يقول المثل العربي: مَن يَعِش رجبًا يرى عَجبًا، فما دام العمر ممتدًا سيشهد المرء من العجائب والغرائب، ما يستجلب حيرته ويستولد دهشته، حتى يُدفَع دفعًا إلى أن يلطم خديه، وربما أن "يرقع بالصوت الحيَّاني"، إن لم يُطلِق صوتًا سكندريًا حلقيًا.
وها نحن في الشهر الحرام، فإذا بعجائب "الجمهورية الجديدة" تتراكم أكوامًا فوق بعضها بعضًا، وهي بقدر ما تستدر الضحك تستدر أيضًا البكاء، فمضحكات مصر هي دائمًا مُبْكِياتها التي لا يمر يوم إلا والعباد إزاءها "حائرون يفكرون يتساءلون في جنون."
أحدث العجائب أن النائبة البرلمانية؛ نيفين إسكندر صرَّحت لدى استضافتها ببرنامج عمرو أديب؛ بأن السياسة "إما أن تحكم وإما أن تُسجنْ".

كذلك عرَّفت السياسة تعريفًا سيمحق ما ورد في كتابات الفلاسفة والمفكرين، بدءًا من أرسطو الذي يذهب إلى أن السياسة هي "فن إدارة الشؤون العامة بما يحقق الخير العام"، وصولًا إلى المفكر المعاصر جون درايزيك؛ صاحب مفهوم الديمقراطية التداولية، الذي يقرر أنها "عملية تفاوضية بين مختلفي المصالح والأفكار والقيم والاتجاهات لاتخاذ قرارات تمس الجميع."
لا أحد ادَّعى أن السياسة هي الحكم أو السجن، ولا سبب منطقي أو سند علمي للربط بين ممارسة السياسة والسجن، غير أن النائبة الأريبة الرهيبة والمفوَّهة الخطيبة، وإن كانت الأخيرة في زمانها، أتت بما لم يستطعه الأوائل، كما يقول المعري.
أيًا ما يكن؛ لا لوم عليها ولا تثريب، فالظاهر أنها استقت مفاهيمها عن هذا العلم الإنساني النخبوي من الواقع المصري الراهن، إذ يُزج بسياسيين في غياهب السجون، لكونهم لم يدركوا ما أدركته من تلك الثنائية الحتمية.
شكرًا سيادة النائبة الموقرة، على هذه الصراحة والجسارة.
لا حول ولا قوة إلا بالله على النباهة، سبقت الجميع بسنوات ضوئية، لديها من الوعي ما يرشحها لأن تغدو رقمًا صعبًا في البرلمان، بخاصةٍ أنها أقرت أنها تنتمي إلى المعارضة، ونحن بالفعل في حاجة إلى أصوات معارضة، لكن الخوف؛ كل الخوف أن يُطبق تعريفها للسياسة عليها!
ومن المعلوم بالضرورة أن النائبة الموقرة على جميع الأحوال، تمثِّل صوتًا شابًا وطموحًا في البرلمان، وما من شك في أن تمكين الشباب سياسيًا هو الضمانة الوحيدة لما ننشده من مستقبل مشرق لمصر التي لن تبني قواعد المجد وحدها، وإنَّما بسواعد المخلصين الأذكياء من أبنائها.
لكن دخول البرلمان لا ينبغي أن يُتاح لكل من "هبَّ ودبَّ"، إذ لا بد بجانب التأكد من إخلاص النائب، أن نتأكد من كفائته العقلية، وقد يتطلب ذلك من أصحاب العقد والحل أن يسنوا قانونًا بإخضاع جميع المرشحين لاختبارات ذكاء، فالبلد أمانة والظرف الراهن لا يتحمل أدنى هفوة.
من المقولات اللطيفة للراحل جلال عامر، أن بعض الناس لا يعرفون عن المخ إلا أنه "نوع من الساندويتشات اللذيذة"، وليس سرًا بالقطع أن المخ عضو من أعضاء الجسم يعتريه كسائر الأعضاء المرض وتصيبه العلل، والأخطر من ذلك أن بعض المخابيل يبدون في غاية العبقرية، ذلك أن هنالك شعرة بين الجنون والعبقرية، وهي شعرة "ساعة تروح وساعة تيجي".
في كل مكان
وليس سرًا من قبل ومن بعد، أن المرضى عقليًا خارج المستشفيات أكثر منهم خارجها، بل إن عددًا كبيرًا من هؤلاء المساكين يفترشون الأرصفة ويلتحفون السماء في هذا الزمهرير مع الكلاب الضالة؛ تلك المخلوقات البريئة التي سمعنا أصواتًا مجردةً من الرحمة، تدعو إلى تصديرها إلى الصين، وهذه ليست من العجائب بل من الفظائع الأخلاقية بالغة القبح.
ولمَّا كان الشيء بالشيء يُذكر، فعلى غرار فرار مرضى من مصحة لعلاج الإدمان بمحافظة الجيزة مؤخرًا، في عجيبة من العجائب أيضًا، فقد حدث عام 1960 أن وجد نحو 360 مريضًا ثغرةً أمنيةً بمستشفى العباسية للأمراض العقلية، فاستغفلوا الحُراس فأمعنوا هربا.
إزاء الكارثة وقع القائمون على المستشفى في حيص بيص، وتوجسوا خيفةً من حدوث تفتيش يفضي إلى سين وجيم وما بعدهما.
عندئذٍ لم يكن سيتاح إيجاد مَنْ "يشيل الجريمة" على غرار سائقي القطارات المسؤولين دائمًا أبدًا عن الحوادث، إلى حد أنه ليس ثمة مبالغة في أن نقول، لو أن شاةً بالعراق عثرت لكان المتهم سائق قطار مصريًا.
إنِّه "سلو بلدنا"؛ الكبار منزهون لا يخطئون، ثم إنك إذا تهورت وتحامقت و"اتحمقت" فطالبت بتحمل وزير المواصلات مثلًا "أكرر مثلًا"، تبعات كارثة مرورية، فقد تَمثُل إثر ذلك أمام النيابة، والأرجح أنك لن تخرج من غرفة التحقيق إلى بيتك إلا إذا بدعاء الوالدين، وبعد سداد كفالة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، كما حدث مع الدكتور عمار علي حسن مؤخرًا.
على كل حالٍ؛ فإن إدارة المستشفى إزاء الكارثة، فكَّرت ودبَّرت وقلَّبت الأمر ذات اليمين وذات اليسار، إلى أنْ تقدَّم طبيب نابه بمقترح للتعاطي مع الأزمة، وكان ذاك المقترح تجسيدًا لـ"الفهلوة المصرية" في أظرف تجلياتها، وهي فهلوة لن تجد لها مثيلًا ولو دُخت سبع دوخاتٍ من مغرب الأرض إلى مشرقها.
أحضر الطبيب صافرة وطلب من موظفي المستشفى أن يشكلوا طابورًا، يكون هو على رأسه، ليتجولوا بمحيط المستشفى الجغرافي، ثم جعل يُصفِّر وهم وراءه يصفقون للإعلان عن تحرك ذاك القطار البشري إلى وجهةٍ ما.
وكذلك مضى الطبيب والذين معه يجوبون الشوارع والطرقات، فيما كان الهاربون من المستشفى يلتحقون بهم مصطفين واحدًا تلو الآخر، حتى عادوا أدراجهم وكانت المفاجأة الهزلية؛ أو قُل من عجائب ذاك الزمان، أن العائدين بلغوا 630 بزيادة 260 مريضًا "ركبوا قطار الجنون السريع"!
لولا هذه الحادثة لبقي أولئك المختلون "الإضافيون" يمشون في مناكب الأرض، أحرارًا طلقاء لا أحد يعلم بحقيقتهم.
ضمير عمرو أديب!
وبالعودة إلى تصريحات النائبة العبقرية، فمن أعجب العجائب أو قل "العجب العجاب" أن مفهومها عن السياسة استفز ضمير عمرو أديب، فاكتشفنا مندهشين أن له ضميرًا مرهفًا، ولعل ذلك من أثر وقوعه في الحب، والحب ساحر يُرقِّق الشعور ويرتقي بالوجدان، فما كان إلا أن قاطعها: "تقصدين السياسة في مصر".
بيد أن النائبة ردت من فورها، وبثقة العالمين ببواطن الأمور: "كلا.. يحدث ذلك في العالم بأسره"، وتوكيدًا لرأيها ضربت مثلًا يُفحم أي حمار بجريمة اختطاف الرئيس الفنزويلي من قبل مقاول البيت الأبيض.
وعلى ذكر الحمار فلا نعرف موقفه بعد القرار العجيب الذي أصدره مسؤول ما، لا نملك أي فكرة عن اتزانه العقلي، بتغيير اسم حديقة الحيوان إلى جنينة الحيوانات.
ما الأسباب؟ وما الفرق بين حديقة الحيوان وجنينة الحيوانات؟ هل يعاني صاحب القرار من الفراغ؟ هل أصدر قراره وهو بكامل قواه العقلية؟
أسئلة يتوه العقل دون إجاباتها، وقد شغلتني مليًا كما شغلت غيري، فلم أجد تأويلًا يُستساغ، حتى إن نفسي الأمَّارة بالسوء، حدَّثتني أن القرار قد يرجع لاعتبارات الوزن العروضي الذي تحتمه ضرورات الشعر الكلاسيكي، وهو تفسير منبت الصلة بالمنطق طبعًا، لكن لا بأس فأين المنطق في أي شيء حولنا؟
في ضوء هذا الكلام العبثي فعلينا إذن أن ننتظر مسرحية شعرية على غرار "مجنون ليلى" لشوقي، وربما تَجدُر تسميتها "مجنون الجنينة"، أبطالها حقيقيون من أولئك الذين أتحفونا بالعجائب في رجب، وما من شك في أنهم سيستأنفون دأبهم خلال شهري شعبان ورمضان؛ بلغنا الله وإياكم أيامه المباركة، لعلنا نقيم الليل رافعين أكف الضراعة أن يرفع رب العباد عنا البلاء.
الواقع أنَّ أحوال مصر لم تعد تستدر عجب البشر وحدهم، بل إنها كما يقال تدفع عفاريت الجن بدورها إلى أن تغرق في بحار العجب، بل إنها إزاء ما يحدث بالمحروسة قد تأخذ ذيولها في أسنانها فتهرب إلى جبل "قاف" الذي ذكره القزويني في "عجائب المخلوقات".
وعلى قمة ذاك الجبل الذي تقول كتب الأساطير إنه من الزمرد، تستقيل من "العَفْرَّتة" فتدوِّن هنالك مذكراتها تحت عنوان: عجائب مصر بين نيفين إسكندر ومستشفى الأمراض العقلية وحديقة الحيوان.. عفوًا جنينة الحيوانات.
|الآراء الواردة لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة فكر تاني