بينما ينشغل العالم بمطاردة "وحوش" التنمر في المدارس والشوارع ومخاطره على الأطفال.. نغفل الحديث عن المعركة الأشرس التي تدور خلف الأبواب المغلقة. هناك، حيث يُفترض أن يكون "البيت" هو الحصن والملاذ، يتحول أحيانًا إلى ساحة حرب نفسية من طرف واحد، ويكون "الجلاد" هو نفسه مصدر الأمان الأول: الأب أو الأم.
أعادت واقعة الطفلة "حور"، التي حاولت إنهاء حياتها هربًا من سخرية زملائها، فتح الجرح الغائر، لكن السؤال الأصعب يظل: ماذا لو كان المتنمر ينام معك في نفس الغرفة؟ هذا بالضبط ما عاشته، دعاء -اسم مستعار- الفتاة العشرينية التي لم تكن عدوتها زميلة في الفصل، بل أمها.
عنصرية بلمسة الأمومة
تقول دعاء أنها تعرضت للتنمر منذ الصغر من والدتها، فهي لم تكن راضية أبدًا عن لون بشرتها الذي ورثته عن جدتها لأبيها: "أمي لونها أبيض أوي، وطول الوقت كانت بتتمنى أكون نفس لونها، ودايما كانت بتنادي عليا بـ ‘تعالي يا سودة.. تعالي يا آخرة صبري‘، وعمرها ما اهتمت إن ده بيجرح مشاعري وبيضايقني".
تحكي دعاء -اسم مستعار- وهي في الثانية والعشرين من عمرها، أنها حاولت مرارًا التحدث مع أمها لتلفت نظرها عما يضايقها.. ولكن أمها لم تنصت. وكان ردها: "أنا بهزر عادي"، حتى أن جارتهم نصحت الأم ذات مرة ألا تقول لابنتها هذا الكلام الذي يهز ثقتها بنفسها، وذلك عندما كانت دعاء طالبة في الصف الثاني الثانوي. "لكنها ماهتمتش خالص ولا كأنها سمعت حاجة!!".
لماذا يتنمر الأهل؟
قد يظن بعض الآباء أن التنمر نوع من التربية وضغط يدفع أولادهم للتغير إلى الأفضل ولكن يأتي الأمر بنتيجة عكسية دائمًا، وهذا ما حدث مع أحمد الذي كان يتعرض باستمرار لـ "المعايرة" من والديه بسبب وزنه الزائد، ظنًا منهم أن ذلك الأسلوب قد يدفعه لفقد هذا الوزن، ولكن: "كلامهم كان بيخليني آكل أكتر وكنت بتخن أكتر"
يقول أحمد وهو طالب بالصف الأول الجامعي: "في البداية كنت بسمع منهم كلمة ‘بكبظة‘ وبعد ذلك تطورت إلى بغل وجاموسة وبقرة وخرتيت، وكانت أمي دايما تقولي لي "لو خسيت مش هنقولك الكلام ده"، ولكن عمري ما فكرت أعمل ريجيم وكان كلامهم محبط جدًا بالنسبة لي".
"والمشكلة الحقيقية إن الكلام ده كنت بسمعه من العيلة كلها، ومع الوقت بقى الناس كلها بتندهني بكبظة حتى أصحابي، أنا وزني 110 كيلو، لكن كلامهم أتقل بكتير على قلبي، وأهلي هم سبب تعاستي!".
حتى عام 2020 لم يكن هناك نص قانوني واضح في مصر يجرم التنمر. وفي ذلك العام، أُدخلت تعديلات على قانون العقوبات لتشمل تجريم التنمر وفرض عقوبات محددة على مرتكبيه، حيث أصدر المشرع المصري القانون رقم 189 لسنة 2020، الذي أضاف مادة جديدة برقم "309 مكررًا ب" إلى قانون العقوبات، لتعريف وتجريم فعل التنمر.
"الجهل".. جلاد
دون قصد منها، وقعت وفاء -اسم مستعار- في هذا الفخ حين بدأت تسخر من "تهتهة" ابنتها ذات العشر سنوات، ظنًا منها أنه مجرد دلع، ولم تفكر لحظة أنه عرض مرضي.
"أنا مكنتش حاسة إن كلامي مؤذي.. كنت بتعصب من طريقة كلامها وتلعثمها، فبدأت أتريق عليها، وساعات ده كان بيحصل قدام أهلي وجوزي، وفيهم اللي كان بيضحك وفيهم اللي بيلومني".
ولم تدرك وفاء حجم ما تفعله إلا في عيادة الطبيب، حين علمت أن سخريتها كانت "السكين" الذي أدى لتدهور حالة ابنتها، لتعيش بعدها في دوامة من جلد الذات.

ترى الدكتورة نهال زين أخصائية الطب النفسي، أن الكارثة تكمن في "الجهل"؛ فالكثير من الأهالي يمارسون التنمر دون وعي بأن ما يفعلونه جريمة في حق أولادهم قد تؤدي لنتائج كارثية. وفي المقابل، تشير إلى وجود فئة أخرى من الآباء "مؤذيين بطبيعتهم"، يعانون من اضطرابات نفسية تجعلهم يؤذون فلذات أكبادهم بلا أدنى تعاطف.
وتؤكد نهال في حديثها مع فكّر تاني، أن تصحيح هذا الشرخ ليس سهلًا، وغالبًا ما يحتاج لتدخل طبيب نفسي، لكنها تفتح بابًا للأمل: "الاعتذار مش عيب حتى لو بعد سنين، ده ممكن يكون بداية الشفاء. لازم الأب والأم يفهموا إنهم مصدر الأمان، ودورهم يعلموا ولادهم إزاي يتعاملوا مع المجتمع ويحطوا حدود لأي متنمر، مش هما اللي يكسروهم".
"يُعاقب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على ثلاثين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".

ومن زاوية أخرى، يفسر الدكتور أحمد عزت أخصائي الطب النفسي، دوافع هذا العنف اللفظي، مشيرًا إلى أن الأطفال غالبًا ما يكونون "الهدف السهل" لتنفيس غضب الآباء، فلا قدرة لهم على الاعتراض. أو قد يكون الأب والأم مجرد "رد فعل" لتجارب قاسية عاشوها، فيعيدون تكرار المأساة مع أبنائهم.
ويحذر عزت من أن الجرح الذي يحدث في الصغر لا يندمل، ويظل ينزف حتى بعد البلوغ والنجاح: "جوني ديب نفسه، رغم كل نجوميته، لم ينس تنمر والدته عليه وسخريتها من شكل عينيه وضعف بصره. التنمر ده بيسيب أثر لا يمحى، وممكن يكون بوابة للإدمان".
صناعة "الهشاشة النفسية"
تؤكد الأخصائية النفسية تيري حلمي أن الثقة تُبنى في الصغر، ومن يفقدها في بيته يصعب عليه استعادتها. وتقول لـ فكّر تاني: "جرح الوالدين بيخلق هشاشة وضعف، وللأسف في أهالي بيسحقوا ولادهم بلا رحمة فاكرين إن دي تربية وإن 'القطمة' دي هتخليهم أحسن".

وتشير تيري إلى حالات في الأربعين والخمسين ما زالت تعاني من "أشباح" تنمر الأهل، مستشهدة بالنجمة العالمية سوزان سومرز التي دمرت عائلتها ثقتها بنفسها، ما جعلها فريسة سهلة لسيطرة الشريك في حياتها لاحقًا.
وتتفق معها خبيرة العلاقات الأسرية غادة منصور، مؤكدة أن "تنمر الأهل" يزرع أمراضًا نفسية طويلة المدى: "النتيجة بتكون انخفاض تقدير الذات وعزلة وعدوانية، وسعي مرضي لإرضاء الآخرين، وقد يصل الأمر للاكتئاب والوسواس القهري".
إعادة تدوير القهر
"نحن نضرب لأننا ضُربنا".. هكذا يمكن تلخيص مأساة محمود -اسم مستعار- الذي اكتشف متأخرًا أنه يمارس على ابنه نفس الإهانات التي تجرعها صغيرًا.
يقول محمود بصدق مؤلم: "كنت بنضرب وأنا طفل وده كان بيكسرني.. ولما خلفت قلت هحمي ابني، بس فجأة لقيت نفسي بضربه وبسمعه كلام يوجع، وكأني بنتقم من طفولتي فيه". يحاول محمود الآن ترميم العلاقة، لكنه يواجه صعوبة في محو آثار الماضي.
تشرح تيري حلمي هذه الظاهرة بـ "دائرة القهر المغلقة": "الأهل دول بيعيدوا تدوير الأذى؛ اللي اتهان بيهين ولاده، وتفضل الدائرة شغالة لحد ما يجي شخص واعي يقرر يكسر السلسلة دي ويوقف إنتاج مرضى نفسيين جدد". وتضيف أن بعض الأمهات يحولن غضبهن من أحلامهن الضائعة تجاه الأبناء، فيفقد الطفل ثقته ويتحول لمسخ يشبه ما يُقال عنه ظلمًا.
تصحيح مسار

في الختام، تؤكد تيري حلمي أن الوقت لا يتأخر أبدًا على الاعتذار، فهو الخطوة الأولى للعلاج واستعادة الثقة، مشددة على ضرورة توعية الأهل بأن ما يفعلونه ليس تربية بل "إساءة".
وتقدم الدكتورة غادة منصور "روشتة" للآباء: "لازم الأهالي يعرفوا إن التنمر بيعمل تشوهات نفسية. البديل هو النقد البناء والحوار المحترم.. التربية الحقيقية تبني مش تجرح، والكلمة اللي بتخرج منكم هي اللي بترفع ولادكم لسابع سما أو تنزلهم لسابع أرض".
