حين حُبست "سوزي" في "الشارع اللي وراه" وفلت "الكبير أوي"

في أبريل 2020، ومع بدء الإجراءات الاستثنائية لمواجهة جائحة كوفيد-19، أطلقت النيابة العامة موجة ملاحقات "أخلاقية" سرعان ما تحولت إلى نهج مستمر في عملها.. جاءت هذه القضايا، المصحوبة بحملات تشهير ووصم إعلامي، كجزء من مشروع أوسع للضبط الاجتماعي، بدأ باستهداف صانعات محتوى على "تيك توك".. وعلى مدار أكثر من خمس سنوات، اتضح أن هذا النمط ليس استثنائيًا، بل يعكس توجهًا سياسيًا واجتماعيًا للسيطرة على الفضاء الرقمي باستخدام القانون والعقاب.

دفع هذا الواقع "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" لإعداد تقرير يحلل استخدام المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (175 لسنة 2018)، الخاصة بـ"القيم الأسرية".

يتناول التقرير الممارسات القانونية والخطاب الرسمي المصاحب، ويقدم تحليلًا اجتماعيًا قانونيًا لخلفيات الضحايا ودور الخطاب في ترسيخ انحيازات طبقية وجندرية.. ويعتمد على رصد كمي وكيفي لملفات القضايا، مستندًا إلى الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان الملزمة لمصر.

هندسة "الضبط الاجتماعي": استهداف الفقراء والنساء

رصدت المبادرة خلال خمس سنوات القبض على ما لا يقل عن 327 شخصًا في 252 قضية بتهمة "التعدي على قيم الأسرة المصرية"، مع تقارب لافت بين عدد المتهمين من الرجال والنساء.. ورغم تمركز القضايا في بدايتها بالقاهرة، سرعان ما انتشرت الممارسة لتشمل 17 محافظة، بما يعكس تطبيعًا مؤسسيًا لهذا النمط من الملاحقات.

ولا يمكن فهم هذا الاستهداف بمعزل عن السمات المشتركة بين الضحايا، أبرزها استخدام الإنترنت كمساحة للتعبير أو العمل.. كما تكشف القضايا عن انحياز طبقي واضح؛ إذ ينتمي معظم المتهمين لشرائح فقيرة أو منخفضة الدخل من الطبقة الوسطى.. ويتقاطع ذلك مع استهداف ممارسات تُعد غير مطابقة للأدوار الجندرية التي تفرضها الدولة، إلى جانب إظهار أنماط حياة وتعبير تُقصى عادة من الإعلام والفنون الرسمية.

من يحق له التربح؟

تصدر هذه الدراسة بينما ما تزال أحدث موجات الملاحقات القانونية التي ترصدها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مستمرة، إذ ألقت وزارة الداخلية منذ أول أغسطس 2025 وحتى اليوم القبض على ما لا يقل عن 167 شخصًا في 134 قضية.. ورغم تنوع الوقائع، جمعت بينها جميعًا تهمة "التعدي على قيم الأسرة المصرية"، مع تصاعد واضح في استهداف صانعات المحتوى تحديدًا، بواقع 107 امرأة مقابل 60 رجلًا.. ويتقاطع المتهمون في خلفياتهم الطبقية، باعتبارهم من الفئات الأفقر أو من الطبقات الوسطى الدنيا.. ويعكس هذا الاتساع الجغرافي والاجتماعي تحول الملاحقة إلى ممارسة ممنهجة.

ويبدو هذا التصعيد كرسالة قسرية لرسم حدود أكثر صرامة للمحتوى المقبول على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديد من يحق له التكسب عبرها ومن يُقصى عنها؛ فقد شملت الملاحقات صانعات محتوى لا يحاكين نموذج الأنوثة المقبول طبقيًا في الصوت والحركة وطريقة الكلام، في محاولة لفرض صورة نمطية لكيف يجب أن تتحدث المرأة علنًا في مصر.

كما طالت الحملة صانع محتوى كوميدي يقدم برنامجًا حواريًا بلغة يومية صريحة، رغم ممارسته رقابة ذاتية ساخرة عبر تغطية بعض الألفاظ بـ"صوت البطة"، وقد أثارت هذه الواقعة اعتراض الكثير منهم المخرج عمرو سلامة، الذي اعتبر القبض عليه غير مبرر عبر منشور على فيسبوك، في وقت شملت فيه الملاحقات نساء بسبب ملابس لا تختلف عما ترتديه فئات أكثر ثراءً دون مساءلة قانونية.

تفاعل واسع على صفحة الوزارة

صاحب 121 حالة قبض من هذه القضايا نشر الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية أخبارًا ومقاطع مصورة لعمليات الضبط، ما أسهم في توسيع دائرة التفاعل الجماهيري حولها. وقد عزز ذلك الحضور الرقمي للوزارة، خاصةً بعد إعلان الهيئة العامة للاستعلامات في نوفمبر 2025 احتلال صفحة الداخلية على "فيسبوك" المركز الثاني عالميًا بين الحسابات الحكومية الأكثر تفاعلًا.

وتعرض المنشورات عادةً صور المقبوض عليهم، أحيانًا بملابس منزلية، إلى جانب صور حساباتهم على "تيك توك". كما تتضمن صور "الأحراز" المضبوطة، من أموال شخصية ومشغولات ذهبية وهواتف وأدوات تصوير، بل وحتى باروكات شعر.

وفي بعض الحالات، تنشر الصفحة ما يفيد باعتراف المتهمين بجرائمهم، في تجاوز لاختصاصات الضبط ومساس مباشر بسلامة التحقيقات.

وتعمل هذه اللغة الدعائية على صناعة ذعر مجتمعي مقصود، وتقديم المتهمين كمدانين قبل أي تحقيق أو محاكمة. كما تشجع على معاداة صناع المحتوى، وتنتهك خصوصيتهم عبر إتاحة بيانات تسهل التعرف عليهم رغم إخفاء ملامح الوجوه جزئيًا.

وبالتوازي، تُعيد وسائل الإعلام تداول الصور والأسماء وقيم الأموال المضبوطة، بما يغذي خطاب الوصم ويكرس الفزع الطبقي المصاحب لهذه الحملات.

دراسة حالة: سوزي الأردنية

قصة صانعة المحتوى سوزي الأردنية تجسد بوضوح دوافع الملاحقة القانونية وخلق الذعر المصطنع، فضلًا عن استغلال بعض المحامين للحملات الإعلامية لكسب شهرة سريعة عبر منصات التواصل.

بدأت سوزي نشاطها على "تيك توك" عام 2021 كمحتوى خفيف عن حياتها اليومية، ومع تزايد عدد متابعيها في 2023 ظهر أول البلاغات ضدها من المحامي أيمن محفوظ بتهمة هدم القيم الأسرية، تلته بلاغات إضافية في فبراير 2024 وأخرى من المحامي أشرف فرحات بسبب خلاف عائلي، رغم دعم والدها العلني لها وغياب أي شكوى رسمية منه.

في أحد المقاطع المصورة والتي تسجل الخلاف المشار إليه في التحقيق بينها وبين والدها، ذكرت فيه جملة "في الشارع اللي وراه"، وهو المقطع الذي انتشر بقوة وتم استخدامه للتدليل على تعديها على "قيم الأسرة"، رغم أنه بالتوازي تم استخدام هذا التعبير في المسلسل الكوميدي الشهير "الكبير أوي" الذي عرض في شهر رمضان من نفس العام، دون أي مشاكل أو تبعات قانونية على صناع المسلسل، الذين لم يواجهوا بلاغات من محامين بطبيعة الحال.

وفي أكتوبر 2024 صدر أول حكم قضائي ضدها بالحبس سنتين وغرامة 300 ألف جنيه بتهمة "الاعتداء على قيم الأسرة المصرية"، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الجنح الاقتصادية حكم الحبس في يناير 2025 وتكتفي بالغرامة.

وخلال ثلاث سنوات فقط، خضعت سوزي للتحقيق في سبع قضايا مختلفة، معظمها قائم على بلاغات من محامين مثل أشرف فرحات وأيمن محفوظ، وتحولت من طالبة ثانوية تقدم محتوى يومي عادي إلى متهمة نموذجية تتعرض للتشهير والتنكيل. وقد أصبحت رمزًا لقيم معينة لا يرضاها قطاع من المجتمع، رغم أن نشاطها الرقمي لا يشكل أي جريمة فعلية.

وشملت قائمة اتهاماتها قضايا التعدي على قيم الأسرة وازدراء الأديان، وأحيانًا اتهامات واردة ضمن قانون مكافحة الإرهاب، رغم أنها لم تتجاوز التاسعة عشر من عمرها. وفي 21 أكتوبر الجاري، نشرت النيابة العامة فيديو لمقتطفات من مرافعتها في القضية رقم 19 لسنة 2025، مؤكدةً أن الاتهامات الموجهة لسوزي تتعلق بـ«التعدي على قيم الأسرة المصرية» وإنشاء واستخدام حساب بهدف ارتكاب جريمة وفق المادتين 25 و27 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، دون أي مواد قانونية أخرى.

واستُثمر نشر المرافعة لـ"إضفاء حالة ذعر مجتمعي وتصوير العمل الرقمي" كمصدر خطر أخلاقي، كما تقول المبادرة، مع غياب أي حجج قانونية أو إثبات للأفعال محل المحاكمة.

وقدمت النيابة نفسها كـ"الأمينة على الدعوى والمدافعة عن قيم المجتمع"، موسعة حدود سلطتها من تطبيق القانون إلى حراسة الأخلاق، حيث سيطر الخطاب الوعظي على المرافعة وحوّلها من نقاش قانوني إلى استعراض أخلاقي هدفه الردع والتأديب، وربط النشاط الرقمي بالكسب الأخلاقي والسقوط الاجتماعي، خصوصًا حين تقوم به فتاة.

الترقي الطبقي والتكسب عبر الإنترنت

تتزامن الملاحقات الأخلاقية مع مرحلة طويلة من تقشف الدولة في الإنفاق على الخدمات الأساسية وتراجع دورها في الحماية الاجتماعية، لتترك الأسرة تتحمل وحدها عبء حفظ النظام القيمي والاجتماعي، باعتبار أن تماسكها دليل على استقرار الدولة.

وتصبح مفاهيم مثل "قيم الأسرة" أداة لتبرير الرقابة على سلوك النساء والفئات الأشد فقرًا، وإعادة ترسيخ تراتبية طبقية وجندرية تضمن استقرار البنى الاجتماعية غير المتساوية.

وفي هذا السياق، تتحول المراقبة الأخلاقية إلى الوجه الآخر لسياسات التقشف، مع التركيز على التحكم في السلوك الفردي بدلًا من معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية. ويُستخدم هذا الخطاب لتعزيز سيطرة الدولة على المجتمع، خصوصًا في الفضاء الرقمي حيث تظهر الملاحقات ضد صانعي المحتوى.

في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية ممتدة، تكاد تنقطع السبل التقليدية للترقي الطبقي، مثل التعليم الجامعي والعمل والسفر، بينما تواجه فئات واسعة من الشباب والنساء بطالة طويلة أو وظائف غير مجزية.

وقد بلغ معدل مشاركة النساء في قوة العمل منذ 2020 أدنى مستوياته منذ أوائل التسعينيات، مع فجوة كبيرة في الأجور بين الجنسين. ويأتي ترتيب مصر في مؤشر الفجوة بين الجنسين للمنتدى الاقتصادي العالمي 2025 في المرتبة 145 من 148 دولة.

وتعكس هذه المؤشرات خلفية الواقع الاقتصادي الذي يدفع النساء خاصةً من الفئة العمرية الأصغر إلى البحث عن دخل عبر منصات التواصل الاجتماعي. وتظهر التحقيقات التي رصدتها المبادرة محدودية معرفة النيابة باقتصاد الإنترنت، مما يزيد من توجس المحققين ويؤثر على سير التحقيقات والمسار القضائي النهائي، بعيدًا عن تقييم مشروعية مصادر الدخل.

غسل الأموال وصورتنا أمام العالم

في خضم هذا الهلع، جاءت استخدامات اتهامات غسل الأموال في البيانات الرسمية غير دقيقة، إذ افترضت أن أي محتوى منشور يمثل اعتداء على "قيم الأسرة"، وأن أي دخل ناتج عنه، مثل شراء عقار أو نشاط اقتصادي، يمكن اعتباره غسلًا للأموال.

يعرف قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته أن الجريمة تتحقق فقط إذا علم المتهم أن الأموال متحصلة من جريمة أصلية، ثم قام عمدًا بتحويلها أو استخدامها أو التلاعب بها لإخفاء مصدرها أو طبيعتها، مع فرض مصادرة الأموال أو غرامة تعادل قيمتها.

لكن سلطات التحقيق استخدمت هذا التوسع القانوني لاعتبار أفعال عادية اعتداء على القيم، وربط أي تصرف في الأموال الناتجة عنها بغسل الأموال، مما أدى إلى تجريم أوسع بشكل غير قانوني.

على مدار السنوات الأخيرة، يظهر توتر شديد حول صورة مصر أمام العالم، إذ يُنظر إلى محتوى الإنترنت، خصوصًا على تيك توك، الذي يعكس حياة المصريين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدنيا، على أنه غير مناسب للنشر دوليًا.

وقد نجح خطاب النيابة في خلق بيئة تشجع معاداة صانعي المحتوى، خاصةً النساء، وأتاح لعدد متزايد من المحامين تقديم بلاغات ضد أي محتوى لا يعجبهم، ونشر صور المتهمين والتشهير بهم للحصول على متابعين وجذب اهتمام الإعلام.

واستُخدمت شعارات مثل "خليها تنضف" و"تطهير المجتمع" لتعزيز الملاحقات والقبض والمقاضاة المتتابعة حتى اليوم، ما يؤكد استغلال هذا السياق لفرض رقابة أخلاقية واسعة على المجتمع الرقمي.

شراكة مع "المنصة" وملاحقة لـ"المستخدمين"

في 16 سبتمبر 2025، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا مع رؤساء تحرير الصحف، وطرح رئيس تحرير موقع "بصراحة" سؤالًا حول تطبيق تيك توك وخطره على الأمن المجتمعي وتأثيره السلبي على القيم، مشيدًا بدور وزارة الداخلية في الملاحقات القائمة على مؤثريه، بما في ذلك اتهامات غسيل الأموال.

بالمقابل، عارض رئيس تحرير آخر فكرة الحظر، مؤكدًا أن تيك توك يمكن أن يولد أرباحًا ضخمة للدولة، مستشهدًا بتجربة ترامب في إدارة التطبيق عبر رجل أعمال أمريكي.

وتعكس هذه المداخلة التوتر المستمر بين الدولة والوسائط الرقمية، إذ يستمر تصوير الإنترنت وخاصةً تيك توك كمصدر للشر، بينما يُدرك البعض طبيعة اقتصاديات الإنترنت وارتفاع قيمته الاقتصادية والإعلانية.. وذكر رئيس الوزراء أن بعض الدول طبقت حظرًا جزئيًا أو كليًا على تيك توك لأسباب أخلاقية، بينما قدمت الشركة ضمانات للالتزام بسياسات محتوى تتوافق مع رغبات الحكومات في دول مثل إندونيسيا ونيبال وباكستان.

في الوقت نفسه، يسمح لمثل هذه التطبيقات بالعمل رسميًا في مصر مع استمرار ملاحقة المستخدمين تحت شعار حماية "قيم الأسرة المصرية".

وأعلنت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، شراكة استراتيجية مع تيك توك لافتتاح المتحف المصري الكبير، مستندةً إلى قوتها كمنصة مؤثرة عالميًا.

وتكشف مراجعة سجل مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة عن انتقاد اللجان الأممية لاستخدام المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، معتبرةً إياها اعتداء على حرية التعبير ومساواة النساء، ما يعكس توسيع الدولة لنطاق تجريم السلوك الرقمي والتضييق الاجتماعي للحفاظ على الهرمية الطبقية والجندرية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة