الخميس, يناير 15, 2026
spot_img

“القلق”.. بطل خفي يكتب أيضًا الحكاية

ذلك الشعور المستمر بالعصبية والتوتر، نوبات الخوف التي تمنعك من التحكم في ردود أفعالك، عرق شديد ورجفة خفيفة، كل تلك المؤشرات هي أعراض لـ “القلق”. ذلك الوحش الخفي الذي يشاركنا تفاصيل يومنا ويقاسمنا مائدة الطعام، ويسرق النوم ويطرح أسئلة لا تنتهي. في هذا التقرير نستعرض كيف ربط الكُتاب بين تلك المعركة اليومية الطاحنة والأدب، وكيف تحول القلق بطلًا لـ “الحدوتة” ليكون شريكًا رئيسيًا في الأحداث ومحور حياة شخصياتها.

التيه في زحام الوباء

في رواية “القرية” للكاتب الروسي إيفان ألكسييفيتش بونين -الحائز على نوبل 1933- واحدة من أوائل الأعمال الأدبية التي جعلت من “القلق” بطلًا وجوديًا وشريكًا في صياغة الأحداث ومصائر شخصياتها. كما عكست الواقع الريفي الروسي وطابعه كما يراه بونين، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

رسم صورة مأساوية للقرية الروسية بعيدًا عن الاتجاه الرومانسي -الذي كان شائعًا في الأدب الروسي- عن حياة الريف في ذلك الوقت. فكتب عن الفلاحين كمجموعة من الجهلاء، يعيشون في قلق وعزلة في ظل ظروف مجتمعية صعبة، بلا تعليم، ولا حياة ولا طموح وآمال مستقبلية. حيث يتحكم القلق في أحداث هذه الرواية. واهتم بونين أن يظهر من خلال تلك الأحداث فشل النظام في تحسين أوضاع الفلاحين بعد إلغاء العبودية في عام 1861. وعبر عن كراهية الروس للألمان آنذاك. حيث استخدم اسم “بيسمارك”، أي، أوتو فون بسمارك حاكم ألمانيا وموحدها، وأطلقه على تمثال “ثور الفلاح”.

“القرية”.. عاش بها القديسون يتنبؤون بأحوال روسيا المستقبلية. ويُظهر بونين حياة الريف كـ “بيئة فاسدة” تعاني الأمطار والطين والوباء. واعتبروه “غضبًا إلهيًا” وشعروا أنه عقاب السماء، قرأوا كتب السحر وتخبطت الشخصيات. وخوفًا من الوباء أصيبوا بالقلق، وعاشوا حالات التيه والتشتت الروحي والنفسي.

الشخصيتان الرئيسيتان هما: تيخون “العربيد السكير العنيف” الذي يتحكم في أهل القرية، وأخوه كوزما، رجل هادئ الطباع يحب التأمل.

يُصلي الفلاحون صلاة السكينة للتخلص من الجذام، الوباء الذي حل بقريتهم، وغير معالمها وملامح ساكنيها، صلى ذاكر جيفسكي الكلاف -بجانب بالاشكين- القديس- وابتهلا، ودعوا الرب كثيرًا لأجل انتهاء هذه الأزمة الدخيلة على حياتهم، حيث تبدلت أحوال الرجال، وأصيبوا بالصلع، أما النساء فاحتفظن بملامحهن الجميلة، ولم ينل منهن الوباء.

“كان كوزما يحلم أن يكتب ويتعلم طوال حياته. ما قيمة الأشعار؟ الأشعار كانت مجرد وسيلة يتسلى بها. لقد أراد أن يروي كيف كان يموت أهل قريته؟ أن يصور بقسوة -لا مثيل لها- فقره وتلك البيئة المخيفة ببدائيتها التي كانت تشوهه، وتجعل منه شجرة كرمة عقيمة”.. مقتبس عن رواية “القرية”.

يحاول “كوزما” الكاتب والصحفي المتمرد، طوال الأحداث، أن يؤلف رواية مستوحاة من أحداث قريته، لكنه كان يفشل بسبب الظرف الاقتصادي والاجتماعي، أصيب باليأس والقلق، مثله مثل أبناء قريته.

القلق في متاهة العزلة

في “مئة عام من العزلة” للكاتب جابرييل جارسيا ماركيز، التي تبدأ بتأسيس خوسيه أركاديو بوينديا، وزوجته أورسولا قرية منعزلة اسمها “ماكوندو”. حيث “القلق” هو المحرك الخفي لكل شيء، عاش الزوجان حياة بدائية، لكن ظل شبح البحث عن المجهول يطارد خوسيه بشكل جنوني، خاصةً بعد زيارات الغجر المتكررة للقرية بقيادة “ميلكيادس”، الرجل الذي يتلاعب بأشياء وعناصر ورموز عدة، يتجاهلها عادة أهل القرية، لكنه يسحر أعينهم وأولهم خوسيه باختراعات جديدة تبهرهم؛ كالمغناطيس الذي يجذب المعادن تجاهه، وكأنها تتحرك من تلقاء ذاتها، والتليسكوب الذي يُقرب الأشياء، ويجعلها تبدو واضحة.

ولم تكن مجرد اختراعات جديدة، بل بذور القلق التي زُرعت في عقل خوسيه، وجعلته في حالة تشتت ذهني، يطارد أسرار الطبيعة ويترك واقع أسرته ينهار. وحتى اختراع “الثلج” الذي رآه هو وابنه الصغير أوريليانو، يظل يطارد الطفل كذكرى قلقة حتى بعدما صار رجلًا كبيرًا.

في عالم ميلكيادس الذي سحر خوسيه وفتنه، بل وقلب حياته رأسًا على عقب، أصبح تائهًا إلى الدرجة التي جعلته ينسى واجباته، حتى صرخت فيه زوجته: “انظر إلى أطفالنا وهم يشردون بالحديقة حفاة كالحمير”، فلم ينشغل إلا بالاختراعات الجديدة في معمله الكيميائي.

و”ماكوندو” التي تشبه قرى من واقعنا، ليست فقط في شكل المزارع والمواشي، بل في تلك العادات والتقاليد التي تسجن الناس داخلها. زواج الأقارب، والذي لم يكن دافعه الحب، بل كان الخوف من المصير المجهول والقلق من الغرباء. هي قرى تبني أسوارها على أطلال الماضي، وتعيش على “الحواديت” المتوارثة تمامًا كما تتناقل الأجيال الجينات، ما يمنع أي بصيص أمل أو تطور من الدخول إلى عالمها الصغير المحدود.

يتحول “القلق” إلى ثيمة ثانية بعد “العزلة”، خاصةً بعد قدوم اثنين من القرية المجاورة هربًا من القلق الذي أصاب قريتهما، فانتشرت العدوى أولًا بين أفراد عائلة خوسيه، بدءً من الأطفال والأب والأم، انتهاءً بخدم ومساعدي المنزل. تفشى القلق رويدًا رويدًا بين أهالي القرية. ويمكن القول أن ماركيز، ربط الاثنين سويًا، فالعزلة تولد القلق، والقلق يجبر الناس على مزيد من الانعزال، وكأن كل واحد منهما يكمل الآخر.

كل فرد بقرية ماكوندو في عزلةٍ عن الآخر، وأبناء خوسيه، ليسوا أفرادًا فحسب، بل حلقات في سلسلة متصلةٍ لا تنكسر؛ يُعيدون كل تفاصيل عائلاتهم؛ أسمائهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وحتى أخطائهم. كأن الزمن ثابت جامد لا يحرك ساكنًا. لا يمضي بل يلف حول نفسه لفات عدة.

كان تكرار الاسماء عند ماركيز في هذه الرواية دلالة على دوائر القدر وتشابهها، فكل شخص من أفراد هذه العائلة يعيش في عزلة وقلقٍ دائمين سواء كانت سياسية، أو عاطفية، أو جسدية، أو عقلية، إضافة إلى العزلة المكانية في قرية ماكوندو ذاتها.

“أوريليانو الأخير” آخر سلالة العائلة، يستطيع قراءة وترجمة المخطوطات التي تركها ميلكيادس محفوظة بمعمل خوسيه باللغة “السنسكريتية” ليكتشف الأخير أن كل ما حدث لعائلته، منذ تأسيس ماكوندو وحتى لحظته هذه، كان مدونًا سلفًا، وحين ينتهي من قراءة السطر الأخير، تتحقق النبوءة، وتفنى العائلة بالكامل، وتختفي ماكوندو التي عاشت قرابة مئة عام من العزلة، وكأنها لم تكن.

وباء العجز والسيطرة

تدور أحداث رواية “وقائع حارة الزعفراني” للكاتب جمال الغيطاني، حول وباء “العجز الجنسي” الذي يصيب الناس بحارة الزعفراني في حي الحسين. يتردد أهل الحارة على الشيخ “عطية” الذي يسكن أسفل سلم آخر بيت في الحارة، يسألونه حلًا لهذا الوباء، ليكتشفوا إصابتهم جميعًا باستثناء رجل واحد غير معروف.

يصيب القلق والتوتر أهل الحارة، يعيشون حالة ترقب إلى أن ينتهي الوضع، حتى قرر الشيخ عطية “شيخ الحارة” أن يحرم على الرجال دخولها لحين انتهاء الوباء، أعد طلسمًا لفك التعويذة، وأمر النساء بنقله إلى الرجال خارج أبواب الحارة، وفرض إجراءات مشددة حتى يتخلصوا من اللعنة.

لكنهم -أهل الحارة- تمردوا على الشيخ بعدما أصبح متحكمًا في مصائرهم وصراعاتهم النفسية وتلك التي يخوضونها فيما بينهم، تمردوا عليه فحولهم إلى حيوانات وأحجار صماء لا تحرك ساكنًا. حتى كان مصيرهم الهلاك.

وتنهمك نساء الحارة بنقل “الطلسم” الذي أعده الشيخ عطية إلى الرجال بعدما حرّم عليهم دخول الحارة، أو التعامل مع أهلها أو التواصل بأي شكل من الأشكال، وكل من لا يفعل يصاب بالعجز الجنسي.

الجهل والخوف في “نجع المناسي”

في “صلاة القلق” للكاتب محمد سمير ندا، ننتقل إلى قرية “نجع المناسي” التي تتعرض لسقوط جسم غريب ومبهم من السماء، يتبعه انتشار وباء الجذام الذي يغير ملامح الأهالي ويصيبهم بالصلع. تبدأ الرواية بعبارة ترسم حجم المأساة: “استيقظ الشيخ أيوب المنسي صباح اليوم، فلم يجد رأسه بين كتفيه. نال منه الوباء فحول رأسه كتلة عظمية جرداء، وبدت أقرب إلى هيئة الحصى، بينما احتفظ جسده الطاعن بقوام بشري يحاكي في خموله السلاحف”.

يسيطر شعور القلق على أهالي النجع، خاصة مع تزامن هذا الوباء مع سنوات الحرب في الفترة من 1967 إلى 1977. عاشوا في عزلة تامة، مقتنعين أن قريتهم محاطة بالألغام، فعجزوا عن مغادرتها، ليجدوا أنفسهم فجأة في حالة من العجز وقلة الحيلة، حتى صاروا يعيشون على الأوهام التي يصورها لهم “خليل الخوجة” عبر مجلة “صوت الحرب” وراديو القرية، الذي يبث أنباء عن انتصارات وهمية رغم أن أغلبهم لا يعرف القراءة والكتابة.

في هذا النجع، ممثل القمع والسلطة هو “خليل الخوجة”، الذي يتحكم في أرزاق الناس ومصائرهم بما أعطته الحكومة المصرية من صلاحيات، يوزع عليهم حصص الطعام كما يرى، ويقتطع من أموالهم من أجل “المجهود الحربي” كما يحب. حتى عاش أهل النجع في حيرة وقلق دائمين حول هويته الحقيقية: هل هو مجرد تاجر، أم ممثل للحكومة، أم جاسوس؟ فكل محاولاتهم للتعرف عليه كانت مجرد اجتهادات من وحي خيالهم، وما هي مؤهلاته كي تمنحه الحكومة كل هذه الصلاحيات، له رغم أنه غريب عن النجع، ولا يعرف الناس عنه أو عن هويته الحقيقية.

من جهة أخرى، يضيق “المنسي” رجل الدين في النجع، من سطوة خليل الخوجة ويخاف منافسته له على المكانة والسيطرة، فيحاول استعادة نفوذه عن طريق الدين. 

يبتكر المنسي طقوس صلاة مستحدثة أطلق عليها اسم “صلاة القلق” كطريقة للتخلص من الوباء. واستغل القلق والخوف الذان سكنا نفوس أهالي النجع بعد رؤية عبارات سوداء مبهمة على جدران بيوتهم، وأمرهم بممارسة هذه الصلاة، متلاعبًا بالنصوص الدينية لإحكام سيطرته عليهم، وخطب فيهم:

“أطيعوا الله في شيخكم إن جاءكم بصلاةٍ نتضرع فيها إلى الخالق أن يُجنبنا سوء المُنقلب؛ فإن أتيتكم بما يُخالف فُرقانه أعدتمُوني إلى صوابي، و ان كانت غاية الصلاة هي التّقرب إلى الخالق و السجود بكل الندم و الخشوع أسفل عرشه، فلا ضَرر يحيق بكم ولا ضِرار”.

وفي نهاية الرواية، نكتشف أن “حكيم الأخرس” هو مدون هذه الأحداث عبر يوميات جلسات العلاج النفسي بمستشفى العباسية. ينجو حكيم من الوباء، ومعه “شواهي” المرأة الغجرية الفاتنة التي لم يمسها المرض رغم نظرة المجتمع الدونية لها. 

أما بقية رجال النجع، فقد تمكن منهم وباء القلق لدرجة أدت بهم إلى العجز الجنسي، ما جعل زوجاتهم يتعلقن بأوهام حول تمثال للزعيم جمال عبد الناصر يملكه خليل الخوجة، ويتخيلن أنه رمز للقدرة والقوة التي افتقدها رجالهن بسبب القلق.

دوّن حكيم- الكاتب- هذه المشاعر والأحاسيس وهذا القلق الذي سيطر على أهالي النجع عبر الأوراق والأقلام. صلته الوحيدة بهذا العالم المليء بالقلق والتوتر؛ فإن انقطعت هذه الصلة سقط في عوالم بديلة. الحبر هو ما كان يغذي طاقته ويحكيه بخياله. فإن جف الحبر ذبل الجسد، واستعدت الروح للرحيل. بهذه العبارة جاءت خاتمة الرواية؛ وكأن أحداثها مستمرة حتى كتابة هذه السطور، كما أخبرنا الكاتب في بدايتها.

هكذا يظهر لنا القلق عبر هذه الأعمال ليس كحالة نفسية عابرة، بل قوة محركة تغير شكل القرى وتتحكم في المصائر والناس. هي معركة نخوضها يوميًا مع هذا الوحش الخفي، يكتب عنها الأدباء كتجربة إنسانية مستمرة.

موضوعات ذات صلة