دشن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حقبة جديدة من التدخل الدولي المباشر، متجاوزًا كل الخطوط الحمراء التقليدية لمفهوم "السيادة الوطنية"، بإعلانه فجر الثالث من يناير 2026 عن نجاح القوات الأمريكية في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من قلب العاصمة كاراكاس.
لم يتوقف الأمر عند عملية الاعتقال التي أطلق عليها اسم "العزم المطلق" (Absolute Resolve)، بل تعداه إلى تصريح غير مسبوق في الدبلوماسية الحديثة، حيث أكد ترامب في مؤتمر صحفي من منتجع "مار إيه لاجو" بنبرة حاسمة: "سندير البلاد إلى حين إمكانية إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم للسلطة"، في خطوة وصفها تقرير لـ "تشاتام هاوس" (Chatham House) بأنها تضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية مباشرة ومعقدة عن إدارة دولة أجنبية.
ليلة السقوط بين "الرمح الجنوبي" و"العزم المطلق"
بدأت تفاصيل هذه الليلة التاريخية تتكشف عبر هجوم عسكري خاطف وواسع النطاق استهدف العاصمة الفنزويلية والمناطق المحيطة بها. ووفقًا لتحليل "معهد روبرت لانسينج" (Robert Lansing Institute)، فإن هذا الهجوم لم يكن وليد اللحظة، بل جاء بعد تصعيد استراتيجي بدأ منذ نوفمبر 2025 تحت مظلة عملية أوسع حملت اسم "الرمح الجنوبي" (Southern Spear)، والتي أطلقتها واشنطن بمزاعم تفكيك "الشبكات الإجرامية" المتحالفة مع حكومة مادورو.
إلا أن العملية النوعية التي نفذت فجر السبت لانتزاع رأس النظام حملت اسمًا كوديًا خاصًا هو "العزم المطلق".
في تفاصيل المشهد العسكري التي أوردها "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS)، نجحت القوات الأمريكية في السيطرة الكاملة على الأجواء الفنزويلية عبر عمليات تشويش إلكتروني قطعت رادارات الدفاع الجوي وعطلت شبكة الكهرباء، ما مهد الطريق لقوات العمليات الخاصة "دلتا فورس" (Delta Force) - بحسب تأكيدات معهد روبرت لانسينج - لتنفيذ إنزال دقيق في مقر إقامة مادورو.
تم نقل الرئيس المعتقل وزوجته فورًا إلى حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس إيو جيما" (USS Iwo Jima)، تمهيدًا لترحيلهما إلى نيويورك لمواجهة "الغضب الكامل للعدالة الأمريكية"، بحسب وصف المدعية العامة الأمريكية باميلا بوندي.
اقتصاديات الغزو.. النفط وتوفير الـ 50 مليونًا
لم يُخفِ الرئيس الأمريكي الأهداف الاقتصادية المرافقة لهذا التحرك العسكري؛ إذ صرح بوضوح أن شركات النفط الأمريكية الكبرى "ستدخل لتنفق المليارات وتصلح البنية التحتية المتهالكة لتبدأ في جني الأموال للبلاد"، وفق ما نقلته صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
وفي مشهد يعكس تحول الإدارة الأمريكية نحو "عسكرة القضاء"، وقف وزير الخارجية ماركو روبيو إلى جوار ترامب ليؤكد أن العملية "وفرت على الخزانة الأمريكية 50 مليون دولار"، في إشارة إلى المكافأة التي كانت مرصودة لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض على مادورو، مستندًا إلى لائحة الاتهام التي وجهت إليه في عام 2020 بتهمة "الإرهاب المرتبط بالمخدرات".
وفيما ظهر وزير الدفاع بيت هيجسيث (الذي وصفه تقرير تشاتام هاوس بـ"وزير الحرب" في دلالة رمزية على الطبيعة الهجومية للعملية) ضمن فريق إدارة الأزمة خلف ترامب، سادت حالة من الارتباك في كاراكاس.
ورغم إعلان ترامب أن نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز "قد أدت اليمين" كبديل مؤقت، إلا أن تقارير "يورو نيوز" (Euronews) أكدت غياب أي إعلان رسمي فنزويلي بهذا الشأن، بينما طالبت رودريجيز نفسها بـ "إثبات حياة" للرئيس المختطف، واصفة ما حدث بأنه "عدوان إمبريالي".

رسائل بالنار إلى بكين وموسكو
لم يكن توقيت عملية "العزم المطلق" معزولًا عن رقعة الشطرنج الدولية؛ ففي تفصيل دقيق يبرز البعد الجيوسياسي للعملية، كشف "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS) أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كان قد التقى بمبعوث صيني خاص "قبل ساعات قليلة فقط" من اقتحام القوات الأمريكية لمقر إقامته واعتقاله.
يشير تحليل المركز إلى أن توقيت الضربة يحمل رسالة شديدة اللهجة إلى بكين - التي أقرضت فنزويلا أكثر من 60 مليار دولار في العقود الأخيرة - مفادها أن النفوذ الصيني في الحديقة الخلفية لواشنطن قد انتهى، وأن الدبلوماسيين الصينيين الذين ربما لم يغادروا البلاد قبل الهجوم باتوا شهودًا مباشرين على عودة "الهيمنة الأمريكية".
وعلى الجانب الآخر من معادلة القوة، لفت "معهد روبرت لانسينج" (Robert Lansing Institute) الأنظار إلى ما وصفه بـ "الصمت الاستراتيجي" لموسكو.
فعلى الرغم من التحالف الوثيق بين الكرملين وقصر ميرافلوريس (المقر الرسمي لرئيس فنزويلا)، اكتفت روسيا بإدانة خطابية، في موقف فسره المعهد بأنه "ضبط نفس محسوب" وليس تخليًا مفاجئًا؛ إذ تدرك موسكو أن فنزويلا تقع عسكريًا ضمن "المجال الحيوي" للولايات المتحدة، وأن أي محاولة للتدخل العسكري لإنقاذ مادورو ستعني مواجهة خاسرة مع واشنطن، مفضلة الاحتفاظ بأوراقها للعب على وتر الفوضى المحتملة لاحقًا بدلًا من الانخراط في معركة خاسرة سلفًا.

"الإمبريالية العارية" وعودة "شرطي القارة"
وإذا كان المشهد يبدو صادمًا للمراقب الحديث، فإنه بالنسبة لتياجو روجيرو، مراسل شؤون أمريكا الجنوبية في صحيفة "الجارديان" (The Guardian)، يمثل "عودة إلى الأصل" أو ما وصفه بـ "الإمبريالية العارية" (Naked Imperialism)، أو أيديولوجية توسيع النفوذ والسيطرة على دول أخرى.
يرى روجيرو أن تصريح ترامب بأن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن تكون موضع شك بعد اليوم" هو إحياء صريح ومحدث لـ "مبدأ مونرو" لعام 1823، ولكن بصيغة أكثر فجاجة تُعرف الآن بـ "لازمة ترامب" (Trump Corollary) وفقًا لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة.
ويعيد روجيرو التذكير بأن ما حدث في كاراكاس فجر السبت ليس حدثًا فريدًا بقدر ما هو استعادة لسيناريو بنما عام 1989، حين أمر الرئيس جورج بوش الأب بغزو البلاد بـ 27 ألف جندي في عملية "القضية العادلة" لاعتقال الديكتاتور مانويل نورييجا - حليف الـ CIA السابق - بتهم المخدرات، في مشهد انتهى بصورة شهيرة لنورييجا مكبلًا بالسلاسل، وهو المصير ذاته الذي يواجهه مادورو الآن.
قرنان من التدخل: من قضم المكسيك إلى "عملية كوندور"
ويستعرض تقرير "الجارديان" سجلًا دمويًا يضع التدخل الحالي في سياقه التاريخي، مؤكدًا أن واشنطن لم تتردد يومًا في استخدام القوة العسكرية لتشكيل خرائط جيرانها. فمن الحرب المكسيكية الأمريكية (1846-1848) التي انتهت بانتزاع واشنطن لـ 55% من الأراضي المكسيكية (بما فيها كاليفورنيا وتكساس حاليًا)، مرورًا باحتلال هايتي الطويل (1915-1934) للسيطرة على الجمارك والخزانة، وصولًا إلى الدور الخفي والعلني في دعم الانقلابات العسكرية خلال السبعينيات.
ويشير التقرير إلى "عملية كوندور" (Operation Condor) في السبعينيات، حيث قدمت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشورة الفنية لأجهزة القمع في ديكتاتوريات البرازيل وتشيلي والأرجنتين لاغتيال المعارضين.
ويرى آلان ماكفرسون، أستاذ التاريخ في جامعة تمبل، في حديثه للجارديان، أن الصدمة الحالية لا تنبع من حداثة الفعل، بل من الاعتقاد الخاطئ بأن "عصر فرض النتائج السياسية بالقوة العسكرية البحتة قد ولى في القرن الحادي والعشرين"، وهو ما أثبت ترامب خطأه عمليًا.

"حكومة الظل" بواشنطن ومتاهة الشرعية بكاراكاس
فيما يبدو أنه تطبيق عملي لمبدأ "من يكسر شيئًا يمتلكه" (Pottery Barn rule) الذي أشار إليه ريان سي بيرج من "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS)، تضع الولايات المتحدة نفسها الآن أمام استحقاق معقد يتجاوز عملية الاعتقال.
فوفقًا لتحليل لوريل راب من "تشاتام هاوس" (Chatham House)، فإن المجموعة التي اصطفت خلف ترامب أثناء إعلان البيان - وتضم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف - ستعمل فعليًا كـ "قادة الأمر الواقع" لفنزويلا في المرحلة المقبلة.
هذا الترتيب يطرح تساؤلات دستورية شائكة في الداخل الفنزويلي؛ فبينما أشار ترامب إلى أن نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز "أدت اليمين"، يؤكد جيسون ماركزاك من "المجلس الأطلسي" (Atlantic Council) أن رودريجيز ملزمة دستوريًا بالدعوة لانتخابات خلال 30 يومًا، متجاهلًا بذلك - مؤقتًا - حقيقة وجود رئيس منتخب فعليًا من قبل المعارضة في انتخابات 2024، وهو إدموندو جونزاليس، الذي تشير نتائج التصويت الحقيقية إلى فوزه الساحق.
هذا الغموض يخلق "فراغًا خطيرًا" بحسب وصف "يورو نيوز"، حيث ظهرت رودريجيز على التلفزيون الرسمي ليس لتعلن استلام السلطة وفق الرؤية الأمريكية، بل لتدعو إلى تشكيل "مجلس وطني للدفاع عن الأمة"، مؤكدةً أن مادورو لا يزال "الرئيس الوحيد"، مما يشي بأن سيناريو "الانتقال السلس" الذي بشر به ترامب قد يصطدم بجدار من المقاومة البيروقراطية والسياسية الصلبة داخل النظام التشافي المترسخ.

بين "الخيانة المربحة" و"كابوس الكوليكتيفوس"
أمام هذا المشهد الضبابي، يطرح أليكس بليتساس من "المجلس الأطلسي" ثلاثة سيناريوهات لمستقبل البلاد، تتراوح بين الأمل الكاذب والكارثة المحققة:
السيناريو المتفائل (الخيانة): أن يؤدي اعتقال "الرأس" إلى تحفيز انشقاقات واسعة داخل النخبة العسكرية والسياسية، سعيًا وراء صفقات قضائية أو طمعًا في جزء من المكافآت المالية الأمريكية. ويرجح تقرير (CSIS) أن دقة عملية الاعتقال تشي بالفعل بوجود "مساعدة من الداخل" من قبل مسؤولين فضلوا التضحية بمادورو مقابل تأمين مستقبلهم.
السيناريو الواقعي (حكومة الوصاية): أن تدير واشنطن البلاد عبر "واجهة محلية" هشة، مع بقاء الهياكل العميقة للنظام القديم تقاوم بصمت.
السيناريو الكابوسي (حرب الشوارع): وهو ما يحذر منه الخبراء بشدة، حيث قد يؤدي تفكك السلطة المركزية إلى تحول فنزويلا إلى ساحة لحرب عصابات غير متناظرة.
وهنا يبرز خطر جماعات "الكوليكتيفوس" (Colectivos) - الميليشيات المسلحة الموالية للنظام - التي قد تندمج مع بقايا الجيش وشبكات الجريمة المنظمة لشن هجمات دموية ضد القوات الأمريكية أو الحكومة الانتقالية، محولة كاراكاس إلى "بغداد جديدة" في أمريكا اللاتينية.

معضلة الذهب الأسود: الأمن قبل الأرباح
في قلب هذه الاستراتيجية الأمريكية تقع "احتياطيات النفط الأكبر في العالم". ورغم حماسة ترامب لإرسال الشركات الأمريكية "لإصلاح البنية التحتية وجني الأموال"، يصب ديفيد جولدون من "المجلس الأطلسي" ماءً باردًا على هذه التوقعات.
يرى جولدون أن عودة عمالقة الطاقة الأمريكيين مرهونة بشرط واحد: "الأمن". فبدون بيئة أمنية مستقرة وقانون استثمار واضح، لن تغامر الشركات بمليارات الدولارات في دولة قد تنفجر أنابيب نفطها بعبوات ناسفة في أي لحظة.
ويضيف جولدون تعقيدًا آخر يتعلق بـ "إدارة العوائد"؛ فهل ستذهب أموال النفط لتمويل "حكومة الوصاية" مباشرة، أم ستوضع في حسابات مجمدة تحت إشراف الفيدرالي الأمريكي؟ هذا التفصيل التقني قد يكون الفتيل الذي يشعل غضب الشارع الفنزويلي إذا شعر بأن ثروته الوطنية تُستخدم لتمويل "الاحتلال" بدلًا من إطعامه.
هيمنة مطلقة وإقصاء للمنافسين
وتؤكد ليزلي فينجاموري من "مجلس شيكاغو للشؤون العالمية" (Chicago Council) أن العملية تتجاوز فنزويلا لتكون التطبيق الأول والأخطر لـ "استراتيجية الأمن القومي" الجديدة لترامب، والتي تهدف إلى "الهيمنة المطلقة" على نصف الكرة الغربي.
الهدف الضمني هنا ليس فقط تأمين النفط أو مكافحة المخدرات، بل "اقتلاع" أي نفوذ للصين وروسيا من القارة. إنها رسالة بأن أمريكا اللاتينية عادت لتكون "منطقة نفوذ حصري" لواشنطن، وأن قواعد الاشتباك القديمة التي سمحت لبكين ببناء نفوذ اقتصادي ناعم قد انتهت بضربة عسكرية خشنة.
اختبار الإثنين.. هل تحتفل الأسواق أم تجزع؟
وبينما يترقب العالم السياسي مصير كاراكاس، تحبس الدوائر المالية أنفاسها انتظارًا لافتتاح الأسواق الآسيوية والأمريكية صباح الإثنين.
الخبير الاقتصادي اللورد جيم أونيل، في تحليله لـ "مجلس شيكاغو للشؤون العالمية" (Chicago Council)، يحذر من محاولة "استباق الأسواق" في مثل هذه اللحظات الاستثنائية. فوفقًا للمنطق التقليدي، قد يؤدي التوقع بضخ كميات هائلة من النفط الفنزويلي - الذي يمتلك أكبر احتياطي عالمي - إلى انخفاض حاد في أسعار الخام، وهو ما قد ترحب به الأسواق المستهلكة للطاقة.
لكن أونيل يطرح وجهًا آخر للصورة: إذا فسرت الأسواق العملية على أنها بداية لفوضى طويلة الأمد وانعدام للأمن في طرق الإمداد، فقد تكون النتيجة عكسية تمامًا.
ويلفت أونيل الانتباه إلى مؤشر "الأيام الخمسة الأولى" في وول ستريت؛ إذ تشير السوابق التاريخية إلى أن أداء مؤشر "S&P 500" في الأيام الخمسة الأولى من العام غالبًا ما يتنبأ بمسار العام بأكمله.
ومع حدوث هذا الزلزال الجيوسياسي في الثالث من يناير، فإن رد فعل الأسواق الأمريكية سيكون بمثابة "حكم مبكر" على استقرار عام 2026 بأكمله، فإما عام من الانتعاش القائم على القوة، أو عام من الاضطراب العالمي.
مبدأ "كير-فريسبي" يبتلع القانون الدولي

وعلى الصعيد القانوني، تضع العملية واشنطن في مأزق أخلاقي وقانوني دولي لا يمكن تجاهله. إذ يؤكد البروفيسور مارك ويلر، مدير برنامج القانون الدولي في "تشاتام هاوس"، أن العملية تمثل خرقًا صريحًا للمادة 2(الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
ويفند ويلر ومعه سيليست كميوتك من "المجلس الأطلسي" (Atlantic Council) الذرائع الأمريكية.
ويشيران إلى أن حجة "الدفاع عن النفس" تتطلب تهديدًا وشيكًا (Imminent Threat) وهو ما لا يتوفر في حالة مادورو، كما أن اتهامات "إرهاب المخدرات" لا تمنح دولة الحق في غزو دولة أخرى واختطاف رئيسها.
لكن المفارقة تكمن في أن النظام القضائي الأمريكي يمتلك "ثغرة" جاهزة لهذا السيناريو تُعرف بـ "مبدأ كير-فريسبي" (Ker-Frisbie doctrine).
يوضح ويلر أن هذا المبدأ المثير للجدل، والمتبع في المحاكم الأمريكية، ينص ببساطة على أن المحكمة لا تكترث لكيفية إحضار المتهم أمامها - سواء تم ذلك عبر اختطاف غير قانوني أو تدخل عسكري - طالما أنه لم يتعرض لتعذيب جسدي مفرط أثناء العملية.
هذا يعني أن مادورو سيواجه المحاكمة في نيويورك، وسيكون اعتقاله "قانونيًا" بموجب القانون المحلي الأمريكي، حتى وإن كان "جريمة عدوان" بموجب القانون الدولي، مما يرسخ ازدواجية معايير قد تدفع دولًا أخرى مثل روسيا والصين لاستخدام نفس المنطق مستقبلًا ضد خصومهم.
عالم ما بعد "الخطوط الحمراء"
وفي المحصلة، يضع اعتقال نيكولاس مادورو العالم أمام حقيقة جيوسياسية جديدة ومقلقة، لخصها السيناتور الديمقراطي مارك وارنر بتساؤل استراتيجي: "إذا كانت أمريكا تمنح لنفسها الحق في اختطاف قادة تتهمهم بالجرائم، فما الذي يمنع الصين من فعل المثل مع تايوان، أو روسيا مع أوكرانيا؟".
إن عملية "العزم المطلق" ليست مجرد عملية أمنية ناجحة أو ضربة قاصمة لتجارة المخدرات كما يصورها أنصار "أمريكا أولًا"؛ بل هي إعلان رسمي عن موت مبادئ السيادة التقليدية في نصف الكرة الغربي، وعودة صريحة لسياسة "العصا الغليظة".
فنزويلا اليوم ليست مجرد دولة تبحث عن رئيس جديد، بل هي حقل تجارب لاستراتيجية أمريكية شاملة تسعى لإعادة تشكيل العالم - أو على الأقل نصفه الغربي - بالقوة العسكرية المباشرة، تاركةً الحلفاء في حالة ذهول، والخصوم في حالة تأهب قصوى، والشعب الفنزويلي عالقًا بين وعود "الازدهار النفطي" ومخاطر "حرب العصابات".
