أكبر من شابة أصغر من عجوز

في صباح يوم لا يختلف عن سابقه في شيء، استيقظت "مها". ضغطت على شاشة الموبايل إلى جوارها طامعة في دقيقتين إضافيتين من النوم. من فترة ليست بالقريبة وهي تعاني خلال نومها مما أسمته "الشاشة السوداء". والحق أن أحلام "مها" ليست سوداء تمامًا، بل أقرب لأفلام الأبيض والأسود الباهتة، التي تزاوج فيها اللونان منذ زمن بعيد حتى ضاع البياض وصَعُب تمييزه.

تفتح عيناها بجهد، يتجاذبها طرفا صراع؛ أولهما الرغبة في النوم وكأنها لم تذق طعمه منذ سنين بسبب الإجهاد المتملك منها، وثانيهما الرغبة في إنهاء هذا الفاصل الثقيل من الأفلام المشوشة التي تنسى معظمها فور فتح عينيها، وإن كان أثر ثقلها يبقى كظل جاسم على صدرها وطعم المر عالق بحلقها طوال اليوم.

تبتلع بعض الأقراص، وتستعد للذهاب للعمل، فتقف أمام دولابها مترددة ترددها اليومي: هل أرتدي شيئًا مريحًا أم شيئًا أنيقًا؟ لكن "الظل الجاسم" على صدرها يحسم الاختيار: "تيشيرت" الأمس على البنطلون الجينز.

الاكتئاب الأربعيني "المسكوت عنه"

ما تشعر به "مها"، ويحسم خياراتها البسيطة، ليس مجرد تعكر مزاجي عابر. إنه ما يُعرف بـ "الاكتئاب الأربعيني"، وهو حالة لا تحدث لسبب واحد، بل نتيجة تضافر عاصفة من العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية تتزامن تحديدًا في هذا العقد من العمر.

بيولوجيًا، تلعب الهرمونات دور "المايسترو" المرتبك؛ حيث تبدأ مرحلة "ما قبل انقطاع الطمث"(Perimenopause) عادة في أوائل أو منتصف الأربعينيات.

هذا التذبذب الشديد في مستويات الإستروجين والبروجسترون يؤثر مباشرة على النواقل العصبية في الدماغ المسؤولة عن المزاج، مثل السيروتونين.

يضاف إلى ذلك مشاكل الغدة الدرقية، إذ تزداد احتمالية الإصابة بقصورها (Hypothyroidism) بعد سن الأربعين، وتتشابه أعراضها جدًا مع الاكتئاب (خمول، زيادة وزن، حزن).

اجتماعيًا، تجد المرأة نفسها ضحية ما يسمى "جيل الساندوتش" (Sandwich Generation)؛ فهي "محشوة" بين ضغوط رعاية أبنائها المراهقين - أو رعب الوحدة إن لم تكن تزوجت - وبين رعاية والديها المسنين، وهو عبء يستنزف طاقتها.

يرافق ذلك قلق التقدم في العمر، والتعامل مع التغيرات الجسدية وفقدان "الشباب" بمعايير المجتمع، والخوف من المستقبل الصحي والمادي.

صورة تم تصميمها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم تصميمها بالذكاء الاصطناعي

اكتئاب أم حالة "ما قبل انقطاع الطمث"؟

يختلف شكل هذا الاكتئاب عن اكتئاب العشرينيات؛ فهو يمتزج بأعراض جسدية واضحة.

إلى جانب الحزن المستمر، والشعور بالفراغ، واليأس، يبرز "التهيج وسرعة الغضب" كعرض شائع جدًا أكثر من الحزن البكائي المعتاد، بالإضافة لفقدان المتعة بالأنشطة (Anhedonia) والشعور بالذنب أو انعدام القيمة.

أما جسديًا ومعرفيًا، فتعاني المرأة من "الضباب الذهني" (Brain Fog)، وهو صعوبة في التركيز أو النسيان المتكرر، واضطرابات النوم كالأرق الشديد أو الاستيقاظ المتكرر المرتبط بالتعرق الليلي، وأشهرها الإرهاق المزمن الذي لا يزول مع الراحة، وآلام جسدية غير مبررة كالصداع وآلام العضلات.

وقد سلطت دراسة جديدة، نشرتها الدكتورة إيمي سبيكتور في الدورية الطبية "Journal of Affective Disorders"، الضوء على هذا الرابط، حيث تبين أن النساء في مرحلة "ما قبل انقطاع الطمث" أكثر عرضة بنسبة 40% تقريبًا للإصابة باضطرابات نفسية مقارنة بغيرهن.

وتتميز هذه الحالة بخصوصية شديدة، فبينما تتشابه مع الاكتئاب الرئيسي في الأعراض العامة، يميل اكتئاب هذه المرحلة إلى ظهور مشاعر غضب وانزعاج وريبة أكثر حدة.

وتشكل الأعراض البدنية (الهبات الساخنة والتعرق) "وقودًا" يزيد من حدة الأعراض النفسية. لذا توصي هيئة الصحة النفسية الأمريكية باعتبار القلق الشديد أو الانزعاج خلال هذه الفترة دلالة على اكتئاب يستوجب الانتباه، وليس مجرد أعراض انقطاع طمث اعتيادية.

وتوصي هيئة الصحة النفسية الأمريكية بأن يكون الشعور الشديد بالقلق أو الانزعاج أو فقدان المتعة خلال هذه الفترة دلالة على وجود اكتئاب، وليس مجرد أعراض انقطاع الطمث الاعتيادية.

ثمن شراء الوقت

في زحام الطريق، لمحت "مها" سيارة تقودها سيدة في مثل عمرها تقريبًا، تنهكها مكالمة هاتفية، بينما تجلس في الكنبة الخلفية فتاة صغيرة بزي مدرسي.

التقت عينا "مها" بالفتاة، فابتسمت لها وبادلتها الصغيرة الابتسامة. تسللت إلى قلبها سعادة خفيفة، لكنها كانت هشّة، ما لبث أن بددها ذلك "الظل" العائد بذاكرتها خمس سنوات إلى الوراء.

خاضت "مها" حينها، وهي في السابعة والثلاثين، مغامرة أخفت تفاصيلها عن الجميع.

بعد تردد ومشورة محبطة من المحيطين، طرقت باب "الطب" في مركز كبير، وجلست أمام طبيبة شهيرة. كانت الإجابات مقتضبة تناسب جدول الطبيبة المزدحم، لكنها كانت كافية لتدفع "مها" نحو إجراء التحاليل لحسم القرار.

حين عادت بالنتائج، كانت الصدمة مغلفة بابتسامة مهنية باردة. سألت "مها": "كنت عايزة أسأل حضرتك ليه أرقام التحليل أقل من اللي عملته من سنتين؟".

جاء الرد كحكم قضائي: "شيء طبيعي جدًا في سن 37 أن يتناقص مخزون البويضات.. ده كويس أوي بالنسبة لسنك. الطبيعي إن العملية دي تتعمل في أوائل الثلاثينات.. إنتِ كده اتأخرتي".

بزنس الأمل.. وشيك الضمان المفقود

خرجت "مها" يومها وهي تلعن ترددها، وقررت خوض عملية "تجميد البويضات" (Oocyte Cryopreservation)، ذلك الإجراء الطبي الذي يبدو في ظاهره طوق نجاة حديث يهدف لحفظ البويضات في درجات حرارة منخفضة جدًا (-196 درجة مئوية في النيتروجين السائل) لاستخدامها لاحقًا.

ورغم أن العالم سجل أول مولود بهذه التقنية عام 1986، إلا أنها لم تنتشر في مصر إلا مؤخرًا كأمل للنساء اللاتي يواجهن ظروفًا صحية أو اجتماعية تعرقل الإنجاب.

لكن ما لم يخبر به أحد "مها" بوضوح في غمرة الأمل، هو الحقيقة الرقمية القاسية: الوقت هو الخصم الأول.

فبحسب اختصاصية تبويض في "جونز هوبكنز"، تنخفض جودة البويضات دراماتيكيًا مع العمر؛ حيث تصبح 90% من البويضات غير طبيعية عند سن 43 عامًا.

وتؤكد مراجعة منهجية في 2024 أن فرصة الإنجاب (معدل نجاح الحمل) كانت 52% لمن جمدن بويضاتهن قبل سن 35، بينما هبطت النسبة إلى 19% فقط لمن فعلن ذلك بعد الأربعين. المعادلة قاسية: كلما زاد العمر، تضاءل الأمل.

فخ التكلفة والحسابات المستحيلة

لم يكن الاستنزاف نفسيًا فقط، بل ماديًا بامتياز. وجدت "مها" نفسها أمام فاتورة باهظة تنقسم لمرحلتين: مرحلة "التحفيز والسحب" التي تتراوح تكلفتها في مراكز القاهرة بين 70 و90 ألف جنيه مصري - حسب استجابة الجسم لأدوية الهرمونات -، تليها مرحلة "الإيجار السنوي" للأمل، وهي رسوم تخزين تتراوح بين 1000 و2000 جنيه تدفع سنويًا كالتزام طويل الأمد.

والمفارقة الكبرى تكمن في "الكمية". فالمتوسط الذي يمكن سحبه في العملية الواحدة هو 5 بويضات فقط. بينما التوصيات الطبية للمرأة التي تقترب من الأربعين تستلزم تجميد ما بين 20 إلى 30 بويضة لضمان فرصة حقيقية (نسبة نجاح منخفضة لا تتعدى 3-5% بعد سن 43). هذا يعني عمليًا أن عليها تكرار هذه العملية المكلفة والمجهدة من 4 إلى 6 مرات.

غادرت "مها" العيادة وفي ذهنها حقيقة واحدة مرة: هذه التقنية التي تروج كحل سحري، قد تكون في واقع الأمر "ترفًا" لمن يملكون القدرة المالية على "شراء الوقت"، ومطلوب منها ببساطة أن تدخر في عشريناتها، لتتمكن من إنقاذ ما تبقى من أربعيناتها.

حين تخرج الطبيعة لسانها

عادت "مها" إلى غرفتها، وإلى سكونها. فتحت دفتر مذكراتها القديم، لعلها تجد فيه ما يفسر كيف وصل بها الحال إلى هنا. وقعت عيناها على سطور كتبتها يدها في زمن مضى، حين كان الوقت لا يزال ملك يمينها، فقرأت بصوت خافت:

"لم أحدد موقفًا معينًا من الإنجاب. أشعر أنه مسؤولية كبيرة وعلى قدر كبير من الأنانية. فغالبًا ما ينجب الناس كي لا يشعروا بأن شيئًا معتادًا في حياة الجميع قد فاتهم، لا يشعرون أنهم أدنى من الأقارب والأصدقاء دائمي التذمر من الأطفال، ولكنهم في الوقت ذاته يحظون بنداء بابا وماما".

تتوقف قليلًا، وتمرر أصابعها على الكلمات وكأنها تحاول استحضار تلك "الأنا" القديمة، ثم تكمل القراءة:

"أو ربما ننجب رغبة في وجود امتداد طبيعي لذواتنا؛ تجسيد أخير لآمالنا وأحلامنا الميتة في كائن آخر يملك القدرة على أن يبث فيها الحياة.. أما أنا فلستُ واثقة حقًّا هل تحررت من الأنانية؟ أم أنها هي ما تشعل في رأسي تساؤلات عن كيف سيكون الحال عندما تصلين إلى الأربعين؟ عندما لا تملكين الخيار، ويصبح ما يبدو لكِ الآن كاختيارك الحرّ قد تحول إلى فرض من قوانين الطبيعة، لتخرج لك لسانها ساخرة وتغني: فات المعاد".

الآن، وقد أخرجت الطبيعة لسانها بالفعل، تواجه "مها" سؤال المقامرة الكبرى الذي خطته في مذكراتها:

"هل يستحقّ الخوف من الندم أن أقوم بالمقامرة بمستقبلي ومستقبل طفل ليس له من الأمر شيء، بالمجيء لأب وأم لا يعلمان حقًا إن كانا متوافقين بالشكل الكافي لإنجابه؟ على الأقل لأنتظر قليلًا للتأكد أنه بالفعل الأب المناسب لابنتي.. أرغب في ابنة.. فتاة تشبه بطلات قصص الأطفال، مثالية، حالمة، مثقفة، رقيقة، والأهم أن تكون سعيدة... ففي بلادي أن تصنع فتاة سعيدة أصعب بكثير من أن تصنع فتى سعيدًا".

تغلق الدفتر، ويبقى السؤال الأبدي معلقًا في فضاء الغرفة، يتردد صداه بين اكتئابها الحاضر وأحلامها المؤجلة: "هل فاقد الشيء لا يعطيه؟ أم العكس، فاقد الشيء هو أكثر من يشعر بقيمة المفقود منه، فيسعى لتوفيره فيمن حوله؟!! يجب أن تكون ابنتي سعيدة، وإن كنتُ لا أعلم على وجه التحديد معنى السعادة".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة