"لو رجع بيا الزمن كنت هعيدها وأسافر تاني، علشان حلمي ومستقبلي"، هكذا بدأت مريم أحمد -24 عامًا، تحكي عن تفاصيل قرارها الجريء بترك مدينتها الهادئة لتأتي إلى القاهرة بضوضائها وسرعتها لتبحث عن معنى لمؤهلها العالي الذي لم يجد فرصة في بلدتها.
سفر البنات لم يعد مجرد اختيار شخصي، بل أصبح جزءًا من واقع اجتماعي متغير، فكثير من الفتيات يتركن مدنهن بحثًا عن فرص تعليمية أو مهنية، أو لتحقيق استقلال اقتصادي، أو لمجرد مواجهة تحديات حياتية لا توفرها البيئة المحيطة بهن.
رحلة السفر هذه لا تتوقف عند الانتقال الجغرافي، بل تمتد لتشمل التحديات النفسية والاجتماعية والثقافية، من التأقلم مع بيئة جديدة، إلى مواجهة ضغوط العمل، والابتعاد عن الأسرة والدعم التقليدي.
ولا تتوفر إحصاءات رسمية مفصلة عن عدد الفتيات اللاتي هاجرن من الصعيد إلى القاهرة للعمل، لكن البيانات تشير إلى أن الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن الكبرى تمثل جزءًا كبيرًا من الانتقال السكاني، وأن النساء يشكلن نسبة كبيرة من المهاجرين داخليًا.
وهذا ما تؤكده الأرقام وفق دراسة بعنوان: "الهجرة الداخلية فى مصر" بلغ العدد الإجمالي للمهاجرين بين محافظات الجمهورية 1.111 مليون في عام 2017، وكانت نسبة الإناث بين المهاجرين 53٪ مقارنة ب 47٪ من الذكور. في المقابل، ارتفعت نسبة الذكور قليلًا بين غير المهاجرين إلى 51.6٪ مقارنة بـ 48.4٪ للإناث في عام 2017.
ثمن الحلم في العاصمة
مريم أحمد ابنة محافظة سوهاج، مثلها مثل آلاف الفتيات اللاتي يقررن أن تكون مسيرتهن المهنية أوسع من حدود محافظاتهن الجنوبية، فرحلتها إلى القاهرة لم تكن هجرة اقتصادية فقط، بل كانت بحثًا عن حقها في الوجود كشخص فاعل، وهربًا من مصير تلخصه في مثل شعبي قاهر: "الست مكانها المطبخ".
تتحدث مريم لـ فكّر تاني وتقول: "رحلتي من سوهاج للقاهرة كانت رحلة قاسية لكنها تستحق كل دمعة نزلت وكل خبطة أخدتها، الموضوع بالنسبالي مش فلوس أبدا، أهلي بخير ومش محتاجين، الموضوع متعلق بـ ‘القيمة‘، أنا مؤهلي عالي، وده مالهوش مكان في بلدنا والحل الوحيد إني اتجوز واقعد في البيت، وده مستحيل. فقررت أنزل القاهرة".

صورة القاهرة المثالية تحطمت في لحظة الوصول، وتصف مريم صدمتها الأولى: "كنت معتقدة انها ‘مدينة الأحلام‘ لكن اتخضيت من الدوشة والسرعة، كل حاجة بتمشي بسرعة غريبة ماتعودتش عليها، ساعتها حسيت إني إيدي متكتفة والخوف سيطر عليا".
هذه الرهبة سرعان ما تحولت إلى مواجهة قاسية مع واقع المدينة، فكادت مريم أن تقع ضحية الاستغلال في السكن الذي بحثت عنه عبر الإنترنت، لتكتشف أنه سكن غير نظيف وبه اكتظاظًا من السكان، فاضطرت للبحث مجددًا بمساعدة والدها الذي أرسل لها مبلغًا أكبر لتجد مكانًا أفضل.
أما التجربة الأشد عنفًا فكانت في التنقل: "أول يوم ليا هنا كنت بركب الأتوبيس اللي رايح رمسيس، اتضربت واتخبطت في راسي واتعورت في بطني"، وتؤكد أنه هذا العنف المادي عزز لديها شعور الوحدة، تقول: "أكيد كنت خايفة كنت لوحدي ومفيش حد معايا".
حصلت مريم على فرصتها عبر إعلان، ورغم أن العمل لم يكن يحمل مشكلات كبيرة، إلا أن التحدي الأكبر كان اجتماعيًا وثقافيًا، حيث شعرت مريم بالتمييز بسبب أصلها الصعيدي، وتقول: "كان في ناس بتتعامل معايا زي ما بيجي في التليفزيون، الست الصعيدية المتخلفة واللي لبسها غريب!!، وطبعًا غيرت لهجتي لأن أغلب زمايلي مكانوش بيفهموها وكانو بيضحكو عليها".
وكان ثمن الغربة الأغلى هو الانفصال العاطفي عن الأهل، فعاشت مريم لحظات ضعف كبيرة، وتحول طموحها إلى مصدر لوم ذاتي وبكاء مستمر: "كنت بفضل أعيط في البداية لما حسيت فجأة إني لوحدي، وبقيت ألوم نفسي وكنت كل ما أكلمهم في البيت أعيط بس"، ووصل الأمر إلى حد التفكير الجدي بالتخلي عن كل شيء، وتتابع: "أيوة كنت كل مرة أبكي وأقول يا ريتني ما اتعلمت ولا نجحت كان زماني دلوقتي قاعدة وسط أهلي ومبعدتش عنهم".
الدعم الوحيد القوي جاء من حيث أتت، فتقول: "أهلي في البلد كانوا دايما يكلموني يدعموني وأمي كانت أكتر حد"، هذا الدعم عن بُعد سمح لها بالمضي قدمًا، وجعلها تتعلم الدرس الأهم، وهو الاعتماد على نفسها.
"لو جاتلك فرصة تسافري علشان حلمك ومستقبلك سافري ومتسمعيش كلام حد من اللي حواليك ولو أهلك رفضوا اقنعيهم بكل الطرق، لأن حلمك يستاهل".
مارضاش بنتي تكون زعلانة
وفي حديثه لنا، يقول والد مريم: "لما مريم قالت إنها عايزة تسافر القاهرة عشان تشتغل، قلبي اتقسم نصين، نص بيقول: بنتك هتضيع في الزحمة، مين هيحميها من ناس ما نعرفش أصلهم؟' والنص التاني بيقول: دي بنت متعلمة، حلمها مش ذنبها، ولازم تشوف تعبها في الدراسة".
ويضيف: "أنا ربيت بناتي على القيم، ومريم كان عندها إصرار ما شفتهوش في حد، صحيح، عندنا في الصعيد بيقولوا البنت مكانها جنب أهلها، لكن الزمن اتغير، شفنا المؤهل العالي بيموت في الدرج هنا، والمستقبل واقف، لو كانت قعدت، كان مصيرها الجواز وبس، كانت هتبقى زعلانه طول عمرها، وأنا ماقدرش على زعلها".
"يوم ما كلمتني وقالت لي إنها اتخبطت في المواصلات، أو إنها مش لاقية سكن كويس، حسيت إن روحي بتتسحب مني. بس في نفس اللحظة، كنت فخور بيها وهي بتواجه كل ده لوحدها. أنا بعتلها الفلوس عشان تغير السكن، بس القوة اللي طلعت بيها من قلبها هي اللي ما تتقدرش بفلوس".
ويؤكد أن أهم حاجة ما نصحها به قبل سفرها إلى القاهرة وما ظل يؤكده على مسامعها طوال الوقت:
"خلي خوفنا عليكي هو اللي يحميكي مش اللي يكسرك، أنا خايف عليها أكتر من أي حاجة، لكن فخور بيها إنها قدرت تعمل لنفسها قيمة وكيان، يمكن القاهرة قاسية، بس علمتها تكون قوية. والحلم يستاهل التعب".
صحفية في عاصمة الابتزاز والاستغلال
إذا كانت قصة مريم أحمد هي صراع من أجل الوجود في سوق العمل عامة، فإن قصة بسنت عادل من قنا هي صراع خاص في دهاليز مهنة الإعلام، المهنة التي وصفتها بسنت بأنها "لا ضامن ولا رابط فيها"، إذ جاءت بسنت إلى القاهرة لسبب مهني بحت فتقول: "جيت القاهرة علشن مفيش وسيلة إعلامية مؤهلة في الصعيد تناسب طموحي الصحفي".
كان قرارها مزيجًا من "رغبة شخصية وضرورة اقتصادية"، فالحلم المهني في قنا لا يدر دخلًا، وتقول لـ فكّر تاني: "كل الجرايد المحلية مابتديش رواتب ولا يمكن تلبي الالتزامات المادية".
على عكس مريم، واجهت بسنت معارضة أسرية حادة، تحولت إلى صراع داخلي وعائلي: "والدي كان رافض رفض قاطع واخواتي طبعا، وكانت بمثابة حرب خاضتها معايا أمي بس"، ما وضع على كاهل بسنت عبئًا مضاعفًا، يتمثل في إثبات الذات مهنيًا، وإثبات صواب قرارها شخصيًا لأهلها.
كانت بداية بسنت في العمل بأحد الجرائد المستقلة الكبرى، عبر وساطة كريمة من أستاذها الجامعي، لكن: "طبعا مكانش في عقد عمل نعمل".
في بيئة العمل بالقاهرة، وجدت بسنت مساحة واسعة وغير منضبطة يصعب التمييز فيها بين الصالح والفاسد، فتصف بسنت الفرق بين ثقافتي العمل: "فرق كبير جدًا، المساحة واسعة وشاسعة ومنقدرش من الأساس التفريق بين العاطل والباطل، البيئة عامة غير ملائمة ولا حدود لها"، تحت مظلة هذه المساحة واجهت بسنت تحديين قاسيين هما بيئات العمل غير الآمنة والاستغلال.
وبسبب هذه البيئة غير المنضبطة، واجهت بسسنت ضغوطًا كثيرة لا نهاية لها: "كانوا بيتعاملوا معايا على إني مش متحضرة"، ورغم أنها لم تجد تمييزًا سلبيًا بسبب كونها صعيدية، إلا أنها اضطرت لتغيير لهجتها لتصبح مفهومة للجميع.
"أنصح البنت بالتمسك بالعادات والتقاليد، وعدم الانخداع في المظاهر، وفخرها كونها فتاة مكافحة".
بين القاهرة والصعيد
أما منى علام، فلم يكن قرار انتقالها إلى القاهرة من محافظة المنيا قرارها الفردي، بل كان قرار العائلة بالكامل، وذلك لأن فرص العمل في الصعيد، كما تقول لـ فكّر تاني: "مش أحسن حاجة".
ورغم أن القرار كان جماعيًا، إلا أن الأسرة كانت ترفض رفضًا قاطعًا مبدأ الاستقلال التام، فالاستقرار في القاهرة كان يتطلب أن تكون الحياة "بين هنا وهناك"، لأن فكرة أن تبقى منى "لوحدها" كانت مرفوضة، حتى في أيام الجامعة.
ولم يكن الوصول إلى القاهرة يعني الوصول المباشر إلى الهدف، فتجربة منى علام في البحث عن عمل يكشف عن التنازلات الأولية التي يضطر إليها الشباب في سوق العمل المزدحم، حتى ولو كانت حاصلة على درجة جامعية مرموقة.
وتروي منى بأسى كيف وجدت نفسها بعيدة تمامًا عن مجالها: "فرص العمل ما كانتش أحسن حاجة في الأول اشتغلت سنة مدرسة وأنا خريجة إعلام، وأنا مجيتش القاهرة عشان في الآخر أشتغل مدرسة، مع كامل احترامي طبعًا وتقديري للمدرسين، بس ده مش هدفي".
لم يقتصر الأمر على التخصص المختلف، بل على الاستغلال الواضح لغياب الضمانات. فعملها في التدريس بدأ بالصدفة وبشكل مؤقت كبديل لمشرفة "أتوبيس المدرسة" والتي كانت في إجازة، لينتهي بها الأمر مدرسة فصل "تانية ابتدائي"، وكل ذلك دون أي عقد عمل واضح.
وعندما انتقلت منى للعمل في مجال شغفها، الصحافة، تحولت المشكلة من عدم التخصص إلى غياب التقدير والاعتراف بالجهد والتضحية: "أبرز المشاكل اللي كانت بتواجهني في مكان العمل شيء من عدم التقدير من الإدارة لأننا بنبذل مجهود أكبر، وكان بيتقال كده: "انتي تحمدي ربنا إن اسمك هينزل على شغلك!".
لم يكن الاستغلال المهني الذي واجهته منى في مجال الصحافة مجرد حرمان من التقدير المادي، بل كان إجبارًا على خوض غمار الخطر دون أي غطاء أو تعويض، تحكي منى عن الفترة التي عملت فيها بعد تخرجها، وهي فترة مليئة بالاضطرابات السياسية، فتقول: "أنا دفعة 2011، فإحنا كنا بنغطي أحداث ميداني كتير مرتبطة بمحمد محمود، وسيمون بوليفار، وأحداث الاتحادية وكل الأحداث اللي كانت مرتبطة بالإخوان في الفترة دي".
وعلى عكس بعض المغتربات اللاتي يواجهن تمييزًا سلبيًا بسبب لهجتهن أو هويتهن الصعيدية الواضحة، لم تشعر منى علام بهذا الضغط بشكل مباشر، ويعود ذلك إلى خلفيتها، فبسبب نشأتها في السعودية، لم تكن لهجة منى الصعيدية هي الأساسية: "من زمان واحنا بنتكلم قاهراوي لأنه عشان متربية في السعودية فما كانش اختلاطي بالصعايدة كتير قوي زي المتربي في الصعيد".
"أهم نصيحة للبنات إنها تفضل زي ما هي، ما تخليش الدوشة والزحمة والزخم الكبير بتاع القاهرة يخليها تتغير أو تخلع جلدها زي ما بيقولوا".
صدمات حضارية
يرى الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية، في حديثه مع فكّر تاني، أن الدافع وراء هجرة فتيات الصعيد والريف هو رغبة قوية في إثبات الذات مشبهًا تجربة بعضهن بفيلم "النداهة"، الذي جسد حياة المرأة القادمة للقاهرة وما تتعرض له من مشكلات نفسية وصحية.

ويوضح هندي أن أبرز هذه التحديات هي "الصدمة الحضارية"، التي تنجم عن الخروج من مجتمع منغلق يعتمد على "علاقات الوجه لوجه" و"الدعم الأهلي"، إلى مجتمع الصخب والمدنية، مؤكدًا أن هذا التحول المفاجئ يجعل الفتاة تسير على ذراعها، لا يوجد من يسأل عليها أو يهتم بها، مما يرفع شعورها بالقلق والعزلة.
"المشكلات الاجتماعية في التعرض للتمييز بينها وبين بنات العاصمة، ومحاولات إثبات الذات، بالإضافة إلى التنمر نتيجة اختلاف اللهجة وثقافة الأكل والشرب، والطمع فيها، والصعوبة الشديدة في إيجاد سكن ملائم، والاضطرار إلى السكن بالاشتراك مع آخرين، كلها ضغوط نفسية ترفع مشاعر القلق وتؤدي إلى حالة من الاكتئاب والأفكار الوسواسية".
أرقام خلف الحكايات.. لماذا يهربن؟
حكايات مريم وبسنت ومنى ليست مجرد تجارب فردية معزولة، بل هي انعكاس لواقع تؤكده الأبحاث الأكاديمية التي رصدت دوافع هذا "النزوح الداخلي". فوفق دراسة بعنوان: "توجيهات الشباب الريفي نحو الهجرة والمشكلات الناتجة عنها: دراسة وصفية بإحدى قرى الدقهلية"، يظل المحرك الأول هو البحث عن "طوق نجاة"، حيث تصدرت الرغبة في "الحصول على عروض عمل وحياة أفضل" قائمة الأسباب.
وهو ما فصلته بدقة دراسة أخرى بعنوان "هجرة العمالة من الريف إلى الحضر: دراسة لعمال صعيد مصر في القاهرة -Rural-to-Urban Labor Migration"، إذ كشفت أن الدوافع غالباً ما تكون اقتصادية بحتة، ترتبط بـ "بقاء الأسرة" في القرية على قيد الحياة. فالبطالة، وانخفاض الدخل الشديد، وسوء ظروف المعيشة في ريف الصعيد، هي التي تدفع هؤلاء للرحيل.
وتشير الدراسة ذاتها إلى أن القاهرة، رغم قسوتها، تقدم "المغريات" التي يفتقدها الريف: أجور أعلى، عمل أكثر انتظاماً، وحياة أكثر إثارة للبعض، والأهم من ذلك "فرصة تحويل الأموال" لدعم الأهل في الصعيد، مما يجعل الهجرة وسيلة للحد من الفقر ولو جزئيًا.
لكن، أين ينتهي المطاف بهؤلاء الحالمين؟ الإجابة قدمها تقرير "الانتقال إلى الفرص: الهجرة الداخلية والتعليم في مصر -Moving to opportunity" الصادر عن منتدى البحوث الاقتصادية، والذي يوضح أن الهجرة تتركز بشكل رئيسي من الريف إلى الحضر، لكن المهاجرين يميلون غالبًا للاستقرار في "المناطق الحضرية غير الرسمية" أو العشوائيات، ليجدوا أنفسهم أمام تحدٍ جديد، في مناطق تعاني هي الأخرى من نقص الخدمات، وكأنهم استبدلوا فقر الريف بهامشية المدينة.
