خلصت ورقة بحثية جديدة صادرة عن فَكّر تاني، بعنوان:" من يشبه مَن؟ ومن يمثّل مَن؟: نظام الكوتة وإشكالية التمثيل الوصفي والتمثيل الجوهري في التجربة البرلمانية المصرية"، إلى أن نظام الكوتة في التجربة البرلمانية المصرية لا يمكن فهمه بوصفه آلية تمثيلية محايدة، أو أداة تقنية لمعالجة اختلالات اجتماعية.
وأوضحت الورقة البحثية وجود 4 خيارات سياسية لمستقبل الكوتة وهي : الإبقاء على نظام الكوتة بصيغته الحالية، أو فصل الكوتة عن القوائم المغلقة، أو إعادة تعريف الكوتة كآلية انتقالية دائمة، أو الانتقال من الكوتة الفئوية إلى الكوتة التنافسية.
لمطالعة الورقة البحثية اضغط هنا
شكل بلا مضمون
أوضحت الورقة، التي أعدها الباحث محمد سعد، أن نظام الكوتة جزءًا من بنية أوسع لإدارة المجال السياسي داخل نظام مغلق، فمنذ إدخال كوتة العمال والفلاحين، مرورًا بالكوتة الجندرية، وصولًا إلى التوسع الفئوي بعد 2014، ظل منطق الكوتة مرتبطًا بإعادة تعريف التمثيل السياسي من حيث الشكل أكثر من مضمونه، وبضبط حدود المشاركة بدل توسيعها.

ويكشف التحليل أن التوسع في التمثيل الوصفي (Descriptive Representation)ـ بمعناه القائم على تشابه الخصائص الاجتماعية والحضور العددي داخل المؤسسة التشريعيةـ لم يُترجم إلى تعزيز للتمثيل الجوهري (Substantive Representation)، الذي يُفترض أن يقاس بمدى قدرة الممثلين على الدفاع عن مصالح الفئات المُمثَّلة وتحويلها إلى سياسات عامة، بحسب الورقة البحثية.
لمطالعة الورقة البحثية اضغط هنا
نظام يفتقر للتنافس والمساءلة
وتشير الورقة إلى أن الكوتة لم تعمل كمدخل لتسييس الفئات المهمشة أو تمكينها من بلورة مصالح مستقلة، بقدر ما أدّت وظيفة إدماج مُدار داخل مؤسسات قائمة سلفًا، بما حدّ من إمكانات الفعل السياسي المستقل.

وتكشف التجربة المصرية، وفق الورقة البحثية، أن حدود الكوتة لا تُفهم بمعزل عن حدود السياسة نفسها، فحين تُدرج آلية تمثيلية داخل نظام يفتقر إلى التنافس والمساءلة، تميل إلى التحول من أداة ديمقراطية محتملة إلى عنصر من عناصر إدارة الإغلاق السياسي، ومن ثم، لا يتعلق السؤال الجوهري بجدوى الكوتة في ذاتها، بل بقدرة أي آلية تمثيلية على اكتساب معنى سياسي، وفق الورقة البحثية.
ويوضح الباحث محمد سعد أنه بناء على ذلك لا يكمن الإشكال الرئيسي في الكوتة ذاتها، ولا في تنوّع الفئات المشمولة بها، بل في السياق البنيوي، الذي تُدرج فيه، ففي غياب سياسة تنافسية، واستقلال حزبي فعلي، وآليات مساءلة حقيقية، تميل الكوتة إلى التحول من أداة تصحيح تمثيلي إلى جزء من منطق إدارة الإغلاق السياسي.
التطور التاريخي لنظام الكوتة
ورصدت الورقة، التطور التاريخي لفكرة الكوتة، حيث لم تظهر فكرة «الكوتة» في التمثيل البرلماني بوصفها نظرية معيارية متكاملة، ولا كاختراع أيديولوجي جاهز، بل جاءت تدريجيًا كاستجابة عملية لفشل مبدأ المساواة القانونية المجردة في إنتاج تمثيل سياسي فعلي للفئات المهمشة.
وترى الورقة البحثية أن التجربة الديمقراطية كشفت منذ وقت مبكر أن منح حق التصويت لا يعني بالضرورة ضمان الوصول إلى مواقع صنع القرار، وأن آليات التنافس الحر، حين تعمل داخل مجتمعات غير متكافئة بنيويًا، تميل إلى إعادة إنتاج الهيمنة بدل تفكيكها.

وبحسب الباحث فإنه يمكن التمييز تاريخيُا بين مسارين مختلفين لنشأة الكوتة، غالبًا ما يجري الخلط بينهما في النقاش العام، رغم اختلافهما الجوهري من حيث السياق والهدف والأداة، المسار الأول هو الكوتة بوصفها إجراءً مؤسسيًا تفرضه الدولة لضمان تمثيل جماعات مستبعدة بنيويًا، والمسار الثاني، المختلف زمنيًا ووظيفيًا، هو الكوتة الجندرية الطوعية داخل الأحزاب السياسية.
وتمثل كوتة العمال والفلاحين المدخل التاريخي الأهم لفهم منطق الكوتة في النظام البرلماني المصري، حيث جرى إدخال هذه الكوتة في سياق ما بعد 1952، وتكريسها دستوريًا ابتداءً من دستور 1956، ثم إعادة تثبيتها في دساتير 1964 و1971، من خلال النص على تخصيص ما لا يقل عن 50% من مقاعد المجالس النيابية لفئتي العمال والفلاحين، بحسب الباحث محمد سعد.
لمطالعة الورقة البحثية اضغط هنا
الكوتة في الأدبيات السياسية
وتشير الورقة البحثية إلى أنه جرى التعامل مع العمال والفلاحين، لا بوصفهم فاعلين اجتماعيين ذوي مصالح قابلة للتبلور السياسي، بل كفئات وظيفية يُفترض ضمان حضورها العددي داخل المؤسسات التمثيلية، وأظهرت الأدبيات المعنية بالسياسة الانتخابية في مصر أن هذا النمط لم يؤدِّ إلى تمكين اجتماعي، أو إلى بلورة تمثيل طبقي مستقل، بقدر ما أسهم في إعادة إنتاج النخبة السياسية داخل قوالب فئوية مضبوطة.
وانعكس هذا المنطق في الممارسة الانتخابية عبر تحوّل صفة “عامل” أو “فلاح” إلى تصنيف قانوني وإجرائي مرن، قابل للتأويل الواسع، بما أتاح فصل الصفة التمثيلية عن مضمونها الاجتماعي، وأسهمت هذه المرونة في تفريغ المفهومين من دلالتهما الطبقية، وتحويلهما إلى آلية تقنية لاستكمال النسبة الدستورية المطلوبة، دون أن يترتب عليها ارتباط فعلي بمصالح العمال أو الفلاحين بوصفهم جماعات اجتماعية قابلة للتنظيم السياسي المستقل، وفق ما جاء في الورقة البحثية.

ويرى الباحث محمد سعد أن كوتة العمال والفلاحين أدت وظيفة مزدوجة داخل النظام السلطوي؛ إذ وفّرت من جهة غطاءً شرعيًا ورمزيًا للنظام عبر خطاب تمثيل “قوى الشعب العاملة”، الذي شكّل أحد أعمدة شرعية ما بعد 1952، ومن جهة أخرى أسهمت في تحييد هذه الفئات سياسيًا عبر إدماجها إدماجًا مُدارًا داخل بنية برلمانية خاضعة للرقابة، بما حال دون تحولها إلى مصدر ضغط أو مساءلة حقيقية.
ووفق الورقة البحثية فإن أزمة الكوتة في الحالة المصرية ليست وليدة التوسعات الحديثة أو التحولات الدستورية بعد 2014، بل تعود إلى منطق تأسيسي سابق، يقوم على استخدام التمثيل الفئوي بوصفه أداة للسيطرة السياسية لا للفتح الديمقراطي، ومن هذا المنظور، يمكن فهم الكوتات اللاحقةـ سواء الجندرية أو العمرية أو الدينية أو الجغرافيةـ بوصفها امتدادًا مُحدَّثًا للمنطق نفسه، مع اختلاف الفئات والأدوات، لا الوظيفة السياسية الأساسية.
وقدّم الباحث محمد سعد في ختام ورقته البحثية جدولا عن السياسات البديلة لإدراك الحصص والتمييز الإيجابي.. (الكوتة) في الإطار التشريعي المصري، وقسّم الجدول إلى عدة أقسام تشمل خيار السياسة ومنطق الخيار وما يحافظ عليه والمكاسب المحتملة والقيود والمخاطر.
لمطالعة الورقة البحثية اضغط هنا
