بقلبين مريضين.. كيف خاضت "الغزاوية" حرب نجاة في غربة اضطرارية؟

خمسة عشر شهرًا، هي الفترة من السابع من أكتوبر 2023 وحتى منتصف يناير 2025، والتي مرت كدهرٍ كامل تبدلت فيه ملامح الأرض وتغيرت معه قسمات الوجوه.

هناك، تحت الركام، لم يعد من بقي في القطاع كما كان. الوجوه التي كانت تضج بالحياة يملؤها الآن الخوفٌ؛ ليس الخوف من موتٍ محتمل، بل من رعب العجز.. كيف لأبٍ أن يأمن على صغاره من أنياب الجوع والفقر؟ وكيف يعيد سقفًا لبيتٍ صار أثرًا بعد عين؟

في قلب هذه المأساة، وبعد مرور أشهر طوال لعبت خلالها كل أدوار البطولة لعائلاتهن، خرجت نساء غزة من رحم المعاناة أكثر صمودًا وصلابة.

عبرن الحدود في رحلات نفي اضطرارية، ليجدن أنفسهن فجأة في مواجهة الحياة وحيدات، يمارسن دور الأم والأب والحارس الأمين لأطفالهن.

"أم سلمى" واحدة من هؤلاء "الأيقونات" اللواتي أعادت الحرب تشكيلهن من جديد.

قبل الطوفان، كانت هذه الشابة التي لم تتجاوز بعد عتبة العشرينيات، ترسم ملامح مستقبلها بهدوء داخل جدران بيتها في خان يونس؛ أمٌ ترعى صغارها، طالبة طموحة تدرس في كلية التربية.

كانت الحياة تشبه أحلام جيلٍ كامل من الشباب يعاند قسوة الحصار بالأمل، حتى اندلعت الحرب فاقتلعت السكينة من جذورها، وحولت البيت الدافئ إلى مجرد ذكرى، والأمان إلى رحلة نزوح مريرة بدأت بافتراش بلاط المدارس.

في تلك الفصول المكتظة التي تحولت إلى مراكز إيواء، كانت أم سلمى تنتظر مولودها الجديد.

أيامٌ قليلة تفصلها عن المخاض، وهي تفترش الأرض في غرفة تفتقر لأدنى مقومات الآدمية.

تصف تلك اللحظات في حديثها مع فكّر تاني فتقول: "طلعنا من بيوتنا، رحنا عالمدرسة.. باعتبار إن الحرب حتكون يومين وتخلص، تركنا كل أشياءنا. المدرسة كانت زي مركز إيواء في الحروب اللي فاتت، بس الحرب هاي ما خلت لا مكان إيواء ولا مكان آمن. ما معنا سلاح، ولا رامات، ولا أي حاجة.. فرشنا حرام تحتينا وحرام فوقينا، بس الحرام لا هيدفّي ولا بتداري عن الأرض".

أم سلمى تحاول وتقاوم الغربة والمرض والوحدة بقلبٍ لم تهزمه الحرب (تصميم سلمى الطوبجي)

في ذلك العراء القاسي، وتحت دوي القصف، وضعت طفلها محمد، لتكتشف وسط نقص الإمكانات أن رضيعها وُلد بتضخم في القلب، ويحتاج لرعاية طبية مستحيلة وسط الأنقاض.

تسرد فصلًا من معاناتها الأولى، فتضيف: "البيبي مريض قلب، محتاج رعاية خاصة، مناعته ضعيفة.. مفيش وسع، مفيش نَفَس، ولا مقومات حياة سليمة. بدأ ياخد علاج من عمر أسبوع، وما كنتش لاقية العلاج، ولا السرنجات، ولا الميّة المعقمة. عندي بنت كمان، لا غاز، ولا كهرباء، الغسيل عاليد، والخبيز نستنى دور الفرن".

كان الرحيل صوب مصر هو طوق النجاة الوحيد لإنقاذ الصغير، لكنه مثقل بالوحدة والاغتراب.

عند معبر رفح، تحطمت آمالها في الرفقة؛ رُفض عبور زوجها، ومُنعت شقيقتها التي كانت تأمل أن تتقاسم معها عبء الرحلة.

وجدت ابنة العشرين عامًا نفسها وحيدةً تمامًا في مواجهة المجهول، تحمل طفلين ووجعًا يمتد خيطه من ركام غزة إلى شوارع القاهرة.

بدأت رحلة التيه بين أروقة المستشفيات؛ ثلاثون يوماً قضتها في مستشفى العريش، تلتها عشرة أشهر كاملة داخل جدران مستشفى القناطر الخيرية.

لم تكن الغرف مجرد أماكن للعلاج، بل تحولت إلى "وطن مؤقت"، لتتلقى هناك صدمة جديدة: طفلتها الكبرى "سلمى" تعاني هي الأخرى من "ارتجاع في الصمام الثلاثي بالقلب".

وبينما استقرت حالة الرضيع محمد مؤقتًا بالأدوية، ظلت الأم تحلم بشفائه التام، فهو يحتاج إلى بروتوكول دوائي وتحاليل جينية معقدة لا تتوفر بسهولة، لتقف وطفلها في طوابير الانتظار الطويلة بوزارة الصحة، حيث الأولوية للجراحات العاجلة.

بعد عام من العيش في صالات الانتظار، انتقلت أم سلمى إلى شقة في مدينة "العبور" وفرتها وزارة التضامن الاجتماعي، لتتشارك السكن والمصير مع عائلة غزاوية أخرى.

رغم وجود السقف الذي يسترهم، يبقى هاجس الرزق شبحًا يطاردها، فالمساعدات المالية الموعودة لم تصل بانتظام، لتبقى العائلة الصغيرة معلقة في فراغ المجهول: "إحنا عايشين على المساعدات.. جت مساعدات عشنا، مجتش مفيش".

وبينما تصارع وحيدةً لتنتزع حق الحياة لطفليها في الغربة، ترفض أم سلمى أن تلتهم الحرب أحلام الطالبة داخلها كما التهمت جدران بيتها في خان يونس؛ وقد حملت مستقبلها أمانةً وتصر على مواصلة دراستها عن بُعد في كلية التربية، في تحدٍ صارخ لظروف القهر.

يسكن صوتها الأسى حين تتذكر أن أهلها هناك، في غزة، ما يزالون يواجهون الموت الغاشم، رغم أحاديث "الهدنة" التي لا تغني من جوع، بينما تحول موقع بيتها إلى "منطقة صفراء" محرمة على أصحابها: "باطلع بصورهم، كلهم ناقصين نص وزنهم.. أبوي كل ما يرن يحكي لي ادعوا لنا، ربنا يفرجها علينا".

تظل أم سلمى تحاول، تقاوم الغربة والمرض والوحدة بقلبٍ لم تهزمه الحرب وإن كانت قد أرهقته، مؤكدةً بصمودها أن النجاة للمرأة الغزاوية ليست مجرد هروب من صاروخ، بل هي معركة صمود يومية في وجه العجز.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة