك "مجموعة الأزمات الدولية" هذه السردية، مشيرةً إلى أن سمعة الإقليم المستقرة تعرضت لاختبار قاسٍ مؤخرًا، حيث كشفت أحداث العنف في منطقة "لاس عانود" عن تصدعات عميقة في بنية الدولة الانفصالية.
وتوضح المجموعة أن انتخابات نوفمبر 2024، رغم انتهائها بسلاسة، سبقتها توترات قبلية ونزاع دموي بين قوات هرجيسا وميليشيات عشيرة "الدولهبنتي" (Dhulbahante) التي ترفض الانفصال وتتمسك بوحدة الصومال، مما أدى لانسحاب قوات صوماليلاند من أجزاء واسعة من الشرق.
ويغوص هوهن في عمق هذه "المعضلة البنيوية"، واصفًا إياها بـ "العيب الخِلقي" لمشروع الانفصال، إذ يرى أن صوماليلاند تسيطر فعليًا على 70% فقط من الأراضي التي تدعي سيادتها عليها، بينما يدين سكان المناطق الشرقية بالولاء لمقديشو أو ولاية "بونت لاند". ويحذر من أن الاعتراف الإسرائيلي بحدود الإقليم الكاملة قد يشعل "سيناريو حرب أهلية" جديدة؛ إذ ستعتبره هرجيسا ضوءًا أخضر لإخضاع المناطق المتمردة بالقوة، مما يجر المنطقة لصراع عشائري واسع النطاق.
الخطر لا يأتي من الداخل فقط؛ إذ ينبه معهد أورايون إلى تهديد "الإرهاب الانتقامي".
يرى المعهد أن التقارب العلني مع إسرائيل قد يحول هرجيسا إلى "هدف مشروع" وجذاب لحركة الشباب المجاهدين وفرع تنظيم الدولة (داعش) في الصومال، اللذين قد يستغلان السخط الشعبي لشن هجمات في العمق، مما يهدد استقرار الإقليم الذي طالما تفاخر بخلوه من الإرهاب، ويضع المصالح الإسرائيلية ذاتها في مرمى النيران.
يبدو أن القرن الإفريقي يدخل مرحلة "ما بعد الدولة الوطنية"، حيث تتراجع قداسة الحدود القانونية لصالح "السيادة الوظيفية" وتحالفات الأمر الواقع، كما يخلص تحليل "مودرن ديبلوماسي"، الذي يشير إلى أن النظام الدولي بدأ يتكيف براجماتيًا مع حقيقة أن الاعتراف لم يعد منحة قانونية، بل نتيجة للقدرة على الحكم والسيطرة، وهو ما نجحت صوماليلاند في تسويقه، وما التقطته إسرائيل بذكاء انتهازي.
لكن هذا التحول يترك المنطقة أمام مستقبل محفوف بالمخاطر. فبينما تحاول واشنطن -وفقًا لـ معهد أورايون- ممارسة لعبة "الغموض الاستراتيجي" عبر تعزيز التعاون الأمني مع صوماليلاند دون الاعتراف بها لتجنب غضب مقديشو، فإن التحركات الإسرائيلية والإماراتية المتسارعة قد تجاوزت بالفعل خطوط الحذر الأمريكية.
ونحن أمام مشهد يتشكل فيه "محور هجين" يجمع دولًا طموحة (إثيوبيا والإمارات) وقوى دولية تبحث عن بدائل (إسرائيل والهند) وكيانات انفصالية تبحث عن شرعية (صوماليلاند)، وهو يضع الدول العربية الكبرى، وتحديدًا مصر والسعودية، أمام تحدٍ استراتيجي لا يمكن مواجهته ببيانات الشجب التقليدية، ويتطلب إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن القومي العربي، قبل أن تتحول "الحديقة الخلفية" بالكامل إلى قاعدة عمليات متقدمة للخصوم والمنافسين.