لم تجلب نتائج الأرقام النهائية لانتخابات مجلس النواب 2026، هدوءًا للمشهد السياسي، وقد فجرت تباينًا حادًا في الرؤى والمواقف حول دلالاتها ومآلاتها المستقبلية.
هذه النتائج، وما صاحبها من جدل حول نسب المشاركة، عززت - وفق مراقبين تحدثوا لـ فَكّر تاني - الاتجاه نحو تشكيل ما يمكن وصفه بـ"برلمان مأزوم"، يقف الآن أمام تحدي الخروج من "عنق الزجاجة الشعبية"، ما يتطلب أداءً مختلفًا لمعالجة توابع الطريقة التي شُكل بها، وأفرزت هيمنة مطلقة للموالاة عبر نظام القوائم المغلقة، في مقابل أقلية يقودها مستقلون ومعارضون قد يشكلون تكتلًا برلمانيًا يمتلك القدرة على "قلب عقارب الساعة البرلمانية" في الفترة المقبلة.
في لغة الأرقام الرسمية، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات أن نسبة المشاركة بلغت 32.41%. وأكد رئيس الهيئة، المستشار حازم بدوي، في الساعات الأخيرة أن انتخابات 2025 شهدت حضورًا ملحوظًا، مستندًا إلى البيانات الرسمية التي تشير إلى أن عدد المقيدين في قاعدة بيانات الناخبين بلغ 69,891,913 ناخبًا، أدلى منهم 22,657,211 ناخبًا بأصواتهم.
ورغم هذا الإعلان الرسمي، ظلت هذه النسب وتفسيراتها محل اعتراض وتشكيك من قبل بعض المراقبين للمشهد الانتخابي.
والآن، وبينما تترقب الأوساط السياسية إعلان رئيس الجمهورية، الرئيس عبد الفتاح السيسي، تعيين 28 عضوًا لاستكمال الغرفة التشريعية، فإن هناك 568 نائبًا حسموا مقاعدهم وعضويتهم في المجلس الجديد وفق إعلان الهيئة الوطنية.
هؤلاء النواب يدخلون اختبارًا سياسيًا جديدًا وشاقًا، في انتظار ما يحمله الغيب لهذا المجلس الذي تباينت التوقعات حول مصيره؛ إذ لا يتوقع له البعض القدرة على الاستمرار، بينما تثق دوائر عدة في قدرته على إكمال مدته الدستورية.
"الموالاة".. هيمنة وعمود فقري من "القوائم"
تفاصيل توزيع القوى تحت القبة، تكشفها النتائج التي تشير إلى سيطرة واضحة لأحزاب الموالاة الأربعة على الأغلبية البرلمانية، حيث حصدت مجتمعة - وقبل إصدار قائمة المعينين الرئاسية - ما مجموعه 404 مقاعد، وهو رقم يؤمّن لها الأريحية في تمرير التشريعات والقرارات.

في صدارة هذا المشهد، جاء حزب "مستقبل وطن" الذي تصدر السباق البرلماني بفارق كبير، مستحوذًا على 227 مقعدًا.
وتوضح القراءة التفصيلية لمقاعد الحزب عن اعتماده الأكبر على نظام القوائم، حيث حصد 121 مقعدًا بنظام القوائم، في مقابل 106 مقاعد عبر النظام الفردي.
في المرتبة الثالثة في الترتيب العام للمجلس (والثانية ضمن كتلة الموالاة)، حل حزب "حماة الوطن" بإجمالي 87 مقعدًا، موزعة بواقع 54 مقعدًا عبر القوائم، و33 مقعدًا فقط عبر المقاعد الفردية. ولحق به حزب "الجبهة الوطنية" الذي حصل على 65 مقعدًا، حافظ فيها أيضًا على تفوق "القائمة" بحصوله على 43 مقعدًا بنظام القوائم مقابل 22 مقعدًا فرديًا.
وأخيرًا في مربع الموالاة، نال حزب "الشعب الجمهوري" 25 مقعدًا، جاءت أغلبيتها كذلك عبر القوائم بواقع 16 مقعدًا، بينما اكتفى بـ 9 مقاعد فردية.
هذه الأرقام التفصيلية لأحزاب الموالاة تظهر بوضوح أن الرافعة الأساسية لوجودها الكثيف كانت "القوائم المغلقة"، وهو ما يمهد لفهم طبيعة الانتقادات الموجهة للنظام الانتخابي.
المستقلون والحيز المتاح.. رقم صعب يقود الأقلية
بعيدًا عن تكتل الموالاة، حملت النتائج مفارقة لافتة بصعود "المستقلين" ليحجزوا المرتبة الثانية في إجمالي عدد المقاعد تحت القبة، بـ 103 مقاعد.
والمثير في تحليل هذه الكتلة هو طريقة تشكلها المغايرة تمامًا لأحزاب السلطة؛ إذ جاءت الغالبية الكاسحة منها عبر "الاشتباك المباشر" مع الناخبين في النظام الفردي بواقع 95 مقعدًا فرديًا، بينما لم يدخل عبر نظام القوائم سوى 8 مقاعد فقط.
وعلى صعيد المعارضة المنظمة، حصدت الأحزاب المحسوبة على هذا التيار ما مجموعه 48 مقعدًا، انقسمت داخليًا بين تكتلين رئيسيين: الأول هو تكتل "أحزاب الحيز المتاح" الثلاثة التي نالت حصة الأسد بـ 31 مقعدًا، والثاني يضم الأحزاب التقليدية والجديدة (الوفد، والتجمع، والمحافظين، والوعي) التي جمعت 17 مقعدًا.

وبقراءة مجهرية لنتائج "أحزاب الحيز المتاح"، فقد أسفرت الصناديق عن فوز "حزب العدل" بـ 11 مقعدًا (موزعة بين 3 مقاعد فردي و8 مقاعد قوائم). وتساوى معه في الإجمالي "الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي" الذي حصد أيضًا 11 مقعدًا، ولكن بتوزيع مختلف (2 فردي و9 قوائم).
أما الضلع الثالث لهذا التحالف، "حزب الإصلاح والتنمية"، فقد فاز بـ 9 مقاعد (بواقع مقعد فردي واحد و8 مقاعد قوائم).
وفيما يخص باقي أحزاب المعارضة، حصل حزب "الوفد" العريق على 10 مقاعد (2 فردي و8 قوائم)، وحزب "التجمع" اليساري على 5 مقاعد (مقعد فردي واحد و4 قوائم). وفي ذيل قائمة المعارضة، سجل كل من "حزب المحافظين" و"حزب الوعي" حضورهما بمقعد فردي واحد لكل منهما.
ولم تخلُ الخريطة من "أحزاب الأقلية المقربة من الموالاة"، التي انتزعت لنفسها 13 مقعدًا إجمالًا.
وفي تفاصيل هذه الكتلة، برز "حزب النور" السلفي بحصوله على 6 مقاعد جاءت جميعها عبر النظام الفردي، يليه "حزب المؤتمر" بـ 4 مقاعد (1 فردي و3 قوائم). في حين اكتفى "حزب الحرية المصري" بمقعدين بنظام القوائم، و"حزب إرادة جيل" بمقعد وحيد بنظام القوائم أيضًا.
عبد الناصر قنديل: نتائج كاشفة ودليل خلل واضح
من زاوية تحليلية أكثر عمقًا، يلتقط عبد الناصر قنديل، المحلل السياسي والبرلماني، طرف الخيط من هذه الإحصائيات ليفكك ما يصفه بـ"الخلل في النظام الانتخابي".
يرى قنديل، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن الأرقام كاشفة وليست مجرد نتائج؛ فعدد المقاعد الضخم الذي حازته أحزاب الموالاة جاء في معظمه عبر "بوابة القوائم" وليس عبر الاختبار الشعبي المباشر في المقاعد الفردية.

ويفسر قنديل هذه الظاهرة بأنها تعكس إصرارًا من تلك الأحزاب على التمسك بنظام القوائم المغلقة كوسيلة وحيدة لتمكينها من "الهيمنة والسيطرة" على البرلمان، خاصةً بعد تعثرها في المواجهات الفردية الحقيقية، مشيرًا إلى أن حصتها من المقاعد الفردية انحسرت في حدود 42 مقعدًا تقريبًا كانت قد حصلت عليها في المرحلة التي وصفها بـ"بداية الفوضى الانتخابية" وقبل صدور البيان الرئاسي.
ويستدل قنديل على "هشاشة التواجد الأرضي" للموالاة بإعادة قراءة نتائجها؛ فـ"مستقبل وطن" احتاج لـ 121 مقعدًا بالقائمة ليعزز الـ 106 مقاعد الفردية، والخلل يظهر بشكل أفج في "حماة الوطن" (54 قائمة مقابل 33 فردي)، و"الجبهة الوطنية" (43 قائمة مقابل 22 فردي)، و"الشعب الجمهوري" (16 قائمة مقابل 9 فردي).
وهذه الفجوة تؤكد - وفق رؤيته - أنه لولا نظام القوائم لما كان لهذه الأحزاب هذا الحجم تحت القبة.
وفي تحليله لظاهرة صعود "المستقلين" للمرتبة الثانية (95 مقعدًا فرديًا و8 قوائم)، يربط قنديل هذا الرقم مباشرة بـ"إرادة الناخبين" التي قررت استخدام ورقة التصويت كأداة عقاب جماعي للأحزاب كافة.
فمن جهة، عاقب الناخب أحزاب الموالاة لانحيازها لسياسات معادية لمصالحه في البرلمان السابق، مستشهدًا بتمرير قوانين جدلية مثل "قانون الإيجار القديم"، و"قانون الإجراءات الجنائية"، والتشريعات الاقتصادية الصعبة.
ومن جهة أخرى، عاقب أحزاب المعارضة لغياب برامجها وتفاعلها الحقيقي مع الشارع. وكانت النتيجة هروب الناخب نحو "المرشح المستقل" الذي يراه قادرًا على تقديم خدمات مباشرة، حتى وإن كان غير قادر بمفرده على التأثير في التشريع.
وعن أداء المعارضة، يشير المحلل السياسي إلى مفارقة في نتائج "أحزاب الحيز المتاح"؛ فرغم أن كتلتها الأكبر جاءت عبر القوائم (25 مقعدًا) مقابل 6 مقاعد فردية فقط، إلا أنه يعتبر هذه المقاعد الفردية القليلة دليلًا على "الكفاءة" في اختيار المرشحين وسط بيئة انتخابية صعبة، مرجعًا ذلك إلى اشتباكهم الميداني السابق مع الناخبين أثناء الانتخابات الرئاسية.
ويخلص قنديل إلى أن الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات - بمعيار الجهد والرضا الشعبي - هم فقط مرشحو الفردي في "أحزاب الحيز المتاح"، إلى جانب مرشحي "حزب النور" الذين انتزعوا مقاعدهم الستة جميعها عبر النظام الفردي.
ويضرب مثالًا بحزب التجمع، الذي جاءت كل مقاعده عبر القوائم، باستثناء مقعد فردي واحد للنائب أحمد بلال البرلسي، معتبرًا أن هذا المقعد تحديدًا جاء بجهد شخصي للنائب وليس بجهد حزبي.
وفي المجمل، ينتهي قنديل إلى أن هذه النتائج تعبر عن "نظام انتخابي مختل"، ولا يمكن اعتبارها مقياسًا حقيقيًا للوجود على الأرض أو الشعبية، مشددًا على ضرورة البدء الفوري في حوار سياسي واسع لمناقشة إصلاح جذري للنظام السياسي والانتخابي.
القبلية "المنقذ" لنسب المشاركة
وفي سياق تفسير لغز "نسب المشاركة" التي أثارت الجدل، تقدم ولاء عزيز، الخبيرة البرلمانية، مقاربة سوسيولوجية للأرقام في حديثها لـ فَكّر تاني.
ترى أن نسبة المشاركة المعلنة من الهيئة الوطنية (32%) قد تكون "واقعية تمامًا" إذا ما تم تشريحها جغرافيًا؛ إذ توضح أن المشاركة لم تكن ضعيفة إلا في المحافظات والمدن الكبيرة (الحضر)، بينما كان الوضع مغايراً في الصعيد والدلتا.

وتُرجع الخبيرة البرلمانية هذا التباين إلى سطوة "العصبيات والقبليات" التي تتحكم في نسب الحضور للاقتراع في الأقاليم؛ مدللة على ذلك بأرقام "فلكية" حققها نواب في النظام الفردي، حيث نجح نائب في سوهاج بـ 100 ألف صوت، وآخر حسم مقعده بـ 90 ألف صوت.
وبناءً على هذه الكثافة التصويتية في المعارك الفردية الريفية، تصبح نسبة الـ 32% "طبيعية ومنطقية"، مع استدراكها بأن هذه النسبة تخص الانتخابات على النظام الفردي، مرجحةً أن يكون نظام القائمة "مستثنى" من هذا الزخم الشعبي.
وتلتقط ولاء عزيز طرف خيط "المستقلين"، مؤكدةً أن النتيجة النهائية يجب قراءتها بوصفها تعبيرًا صادقًا عن رأي الشارع، والمشاركة الحقيقية للناس التي تجسدت في "رفضهم لنواب الأحزاب الكبيرة"، والتفافهم حول النواب المستقلين.
وتفسر هذا السلوك التصويتي برغبة الناخبين في "تجربة شيء جديد"، أو رغبتهم الصريحة في منح أصواتهم لنواب "غير ملتزمين حزبيًا" ولا تملى عليهم قرارات، موجهةً نصيحة للأحزاب بضرورة أن تضع هذا التحول الجذري في الحسبان مستقبلًا.
خطة "العدل".. استقطاب المستقلين
في الضفة الأخرى من قراءة المشهد، يطرح علي أبو حميد، مدير الحملة الانتخابية لحزب العدل، رؤية برجماتية للتعامل مع مخرجات الصندوق.
وفي حديثه لـ فَكّر تاني، لا يبدي أبو حميد قلقًا كبيرًا من احتلال المستقلين للمرتبة الثانية في المقاعد.
ويرى أن زيادتهم كانت "طفيفة" مقارنة بالدورة السابقة، مرجعًا نجاحهم إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الأول هو الارتباط العائلي والقبلي القوي في بعض الدوائر، والثاني هو حالة "التعاطف الكبير" التي نالها بعض المرشحين المستقلين جراء "ما حدث قبل جولات الإعادة" - وفق وصفه -، أما العامل الثالث فهو أن بعض هؤلاء المستقلين يملكون في الأصل ثقلًا حزبيًا، لكن لم يصبهم الدور في الترشيحات الحزبية، فاتجهوا لخوض المعركة كمستقلين.

ويؤكد أبو حميد أن هذا الصعود للمستقلين لا يثير قلق حزبه، في ظل العمل المستمر للأحزاب للتواجد بين الناس، مشددًا على أهمية توسع الأحزاب في أنشطتها الميدانية خلال الفترة المقبلة لملء هذا الفراغ.
وعن استراتيجية الحزب تحت القبة، يكشف مدير الحملة الانتخابية عن خطة واضحة تستهدف "التنسيق مع النواب المستقلين"، بل والذهاب لأبعد من ذلك عبر محاولة جذب عدد منهم للانضمام رسميًا إلى حزب العدل.
ويسعى الحزب بذلك لتكرار تجربته الناجحة في السنوات الأخيرة، والتي أسفرت سابقًا عن انضمام نواب مستقلين للحزب ومشاركتهم باسمه في الاستحقاقات التالية.
وبلغة الفوز والخسارة، يعرب أبو حميد عن سعادته بالقفزة النوعية التي حققها حزبه، حيث نجح في حصد 11 مقعدًا تحت القبة هذه المرة، مقارنة بمقعدين فقط في برلمان 2020.
كما أشار بارتياح إلى تعاظم كتلة "أحزاب الحيز المتاح" إجمالًا لتصل إلى 31 مقعدًا، بعد نجاح الحليفين (المصري الديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية) في حصد 20 مقعدًا مجتمعين.
وفيما يخص الترتيبات الداخلية لهذه الكتلة الصاعدة، لم يغفل أبو حميد التطرق إلى ما يثار حول مسألة "زعامة نواب الحيز المتاح" تحت القبة. وأوضح أن هذا الملف سيكون مثار نقاش وتنسيق مع قادة الحزبين الحليفين، خاصة في ظل وجود رئيس حزب العدل، النائب عبد المنعم إمام، ضمن قائمة الفائزين.
وأكد في الوقت ذاته أن التنسيق بين الأحزاب الثلاثة سيظل مستمرًا تحت القبة في كل الأحوال، أيًا كانت صيغة القيادة البرلمانية.
بين "المال السياسي" واتهامات "التزوير"
بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة، يذهب فريق آخر من السياسيين إلى الطعن في "جوهر" العملية الانتخابية وشرعيتها.
أشرف عبد الونيس الدلجاوي، المرشح السابق عن دائرة "بندر الفيوم"، يرى المشهد من زاوية قاتمة تمامًا، معتبرًا أن "المال السياسي" كان هو "الحاسم الحقيقي" لكل هذه النتائج، وهو المنافس الأبرز الذي هزم الجميع.

وفي حديثه لـ فَكّر تاني، يجزم الدلجاوي بأن النتائج في مجملها لم تأتِ بأي معارضة صريحة وواضحة، واصفًا كل النواب الفائزين بأنهم يدورون في "دائرة الولاء للنظام"، حتى أولئك الذين "ينتسبون وهمًا للمعارضة" -وفق تعبيره-.
ويتوقع المرشح السابق أن سقف هؤلاء النواب الجدد سيكون منخفضاً؛ فمعارضتهم ستكون "مباحة" فقط ما دامت لم تقترب من "مستوى معين" (لم يحدده)، لتبقى تحت السيطرة.
وعلى خطى أكثر تصعيدًا، يفتح الخبير البرلماني هلال عبد الحميد، رئيس "حزب الجبهة الديمقراطية" (تحت التأسيس)، النار على العملية الانتخابية برمتها.
يبدأ عبد الحميد تشكيكه من "نسبة المشاركة" المعلنة، واصفًا إياها بأنها "عالية جدًا لدرجة مبالغ فيها" وفق تقديره.
ويوضح، في حدثه لـ فَكّر تاني، أنه من خلال رصده الميداني لعدد من اللجان، كانت نسبة التصويت "ضعيفة للغاية"، مستدركًا بتهكم مبطن: "ربما كانت اللجان التي لم أتابعها نتائجها مضاعفة، فغطت على اللجان المتدنية في المشاركة".
ويرسخ عبد الحميد قناعته بأن النتائج كانت "متوقعة"؛ لأن الانتخابات كانت "مهندسة منذ البداية". ويشرح أركان هذه "الهندسة" التي بدأت بالتشريعات الإقصائية، واعتماد نظام الأغلبية بشكل كامل (50% قائمة مطلقة مغلقة، و50% فردي)، مع تقسيم دوائر واسعة للغاية لا تتمكن أي أحزاب - سواء موالاة أو معارضة - من تحمل تكلفتها بمفردها.

ويضيف أن "جهات التنسيق الانتخابي" هي التي كانت تُسيّر العملية وفق هذه الهندسة المعدة سلفاً، وعملت جهات الموالاة على سد الطرق أمام أي محاولة للمنافسة، مما أدى لتراجع مشاركة "المرشحين الجادين" في معركة الفردي، ليقينهم بأن النتيجة "محسومة سلفًا".
ويوجه الخبير البرلماني انتقادات لاذعة لأداء "الهيئة الوطنية للانتخابات"، متهمًا إياها بعدم القيام بواجبها القانوني في إدارة الانتخابات، والتعسف في عدد من القرارات، منها "استبعاد القوائم المنافسة" بحجج وصفها بأنها "غير قانونية وغير منطقية".
وفي ذروة نقده، يطالب عبد الحميد بعدم نسيان مطالب "محاكمة كل من تسبب في تزوير الانتخابات"، مستدلًا على وقوع التزوير بقرارات "إلغاء النتائج وإعادة الانتخابات" التي حدثت بالفعل.
ويتساءل باستنكار: "ألم يكن من الواجب إحالة كل المزورين للنيابة العامة بتهمة تزوير الملايين من أوراق الاقتراع وهي مستندات رسمية؟ وكيف يُحاكم ويُسجن من يزوّر (شهادة ميلاد)، بينما يُترك من يزوّر (شهادات الاقتراع) حرًا طليقًا؟".
ويختتم عبد الحميد حديثه بحكم قاطع، معتبرًا أن هذه الانتخابات "بنيت على باطل من ساسها لراسها"، وبالتالي فهي باطلة ولا يعتد بها وكل ما نتج عنها باطل. وينهي كلامه بمطلب محدد وحاسم: ضرورة تشكيل "لجنة قضائية" للتحقيق في مسارات التزوير، وتحديد المتهمين، وإحالتهم فورًا لـ"محكمة الجنايات".