وسط القاهرة، يتجمع المواطنون على عربة لبيع الكبدة والسجق، لا تزال تبيع الساندوتش الواحد بـ 7 جنيهات للرغيف البلدي و5 جنيهات للرغيف الفينو، دون أي اهتمام بما يوجد داخل الرغيف أو شغل البال بالتساؤلات المنطقية حول كيف يصبح سعر الرغيف الذي يتناولونه أقل من الفول الذي يباع بـ 8 جنيهات والبطاطس التي تباع بـ 16 جنيهًا في المطاعم الملاصقة.
باتت تلك العربات الوسيلة الأساسية لكثير من المواطنين للحصول على البروتين الحيواني الذي تنحى جانبًا في قائمة أولويات الطعام على موائد المصريين، وحل بدلها النشويات والمقليات باعتبارها أرخص سعرًا وتكفي عددًا أكبر؛ فسعر كيلو اللحوم يعادل 10 كيلو جرامات من المكرونة، وحوالي 15 كيلو من الأرز.
للمواطنين حسبة أخرى فما يهم حاليًا "أي حاجة في رغيف"، مثلما يقول محمود حمدي، الموظف بشركة خاصة، مضيفًا أنه يعتمد على "الحواوشي" حاليًا كوسيلة للغذاء إلى جانب الفول والطعمية والأرز والمكرونة، ويضيف: "رغيف الحواوشي بـ 15 جنيهًا.. أعرف أنه خالي من اللحوم وأنه كله فول صويا ودهون.. لكن الهدف هو ملء البطون فقط.. بأي شيء".
يستغرب "حمدي" من مطالبة الكثيرين للمواطنين بتناول طعام صحي، قائلًا: "ساندوتش الحواوشي المليء باللحمة عند محل شهير بحي عابدين بـ 150 جنيهًا.. لكي أكفي أسرتي أحتاج 450 جنيهًا، لكني أشتري من الحواوشي الشعبي الـ 5 ساندوتشات بـ 75 جنيهًا".
المفاضلة بين الفراولة والبرتقال
ذلك التوجه يعكس ما يسمى "التحوّل الغذائي"، وهي ظاهرة تُجبر المجتمع على تغيير عاداته الغذائية نتيجةً لعوامل اقتصادية وديموغرافية، وتؤثر على جميع الطبقات في مصر، بحسب دراسة لـ"هارفارد إنترناشيونال ريفيو".
فقد أجبر التضخم الغذائي المواطنين على التكيف، حيث تُعطي العائلات الأولوية القصوى للشعور بالشبع بدلًا من القيمة الغذائية، وتحوّلت أنظمتهم إلى الأرز والكربوهيدرات والسكريات.
ربات المنزل حاليًا تتعامل بهذا المنطق: المفاضلة بين الفاكهة وفقًا للعدد وليس القيمة الغذائية، فالفراولة مقدمة على البرتقال لأنها قابلة للتوزيع على عدد أكبر، واللحوم الحمراء قد لا تقتحم المائدة إلا مرة أو اثنتين في الشهر على أقصى تقدير.
تقول "شيماء رفاعي"، إن النشويات هي الوسيلة لضبط الميزانية، فكيلو المكرونة يكفي لمدة 3 أيام ومعه بطاطس مرة وبيض مرة وهكذا، خاصةً بعدما ارتفعت تعريفة ركوب المواصلات والكهرباء والمياه وأنابيب البوتاجاز، التي قلصت من المبالغ الشهرية المخصصة للطعام والزي.
تعتمد "شيماء" على اللحم المفروم الشعبي لمرات قليلة في الشهر، وهي لحوم نسبة الدهون فيها عالية جدًا ويباع الكيلو بـ 150 جنيهًا. وهي اللحوم التي علق عليها علاء فاروق، وزير الزراعة، بـ "أي لحوم سعرها أقل من 200 جنيه بلاش تشتروها"، مؤكدةً تنفيذ حملات رقابية أسفرت عن ضبط وإغلاق المحال التي تبيع اللحوم بهذه الأسعار.

لغة الأرقام لا تكذب
هذا الواقع المأساوي تدعمه الأرقام وليس مجرد تكهنات؛ إذ ارتفع استهلاك المصريين من المحاصيل النشوية بين عامي 2020 و2024 ليبلغ 86 كيلو جرامًا سنويًا للفرد في 2024، مقابل 68 كيلو في 2020 بنسبة زيادة 26.5%، وفق دراسة للمركز المصري لدراسات الرأي العام "بصيرة".
وفي المقابل، انهار استهلاك المصريين من اللحوم الحمراء بين عامي 2018 و2023؛ حيث بلغ إجمالي الاستهلاك 10 كيلو للفرد في عام 2023، مقارنةً بـ 18 كيلو للفرد في عام 2018، بتراجع قدره 80%.
ويرجع ذلك لمعادلة الأسعار، ففي ظل وجود علاقة عكسية، فإن زيادة سعر الكيلو جرام بنحو 10% يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها بنسبة 5.8%، ما يشير إلى أن الطلب على اللحوم الحمراء "طلب غير مرن".
عندما يمرض "السمين" من الجوع
يقول الدكتور نادر نور الدين، مستشار وزير التموين السابق، إن تزايد استهلاك المصريين من النشويات بنحو 20 كيلو للفرد، مع تراجع استهلاك اللحوم والدواجن والأسماك، أمر خطير للغاية ينبغي للحكومة أن تفهمه، لأن النتيجة الحتمية هي السمنة وأمراض القلب بسبب الاعتماد المفرط على النشويات من أرز ومكرونة وبطاطس.
وأضاف "نور الدين" أن الإشكالية الأخطر هي "تزامن السمنة مع الأنيميا" بسبب تراجع استهلاك البروتينات، ما يعني وجود مفارقة صحية مخيفة: شخص "سمين" ولكنه يعاني من الأنيميا وسوء التغذية.
وتمتد آثار ذلك لتشمل التقزم في الأطفال، وإجهاض الحوامل بالمناطق الفقيرة، ونقص تحصيل الأطفال في المدارس، وقلة المجهود والقدرة على العمل الشاق الطويل.
هذه التحذيرات تترجمها أرقام الواقع؛ فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تُعد مصر من بين الدول التي لديها أعلى معدلات السمنة بين البالغين في إقليم شرق المتوسط.
بينما أكدت وزارة الصحة المصرية إصابة 40% من البالغين بزيادة الوزن بالبلاد، ما يسبب الإصابة بالأمراض المزمنة والمختلفة. والأكثر دلالة أن 50% من السيدات بمصر مصنفات ضمن مرضى السمنة.
ولم تسلم الأعمار الصغيرة من الأطفال والشباب من هذا الوباء؛ ففي جامعة عين شمس، على سبيل المثال، تم تصنيف 36.9% من الطلاب على أنهم يعانون من زيادة الوزن، و12.5% منهم يعانون من السمنة.
السكري.. المرتبة الثامنة عالميًا
إلى جانب السمنة، يؤكد جهاز التعبئة العامة والإحصاء أن نسبة الإصابة بالسكري بلغت 21.3% من عدد السكان البالغ 106 ملايين نسمة.
وتأتي مصر في المرتبة الثامنة عالميًا ضمن أكثر الدول إصابة بالمرض، خاصة في الأعمار المبكرة، فنحو 200 ألف طفل مصابون بذلك المرض، 90% منهم يعتمدون بشكل كامل على الأنسولين.
ولا يقتصر الأمر على نوعية الطعام فقط، بل توقيته أيضًا، وهو ما يفرضه الواقع الاقتصادي.
فاضطرار المصريين للعمل بمهن إضافية لكي يستطيعوا مواكبة الأعباء يساهم في تفاقم السمنة واستهلاك النشويات؛ فكثير من المواطنين يعودون لمنازلهم بعد منتصف الليل بوجبات مشبعة بالدهون والنشويات كـ"الفطير" أو "الخبز الفينو".
هذا النمط يخالف "الساعة البيولوجية" المسؤولة عن عملية الهضم، ما يدفع الجسم إلى تخزين وجبة الليل الثقيلة هذه على شكل دهون مباشرة.
نصائح وردية وواقع "مدعوم" بالنشويات
من المفارقات أن وزارة الصحة عزت السمنة إلى سلسلة من العادات الخاطئة التي يجب تجنبها للحماية من زيادة الوزن، وطالبت المواطنين بعدم تناول وجبات غير متوازنة مليئة بالدهون، والسعرات الحرارية، والسكريات، وتجنب شرب المشروبات السكرية عالية السعرات الحرارية قليلة القيمة الغذائية، فضلًا عن التوقف عن تناول الطعام في أوقات متأخرة قبل النوم.
وتابعت الوزارة نصائحها بأنه يجب تجنب تناول كميات كبيرة من الطعام دفعة واحدة، مشيرةً إلى أن قلة ممارسة النشاط البدني تسبب زيادة في الوزن. ولم تكتفِ بذلك، بل نصحت بتجنب تناول بعض الأدوية مثل مضادات الاكتئاب، مشيرة إلى أن قلة النوم يمكن أن تزيد من الشهية.
لكن لبرنامج الأغذية العالمي رأي آخر يصدم هذه النصائح بالواقع؛ إذ يقول إن الفقراء في مصر يحصلون على 60% من السعرات الحرارية اللازمة للبقاء على قيد الحياة من النشويات (البطاطس والحبوب)، حيث تُشكل الأطعمة ذات القيمة الغذائية المنخفضة نسبة كبيرة من النظام الغذائي لغالبية الأسر المصرية.
هذا الواقع تدعمه أرقام الفقر، فبحسب تقرير برنامج الغذاء العالمي عن مصر الصادر خلال مارس 2025، يرتبط نمط الاستهلاك الغذائي بالدخل في المقام الأول؛ حيث بلغت نسبة الفقر بالصعيد 40%، وبالدلتا 23%، وفي الحضر 14%، بينما وُصف الأمن الغذائي بـ"المتوسط"، وبلغت نسبة الجوع 15.9%.

الوزير يطالب بالتقليل.. والدعم يقدم "النشويات"
وفي الوقت الذي يفرض فيه الفقر كلمته، خرج وزير التموين علاء فاروق العام الماضي ليطالب المواطنين بتقليل الاستهلاك من البروتين والنشويات في الوقت ذاته، مضيفًا: "الشعب عليه دور كبير للوقوف مع بلده، فرغم الأزمات في العالم كله لا يزال السعر في مصر هو الأقل عالميًا.. يجب تغيير ثقافة الاستهلاك وتقليل الاستهلاك من النشويات واللحوم".
لكن المفارقة تكمن في أن ما يزيد من إقبال المواطنين على المنتجات النشوية هو أنها "مدعومة" من الدولة؛ فالبطاقات التموينية تقدم الخبز التمويني، والسكر، والزيت الخليط، والدقيق المعبأ، والمكرونة، وهي السلع الأساسية التي يتم تقديمها أيضًا كدعم من قبل الجمعيات الخيرية لمحدودي الدخل، حتى في شهر رمضان الكريم.
ووفقًا لبيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، فخلال العام الماضي استفاد 68 مليون مواطن من الخبز المدعم، و61 مليون مواطن من السلع التموينية، وبلغ إجمالي دعم السلع التموينية والخبز 160 مليار جنيه للعام المالي 2025/ 2026.
هل الأمل في 2026؟
لا يبدو أن العام الجديد يحمل مؤشرات على تحقيق التوازن للنمط الغذائي بمصر؛ فوفقًا لوزير التموين علاء فاروق، فإن أسعار اللحوم الحمراء قد تشهد زيادات طفيفة نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية، فضلًا عن تأثير الاضطرابات الجيوسياسية في السودان والصومال، إلى جانب انتشار بعض الأوبئة التي أثرت على استقدام رؤوس الماشية.
أمام هذا الوضع، يطالب الدكتور نادر نور الدين الحكومة بوقف رفع أسعار الخدمات التي تأخذ من مخصصات غذاء الأسر المصرية. فالوفرة التي تحاول الحكومة تحقيقها عبر زيادة أسعار الخدمات، تنعكس في اتجاه آخر أكبر، وهو الإنفاق على علاج أمراض مرتبطة بتغير نمط المصريين.
فاتورة الـ 50 مليار جنيه

لغة الأرقام تؤكد هذه الخسارة؛ فمصر أنفقت 999 مليون دولار على علاج السمنة (يعني حوالي 50 مليار جنيه)، بحسب تصريحات الدكتورة نعيمة القصير، مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بمصر.
وبحسب وزارة الصحة ذاتها، فإن بعض الأمراض المزمنة المرتبطة بالسمنة، مثل السكر والضغط، تتسبب في الإصابة بالاعتلال الكلوي، بينما تؤكد الصحة العالمية أن 84% من الوفيات في مصر تحدث بسبب الأمراض المزمنة السارية.
وهكذا، فإن ما تحققه الدولة من "وفرة" بالخدمات يتسرب في شق آخر بارتفاع كمية الإنفاق على العلاج على نفقة الدولة. فقد أصدرت وزارة الصحة 776,379 قرار علاج على نفقة الدولة بتكلفة إجمالية 6.364 مليار جنيه، خلال الفترة من يوليو إلى أغسطس 2025.
وفي مؤشر آخر على حجم العبء المالي، ارتفعت تكلفة دعم الإنفاق على علاج المواطنين لتبلغ 6 مليارات جنيه في الأشهر الخمسة الأولى من العام المالي الحالي (يوليو ـ نوفمبر 2025).
