كان هناك مسلسل نشاهده في فترة الطفولة عندما كانت الأسرة كلها تلتف لمشاهدة نفس المسلسل كل يوم، عندما كان الأهل موظفون لديهم مواعيد ثابتة للعمل ينتهي ٢ بعد الظهر ثم تلتقي الأسرة او العائلة في السابعة مساءا، فلم يكن هناك وسائل ترفيه كثيرة ولا مولات ولا كافيهات، وكذلك لم يكن هناك قنوات فضائية كثيرة ولا يوتيوب ولا تيكتوك، فكانت العائلة تلتف مساءا حول مسلسل واحد يتم عرضه على القناة الاولى الأرضية وربما مسلسل اجنبي يتم عرضه بعد ذلك على القناة الثانية.
هذه الأيام يعرض التليفزيون مسلسل سفر الأحلام الذي تم إنتاجه عام ١٩٨٦، كتابة وحيد حامد وإخراج سمير سيف، بطولة محمود مرسي، صلاح السعدني، أثار الحكيم، نجاح الموجي،عبدالعزيز مخيون وناهد رشدي.
عاد بي ذلك المسلسل ٤٠ عاما إلى الوراء، فقد تابعته أثناء طفولتي ولفت انتباهي قصته الشيقة ذات التفاصيل الكثيرة، فقد كان يحكي عدة قصص يجمعهم موظف وحيد على المعاش، يرفض الاستسلام للملل والرتابة، فيقوم بتحويل شقته الواسعة إلى بنسيون ليملأ حياته بوجود شباب يبدأون حياتهم بجواره، وهدفه الأساسي هو الاستئناس بالبشر وقتل الوحدة لا الكسب المادي، ولكل منهم قصة شيقة التي تشكل فسيفساء من المجتمع المصري في تلك الفترة.
شخصية المهندس عادل
فهناك الفتاة الجادة التي تبحث عن فرصة عمل مناسبة لها في القاهرة وتسعى للاستقلالية ولإثبات ذاتها، وهناك الشاب القادم من الأرياف المنبهر بأضواء القاهرة ويرغب في التربح بأي طريقة حتى لو باستخدام طرق انتهازية أو غير مشروعة كالعمل في تجارة العملة بالسوق السوداء مع تاجر جشع، وهناك المؤلف المسرحي الحالم الذي يحاول كتابة مسرحية يتبناها أحد المخرجين، ولكنه لا يجد الفرصة بسبب أن مسرحيته تحمل رسالة جادة، أو ربما سوداوية كما يراها البعض، وهو ليس بجذاب للسوق والمنطق التجاري، وكذلك غير مستساغ لدى الذوق العام الذي يفسح مجال للمسرحيات الهابطة في تلك الفترة، وهناك أيضا قصة السيدة وطفلها التي جائت للقاهرة لتبحث عن زوجها الذي اختفى فجأة منذ عدة أعوام وشوهد في القاهرة
عند مشاهدة المسلسل مؤخرا (ربما للمرة الخمسون)، ولكن لفت نظري - هذه المرة- شخصية المهندس عادل التي جسدها الفنان عبد العزيز مخيون في مسلسل "سفر الأحلام".
فهي ليست مجرد نزيل في بنسيون الأستاذ أنيس، بل هي الشخصية المحورية الفكرية التي تحمل ثقل الرؤية النقدية للمؤلف حول التغيرات الاجتماعية والسياسية في مصر، فهو زوج ترك أسرته فجأة وذاب في زحام شوارع القاهرة الكبيرة، فقرت فردوس (الفنانة ناهد رشدي) أن تقيم في ذلك البنسيون حتى تستطيع البحث عنه ولم شمل الأسرة مرة أخرى.
ومع تصاعد الأحداث يتضح أنه قد تعرض لأزمة نفسية كبيرة ناتجه لرفضه للواقع، وبعد محاولاته الفاشلة لإصلاح الأوضاع أو لمجابهة العشوائية والفساد والممارسات السيئة، فهام على وجهه في الشوارع، ليظهر بعد ذلك في عدة مشاهد سريعة عندما تراه زوجته بالصدفة عدة مرات يحاول تنظيم المرور أو يخطب في الناس ويدعوهم للانضباط والاخلاق، ليظهر مرة أخرى بداخل صندوق سيارة نقل تحمل عدد كبير من عمال البناء، وتفشل محاولاتها في اللحاق به عدة مرات فتزداد حزنا وانكفاء، ولكن تنجح في تحديد مكانه إحدى المرات ويساعدها سكان البنسيون في الوصول اليه، ويبدأ في الاهتمام بمظهره وهندامه مرة أخرى ويظن الجميع أن هذه هي النهاية السعيدة لقصة تلك الأسرة الصغيرة، إلا أنه سرعان ما تنهار حالته النفسية عندما يصطدم مرة أخرى بواقع المجتمع غير القابل للإصلاح، فيهيم على وجهه مرة أخرى.
نهاية حزينة
بحثت أكثر عن شخصية عادل في المسلسل ، فقد كانت شخصية محورية حتى لو ننتبه لذلك في البداية، فماذا كان يقصد بها المؤلف وحيد سيف، فشخصية عادل تمثل مهندس مجتهد، يعبر عن الطبقة المتوسطة المتعلمة، ويمثل ايضاً العقلانية والمنطق والقدرة على التحليل العميق، ولكن السمة الأبرز كانت انه يبحث عن الحقيقة ولا يقبل بالسطحية أو الحلول المؤقتة، ويزعجه بشدة كل هذا الفساد الذي ينخر في المجتمع، ودائماً ما يثير الأسئلة الفلسفية والاجتماعية المؤرقة، مشكلة شخصية عادل يكمن في كونه نموذجاً للشخص الذي يسعى للمثالية، يدرك حجم الخلل في المجتمع لكنه يفتقد القدرة على التغيير الفعلي، مما يجعله في حالة صراع وجودي دائم داخل نفسه ومع المجتمع.
يعيش في ثورة داخلية ضد مظاهر الفساد والانتهازية، والتحولات السلبية في القيم التي بدأت تغزو المجتمع بعد فترة الانفتاح، لا يستطيع الصبر والصمت أمام مشاهد العشوائية والفوضى المنتشرة، حاول توجيه النصيحة للناس حوله في عملة والمنطقة التي يعيش بها بلا جدوى، يصيح فيهم فيقابله الناس بالسخرية، وبعد فشله في الأصلاح دخل في حالة من الاكتئاب التي تفاقمت لمشكلات نفسية اكبر، فعاد لحالة التيه في الشارع يحادث نفسه بلا ادراك.
هذه المرة انتبهت للنهاية الحزينة التي اختارها المؤلف وهي (الانتحار النفسي) والهروب من الواقع بعد الفشل، هل تعتبر تلك النهاية رمزية إلى مصير من يحاول الإصلاح لذلك المجتمع؟ هل كان عادل هو المخطى أم كان المجتمع شديد القسوة، يلفظ ويعاقب كل من يحاول النصيحة والإصلاح؟
هل اختار وسيلة خاطئة للإصلاح فأدى به للاكتئاب والانزواء، هل لو كان اكثر واقعية ومرونة من حاله لاتخذ طريقة مختلفة للإصلاح؟
ليس عندي اجابات، كذلك المسلسل لم يقدم اجابات بهذه النهاية الحزينة لشخصية عادل، ولكن ذلك يطرح المزيد من التساؤلات حول الحالمين بالإصلاح والمثالية، ومدى الخذلان والإحباط الذي يشعر به البعض بعد الاصطدام بمقاومة المجتمعات لمساعي دعاة الإصلاح، فمساعي الحالمين تنطلق من رؤية نقدية للواقع القائم ومحاولة استبداله بنموذج أكثر عدلاً وكفاءة وفضيلة، ونادراً ما يكون المسار معبداً بالورود، إذ يصطدم الحالمون بحياة أفضل بالمقاومة المجتمعية التي لا تكتفي بالرفض السلبي، بل قد تصل إلى السخرية والإهانة والإقصاء، وربما ما هو اكثر من ذلك.
وتتعدد أسباب المقاومة للإصلاح أو التغيير في المجتمعات، فقد يكون مصالح فئات قوية مستفيدة من استمرار الأوضاع الخاطئة، وكذلك تكلفة الإصلاح التي لن تكون بسيطة، أو الخوف من المجهول، فاستقرار الأوضاع حتى لو كانت سيئة أو غير عادلة يعتبر اختيار افضل من مستقبل مجهول أو مغامرة محفوفة بالمخاطر، والبعض يتماهى مع الواقع حتى يظن نفسه مجرد (شئ) غير قابل للفعل، أو يفرغ طاقته السلبية ضد دعاة الإصلاح لا في من تسبب في العناء، أو ربما يكون ذلك السلوك العدواني ضد من يحاول الإصلاح بهدف التغطية على حالة العجز والتماهي مع الظلم
ويمثل الشباب الفئة الأكثر حيوية وطموحاً في مساعي الإصلاح، حيث يمتلكون طاقات جبارة وحاجة ملحة لتحقيق الذات من خلال المشاركة المجتمعية. الشباب هم الأكثر تقبلاً للتغيير والأقل ارتباطاً بالفكر المحافظ الذي يقدس القديم لمجرد قِدمه، ولكن مع مرور السنين وكثرة الإخفاقات وتراكمها يتحول الأمر لإحباط ثم انكسار وهروب، ولعل ظاهرة العزوف عن المشاركة السياسية أبرز مثال لذلك.
اللامبالاة والانسحاب، قد يكونا آلية دفاعية للحفاظ على ما تبقى من التوازن النفسي.
