تشهد مصر حاليًا وتيرة متسارعة في التوسع العمراني؛ فلا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن تدشين مشروع جديد، أو إطلاق مرحلة إضافية داخل مجمع سكني (كومبوند) قائم، أو استحواذ شركة على أراضٍ لتشييد منتجعات فاخرة.
تجمع هذه المشروعات سمة تنافسية موحدة ترتكز على عناصر "اللاند سكيب"، والحدائق الغناء، والأشجار المورقة، والبحيرات الصناعية، مستعينة بفلسفات تصميمية عالمية لمخاطبة احتياجات العميل النفسية والترفيهية.
ووسط حركة البناء التي لا تهدأ تلك، تبرز تساؤلات جوهرية حول الجدوى الاقتصادية الكلية: هل ينطوي استمرار التركيز المكثف على القطاع العقاري كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي على مخاطر محتملة؟ وماذا لو تم توجيه هذه التدفقات المالية الضخمة نحو فرص بديلة في أنشطة اقتصادية إنتاجية أخرى؟
تكشف لغة الأرقام عن حجم هذا التوسع؛ إذ تظهر إحصائية غير رسمية ارتفاع عدد المشاريع العقارية الجاري تنفيذها في مصر من 592 مشروعًا عام 2023 إلى 691 مشروعًا عام 2024، بزيادة نسبتها 17%.
وبالتوازي، قفزت القيمة الإجمالية للاستثمارات في هذا القطاع من 305.8 مليار دولار إلى 517.65 مليار دولار.
كما شهد عام 2024 زيادة في عدد المشاريع الجديدة التي تم إطلاقها بنسبة 22.4%، مسجلة 71 مشروعًا مقارنة بـ 58 مشروعًا في العام السابق.
وفي دلالة على تحولات هيكل السوق، انخفضت حصة الحكومة من إجمالي عدد المشروعات من 14% إلى 11.9% لصالح توسع القطاع الخاص الذي سجل 605 مشاريع مقارنة بـ 512 مشروعًا في 2023، حيث بلغت قيمة مشاريع القطاع الخاص 362 مليون دولار.
وقد ارتفعت مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي الإجمالي لتلامس مستوى 20% بحسب إحصائيات غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية وهيئة الرقابة المالية؛ وهو تطور يعتبره المطورون مؤشرًا إيجابيًا يؤكد إمكانية تحقيق مزيد من النمو حال توفر المزيد من التيسيرات الحكومية.

جدلية "الحوائط الفارغة".. ثروات مجمدة واقتصاد معطل
في مقابل مؤشرات النمو الرقمي للمشروعات، يطرح الخبراء تساؤلات جادة حول الجدوى الحقيقية لهذا التوسع، محذرين مما وصفوه بـ "الأثر المدمر" للإفراط في الاستثمار العقاري.
يتصدر هذا الرأي الخبير الاقتصادي هاني توفيق، الذي يشير إلى خلل واضح في توزيع الاستثمارات، وقد استحوذ الاستثمار العقاري على نسبة تصل إلى 20% من إجمالي الاستثمارات السنوية في مصر، وهو معدل يزيد بمقدار الضعف عن المتوسط العالمي المستقر عند 10% فقط.
ويرى توفيق، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، أن هذا الإفراط لم تنتج عنه قيمة مضافة حقيقية بقدر ما خلق "فجوة هائلة"، مقدرًا أن هذه السياسات نتج عنها وجود نحو 15 مليون وحدة شاغرة بقيمة 30 تريليون جنيه على الأقل، مشيرًا إلى نقطة جوهرية تتعلق بـ "مضاعف دوران النقود"؛ فلو تم ضخ هذه الأموال في شرايين الاقتصاد الإنتاجي والخدمي، لكانت قيمتها الاقتصادية الفعلية تعادل 300 تريليون جنيه بفعل حركة الدوران الاقتصادي، بدلًا من تجميدها في أصول ثابتة.
وتستند هذه التقديرات والتحذيرات إلى قاعدة بيانات رسمية سابقة، حيث كشف تعداد السكان في مصر لعام 2017 عن وجود 12.5 مليون وحدة سكنية مغلقة، ما كان يمثل حينها نحو 29% من إجمالي عدد الوحدات السكنية في مصر.
وقد فصّل تعداد السكان لمصر عام 2017 هذه الأرقام بدقة كالتالي:
9 ملايين وحدة سكنية خالية تمامًا: منها 4 ملايين و662 ألف وحدة "مكتملة التشطيب" وجاهزة للسكن لكنها فارغة، والباقي وحدات "دون تشطيب".
2 مليون و887 ألف وحدة سكنية مغلقة: والسبب في ذلك وجود مسكن آخر للأسرة.
مليون و159 ألف وحدة مغلقة: بسبب سفر الأسرة للإقامة خارج مصر.
ويؤكد توفيق أن هذه الأرقام التي أشار إليها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد تغيرت وتفاقمت بشكل كبير، مع الأخذ في الاعتبار "فورة البناء" الهائلة التي شهدتها مصر خلال الأعوام الثمانية الماضية.
ويضرب مثالًا واقعيًا بالمشهد المحيط بالطريق الدائري، الذي بات محاطًا بملايين الوحدات الخالية التي وصفها بأنها تقف "كالأطلال".
وفي الاتجاه ذاته، يدعم الدكتور حسين الصادي، أستاذ ورئيس قسم التمويل والاستثمار بكلية التجارة جامعة القاهرة والمستشار السابق لرئيس مجلس الوزراء، هذا الطرح النقدي.
ويوضح الصادي، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن الإشكالية الجوهرية في القطاع العقاري المصري تكمن في نسب الإشغال المتدنية التي لا تتعدى حاجز الـ 25% إلى 30%.
وبحسب تحليله، فإن بقاء باقي الوحدات مغلقة يعني عمليًا "تعطيل 70% من اقتصاد الدولة" وحبسه داخل "حوائط غير مسكونة"، محذرًا منذ سنوات من أن الاستمرار في التطوير العقاري المفرط بلا ضوابط أو خطط مدروسة سيؤدي حتمًا إلى تعطيل جزئي للدورات الاقتصادية، وهو ما يفسر حالة الانكماش التي تعاني منها القطاعات الاقتصادية الأخرى حاليًا.

تكلفة الفرصة البديلة.. الصناعة والتشغيل بالميزان
وبالنظر إلى الأثر الاقتصادي الأوسع، ينقل الخبراء النقاش من مجرد "شغور الوحدات" إلى مفهوم اقتصادي أخطر وهو "تكلفة الفرصة البديلة" للأموال التي تم ضخها.
في هذا السياق، يعود الخبير الاقتصادي هاني توفيق ليؤكد أنه "لو كنا تمسكنا بالمتوسط العالمي للاستثمار العقاري (10%)، وتم توجيه الفارق المالي - الذي يعادل تريليون جنيه في عام 2024 فقط - ليتم ضخه في شرايين الاقتصاد الحقيقي، لكان وضع اقتصادنا أفضل كثيرًا حاليًا".
ولدعم هذه الرؤية حسابيًا، يستند التحليل إلى التقديرات العالمية للعائد الاستثماري، التي تشير إلى أن كل دولار يتم إنفاقه على قطاع الصناعة قد يدر في المستقبل عائدًا يتراوح ما بين 8 إلى 12 دولارًا.
وبتطبيق هذه القاعدة على الحالة المصرية، فإن التريليون جنيه (ما يعادل نحو 21.2 مليار دولار) التي تم ضخها كـ "زيادة فائضة" في العقار، كانت مؤهلة لدر عائد على الاقتصاد يقدر بـ 254.4 مليار دولار في حال توجيهها للصناعة بدلًا من العقار.
ويتفق الدكتور حسين الصادي مع هذا التوجه، مضيفًا بعدًا آخر يتعلق بـ "النزيف القطاعي"، حيث يرى أن القطاع العقاري بات يستنزف موارد باقي القطاعات الحيوية الأخرى، مثل الصناعة والزراعة والخدمات الصحية والتعليمية.
ويشير إلى خطورة ترسيخ ثقافة مجتمعية لدى المواطن المصري بأن هذا القطاع هو "الملاذ الآمن" وأكثر القطاعات حفاظًا على الثروة، مما يعمق من الأزمة.
انعكس هذا الاستئثار المزدوج لقطاعي العقارات والتشييد، اللذين استحوذا على نسبة 40% من النمو، بشكل سلبي ومباشر على الكفاءة الإنتاجية للدولة؛ إذ يرصد الخبراء تراجع معدل استخدام الطاقة الإنتاجية في مصر لنحو 70% في المتوسط، وهو معدل أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لتحفيز النمو والاستثمار والبالغ 90%.
تظهر مؤشرات الأداء الاقتصادي هذا التباطؤ بوضوح؛ فقد سجل مؤشر "ستاندرد آند بورز جلوبال لمديري المشتريات" في مصر 50.2 نقطة في ديسمبر، ورغم أنه يأتي بعد تسجيل أعلى مستوى له في 61 شهرًا عند 51.1 نقطة في نوفمبر، إلا أن دلالة الرقم تكمن في أن الاقتصاد ظل دون حاجز الـ 50 نقطة (الفاصل بين النمو والانكماش) لسنوات طويلة منذ مارس 2024، مما يعني أن الاقتصاد ظل منكمشًا لفترات ممتدة.
وحتى فيما يتعلق بحجة "التشغيل" التي يتكئ عليها المدافعون عن القطاع، باعتباره يوفر 14% من القوى العاملة، يرى الخبراء أنها حجة مردود عليها لعدة أسباب:
طبيعة الوظائف: فرص العمل التي يخلقها قطاع البناء والتشييد "مؤقتة" بطبيعتها وتنتهي بنهاية مراحل البناء والتسليم للعميل.
مستوى المهارة والأجر: تتطلب هذه الوظائف مهارات أقل مقارنة بتلك التي يوفرها قطاع الصادرات التكنولوجية أو الصناعية، كما تقدم غالباً أجوراً متدنية وظروف عمل سيئة.
الاقتصاد غير الرسمي: مع توسع هذا القطاع، تزداد معدلات التوظيف غير الرسمي، ما يعزز عدم الاستقرار المالي؛ في حين أن النمو المستدام يتطلب سياسات تعزز جودة الوظائف من خلال تحسين استقرار العمل وتطوير مهارات الأيدي العاملة.
"بنوك الظل" والخلل الهيكلي.. الهروب للقمة
في زاوية تحليلية أخرى لا تقل خطورة، يحذر الدكتور محمد راشد، عضو غرفة صناعة التطوير العقاري بالاتحاد الأفروآسيوي ورئيس مجلس إدارة شركة راشد للاستشارات وإدارة المشروعات، من تحولات جوهرية في بنية السوق، مشيرًا إلى ظاهرة تحوّل بعض الشركات لما يشبه "بنوك الظل".
يتم ذلك من خلال اعتماد هذه الشركات على آليات تمويل غير خاضعة لرقابة كافية؛ حيث تعمل حاليًا عبر استراتيجية جذب عملاء جدد بمقدمات حجز بسيطة وأنظمة تقسيط طويلة الأجل وصلت مددها إلى 15 عامًا.
هذا النموذج يعني عمليًا قيام الشركات بدور "الممول" و"المشيّد" في آن واحد، وهو ما قد يشكل خطرًا داهمًا على مستقبل الصناعة إذا لم يتم تنظيمه ومراقبته بشكل صارم.
ويرصد راشد، عبر تحليل خريطة الطلب والمنافسة لـ فَكّر تاني، أن القطاع يتحرك في اتجاه "غير متوازن" ويعاني من اختلال هيكلي واضح؛ إذ تتجه معظم الشركات نحو تطوير المنتجات الفاخرة التي تتجاوز قيمتها 8 ملايين جنيه.
المفارقة تكمن في أن هذه الشريحة لا تمثل سوى 1% فقط من حجم الطلب الفعلي في السوق، ومع ذلك تشهد أعلى مستويات التكدس والمنافسة بين المطورين.
وقد أدى هذا التدافع إلى ممارسات "حرق أسعار" وتحمل نفقات تسويقية مرتفعة للغاية في محاولة لخطف العميل من بين مئات المنافسين، بينما تظل الجدوى الاقتصادية الفعلية لتلك المشروعات منخفضة مقارنة بحجم المخاطر المحيطة بها.
وفي المقابل، يتم إهمال الشرائح الأوسع التي تمثل العمود الفقري للسوق والعامل الأكثر تأثيرًا في استدامته.
وعلى صعيد القوة الشرائية، تلعب شريحة المصريين العاملين بالخارج، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ (Diaspora Segment)، كما يقول راشد، دورًا محوريًا في دعم السوق العقاري حاليًا؛ نظرًا لتمتعهم بدخل بالعملة الصعبة وقدرة على شراء منتجات أعلى من متوسط السوق، حيث يعتبرون العقار أداة لحفظ القيمة في ظل تقلبات سعر الصرف.

وتستهدف هذه الشريحة غالبًا منتجات "فوق المتوسط" (Upper-Middle) والفاخرة (Premium)، ما يفسر سعي المطورين الحثيث للوصول إليها لتعويض ضعف القوة الشرائية المحلية. إلا أن راشد يؤكد أن هذا الاتجاه - رغم أهميته - لا يجب أن يكون بديلاً عن تطوير منتجات حقيقية تلائم كافة فئات المجتمع.
ورغم "فورة البناء" الظاهرة، لم ينعكس ذلك إيجابيًا على مستويات التمليك في مصر؛ فالطلب على الإيجار يتزايد مقابل التملك بسبب ارتفاع التكاليف وعدم مواكبة الأجور لمعدلات التضخم، إلى جانب ما وصفه النص بـ "انعزال رجال الأعمال عن واقع السوق".
وترفض الكثير من الشركات الاعتراف بوجود حالة "ركود" في الطلب، مفضلة استخدام مصطلح "تباطؤ"، وهو مؤشر يراه المراقبون دليلًا إضافيًا على ضرورة عدم الاعتماد الكلي على القطاع العقاري، لأن أي تقلبات به تحمل ضررًا مباشرًا للنمو الاقتصادي.
دفاع المطورين.. "قاطرة النمو" ومطالب الإنعاش
في الضفة المقابلة لهذا الطرح النقدي، يتمسك المطورون برؤية مغايرة تمامًا، مؤكدين أن القطاع العقاري لا يزال "قاطرة التنمية" ومحركًا رئيسيًا لنحو 100 صناعة أخرى مرتبطة به. وهم يرون أنه حال إضافة قطاع التشييد ومواد البناء إلى المعادلة، ترتفع مساهمة القطاعين معًا لتصل إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعلهما ركيزة لا غنى عنها للاقتصاد.
ويبرر المطورون استمرار وتيرة البناء في مصر بأنها "ضرورة حتمية" وليست ترفًا، مستندين إلى حجم طلب سنوي يقترب من مليون وحدة سكنية.
ويعززون حجتهم بمعدلات الزواج التي تصل إلى نحو 600 ألف حالة سنويًا (بخلاف حالات الطلاق التي تخلق طلبًا جديدًا)، بالإضافة إلى وجود عجز متراكم في الوحدات يصل لـ 4 ملايين وحدة، فضلًا عن احتياج ما نسبته 15% من الثروة العقارية الحالية إلى عمليات إحلال وتجديد بسبب غياب الصيانة وتادم المباني.
ومن هذا المنطلق، لا يرى المطورون حلًا في تحجيم القطاع، بل يطالبون الحكومة بمزيد من الدعم لضمان استمراره.
وقد تبلورت هذه المطالب قبل أيام خلال لقاء جمع مجموعة من المطورين بمسؤولي وزارة المالية بمقر الوزارة؛ حيث طالبوا بتقديم حزم مالية وضريبية جديدة لتيسير عمل المطورين ودعم السوق، بالإضافة إلى تدشين مبادرة خاصة لشركات المقاولات تتضمن قروضًا مدعومة الفائدة لتمكينها من استكمال المشروعات وتسريع وتيرة التنفيذ ونسب الإنجاز.
ولم تتوقف المطالب عند الدعم المالي، بل شملت الجوانب الإجرائية؛ إذ يطالب المطورون بإعادة النظر في "الوزن النسبي" لكل شركة عند احتساب المدد الزمنية لتنفيذ مشروعات الشراكة، بحيث يتم ربطها بمساحة الأراضي التي يطورونها وحجم ما تم إنجازه من البنية التحتية، فضلًا عن المطالبة بتغيير فترات استخراج التراخيص وتيسير إجراءاتها.
ويرى المطورون أن الاستجابة لهذه المطالب ستمكن القطاع من تحقيق المزيد من النمو والمساهمة الفعالة في الناتج المحلي، في مواجهة المخاوف التي يطرحها الاقتصاديون.