عندما طرح الروائي الإنجليزي “جورج أورويل” روايته: 1984، قبل سبعة عقودٍ ونيَّف، دارت مآخذُ نُقَّادِها حول جنوحِها إلى التهويل، مُعتبرين أنها رسمت مستقبلًا تشاؤميًا حالكًا، يُسْحَق فيه الإنسان نفسًا وروحًا، تحت بطشة القهر والترهيب من دون أدنى مقاومة.
كانت الرواية قد عمدت إلى رمزٍ مرهفٍ لمَّاح، لتقبيح الأنظمة الشمولية وإبراز فظاظتها، وتمثَّل في صورة الزعيم الملقب بـ”الأخ الكبير”.
تتراءى الصورة للناس أينما يولوا وجوههم: في المؤسسات الحكومية، والمواصلات العامة، والمقاهي والمتاجر والأسواق والساحات والميادين والحانات، وتحتها بأحرف بارزة عبارة “الأخ الكبير يراقبك”.
على أن أحدًا لم يسبق له أن رأى الأخ الكبير رأي العين، لا وجود ماديًا له، ولو حتى في أخبار الصحف.
كينونته تختزلها صُوره المبعثَّرة ذات اليمين وذات الشِّمال، ولا كينونة له بمنأى عنها.
غائب حاضر؛ تتفحَّص عيناه الحادتان البشر، لكأنَّ نظراته تثقب صدورهم لتنفذ إلى سرائرِ نفوسهم؛ وجوده يتجاوز الواقعي الملموس إلى المعنوي المحسوس.
إنه الرقابة في أغلظ مظاهرها وأقسي تجلياتها.. ليست رقابةً من خارج المرء، بل رقابة تغلغلت بفعل الترهيب في “جُوَّانية” الناس، فغدت تردعهم ردعًا ذاتيًا فينصاعون انصياعًا لا إراديًا.
تحت وخزات الإحساس المضني بأن عيون الأخ الكبير، ترصد حتى شهيقهم وزفيرهم، عاش سكان لندن في بؤسٍ مقيم، كما تخيَّلهم “أورويل” الذي لا تزال روايته عملًا مرجعيًا، للتحذير من خطورة النظم السياسية الشمولية.

وزارة الحقيقة وشرطة الفكر
في المدينة التي سقطت بين براثن ومخالب نظام شمولي قمعي، ثمة وزارة تسمى وزارة الحقيقة، وجهاز أمني يسمى شرطة الفكر، لملاحقة أولئك “الخونة العملاء” الذين يتقوَّلون بما يعده الحزب الحاكم والأوحد “أخبارًا كاذبة”.
هل يُذكِّرك ذلك بشيء ما؟.. حسنًا خَلِّها في سرك.
ولا تلاحق شرطة الفكر مَنْ تَعُدهم مروجي أخبار كاذبة فحسب، بل تراقب كذلك حياة الناس الخاصة مراقبةً حثيثة، بواسطة حوَّاماتٍ ذات هديرٍ مدو، تُحلّق حلزونيًا في سماء لندن الرمادية، فتتلصص على ما وراء الجدران.
وإمعانًا في إحكامِ القبضة توجد “شاشات رصد”، وهي أجهزة اتصال تشبه المذياع في جميع البيوت تبث وزارة الحقيقة عبرها إنجازات النظام “الوهمية” في خطاباتٍ تعبوية على مدار الساعة، وبالتوازي تُحصي كل ما يُلفظ من قولٍ وكل ما يقع من حركةٍ للناس، ولو هجعوا إلى مخادعهم.
ليس خافيًا أن فكرة شاشات الرصد، تثير مقاربةً منطقية بالهواتف الذكية التي تنتهك خصوصياتنا، ورغم ذلك ليس بإمكاننا تخيل الحياة من دونها.
على أي حال، كذلك نُسِجت الحبكة الروائية؛ كلُ شيءٍ تحت الرصد، وكلُ شيءٍ ممنوع، و”كل يوم تزيد الممنوعات”، كما يقول الراحل أحمد فؤاد نجم.
إذا تجاسر مواطن على الشكوى من رداءة لفافات التبغ المحلية مثلًا، فهو عميل سيُزج به، لا محالة، إلى السجون إلى حين أن يرث الله الأرض وما عليها، وإذا همس بأن وزارة “الوفرة” قلَّصت السلع التموينية، فقُل عليه يا رحمن يا رحيم.
لا حقيقة إلا ما يقوله الحزب الحاكم، فباطله صدق وكذبه شفافية وزوره عين اليقين.
ثمة سرديةٌ رسميةٌ صارمة، تُحدِّدها وزارة الحقيقة، فتنبش شرطة الفكر الصدور لضبط وإحضار رافضيها، أو حتى المشككين فيها، ولا تقتصر تلك السردية على الحاضر بل تشمل كذلك التاريخ الذي أعدم النظام الديكتاتوري وثائقه، ليعيد كتابته وفق رؤاه الأيديولوجية.

الإنسان في حكم الأخ الكبير عروس ماريونيت، يُحرِّكه النظام السُلطوي كيف يشاء متى يشاء أين يشاء، بخيوطٍ نسجتها أصابع الرقابة الغليظة والتخويف القاسي.
لا مكان للتفكير النقدي، فذلك ليس من فعل الوطنيين، وعمومًا “أحسن ما نبقى زي إيطاليا والنرويج”!
إنَّ كبيرة الكبائر أن يظن الإنسان أنَّ له ذاتٌ يحق لها أن تفكر وتتساءل.
وتلك كانت جريمة بطل الرواية الموظف بوزارة الحقيقة؛ “وينستون سميث”: فكَّر فساقه التفكير إلى الشك، فجعل يدوِّن أسئلةً على صفحة دفتر ابتاعه من متجر تحف وأنتيكات، رغم خطورة “جريمة حيازة الأوراق والأقلام”.
كتب بيدٍ مرتعدة: هل الأخ الكبير معصوم؟ هل يُزوِّر الحزب التاريخ؟ ثم في لحظة من لحظات الانكشاف أو الاندفاع سجَّل مشاعره المكبوتة: يسقط الأخ الكبير.
إلى جانب جريمة التفكير، ارتكب “سميث” جريمةً ثانية، إذ أقام علاقة جنسية مع بطلة الرواية “جوليا”، والعلاقات العاطفية مُجَرَّمة لكونها تعد انتقاصًا للولاء الذي ينبغي أن يُخْتَصُ به الزعيم الواحد بغير شريك.
حتى حياة الناس الشخصية ورغباتهم وغرائزهم، أو قُل “مزاجهم الذاتي” ليس ملكًا لهم، ولا يسعهم التصرف حياله خارج القواعد السلطوية.
وليس مفاجئًا -والحال كذلك- أن تثير سلوكياتُ “سميث” الريبة في مدينةٍ سكانها عسسٌ يراقب بعضهم بعضًا، ويشي بعضهم على بعض.
للإيقاع به في شر أعماله، أو بالأحرى “شر أفكاره”، تودَّد إليه موظفٌ مرموقٌ بوزارة الحقيقة، كان بالتوازي من رجالات الحزب السريين.
رمى له طُعمًا سرعان ما التقمه؛ أوهمه بأنه منتسب لحركة معارضةٍ سرية تسمى “الأخوة” تخطط لثورةٍ على النظام الديكتاتوري، فأبدى المسكين حماسةً طائشة، مقتفيًا نداء الحاجة الإنسانية الفطرية إلى نيل الحرية.
لكن ما هي إلا سكرةٌ حتى جاءت الفكرة؛ بوغت بزوار الفجر يداهمون مخبأً كان يختلي فيه بخليلته، فاقتادوهما إلى سراديب الظلام حيث يختفي المتهمون بجرائم الفكر قسريًا، فيتعرضون لأنكى صنوف التعذيب، إلى حين “استئصال” ملكات التفكير من عقولهم.
المواطن المطلوب -وفي قولٍ آخر- المواطن الشريف، هو المُقولَّبُ مشلولُ العقل، وعليه أن يؤيد على طول الخط، ويقبل بالأمر ونقيضه والرواية وعكسها، ولا يفتر حماسه أو يبوخ ولاؤه مهما يكن.
مشهد يسبق قريحة أورويل
قبل بضعة أشهر، شاهدت مادةً فيلميةً لزعيم كوريا الشمالية “كيم أونغ يونغ”، يتفقَّد ما يبدو معسكرَ كشافةٍ للفتيات بمنطقةٍ جبلية.
دلف إلى ساحة المعسكر يستبق كرشه المهول جسمه الأسطواني، فأرسلت عيناه الكسولتان النظرات من تحت جفنيه المتهدِّلين، فشرعت الفتيات يصرخن هستيريًا، ذارفاتِ الدمع لفرط انفعالهن بأنهن في حضرة الزعيم ذي المهابة.

في ختام التصاعد الدرامي للرواية خرج “سميث” من السجن مشوَّهًا من رأسه حتى أخمص قدميه، لدرجة أنه متى كان يتجرّع الخمر المحلي الردئ بحانةٍ قذرة، جعل يرمق بهيامٍ صورة الزعيم على الجدار.. ثم تنهَّد فتمتم: “أنا أحب الأخ الكبير”.
كان المشهدُ الروائي الفذ الذي فسَّر آليات سيطرة الديكتاتورية، على أفعال الإنسان الظاهرة وعقله الباطن أيضًا، يشبه إلى حدٍ كبيرٍ مشهد بكاء الفتيات أمام الزعيم الكوري.
لقد جافى نُقَّاد “أورويل” الحقيقة إذن، حين وصفوه بالمبالغة والتزيُّد، فالواقع فوق ما جادت به قريحته، وقريحة “اللي خلفوه”.
تحت نير الخوف ووطأة الرقابة المتربصة، يغدو الإنسان مسخًا حجريًا بغير هوية ذاتية أو شخصية فردية.
كذلك أرادت الرواية أن تقول، وقد صحت رؤية “أورويل”، إذ تطابق الخيال والحقيقة في كوريا الشمالية.
الظاهر أن شيئًا من تراجيديا الرواية، يُراد أن يعاد إنتاجه بطريقة أو بأخرى في مصر.
تعاظمت قائمة الممنوعات في المحروسة، فلم تعد تقتصر على حديث السياسة أو الاقتصاد ونحوهما من أمور الشأن العام، بل إنَّ الكلام الفارغ قد يُفضي بـ”مرتكبيه” إلى ما خلف قضبان الليمان.
عقب الحكم على البلوغر المصري محمد عبدالمقصود بعامين سجنًا بتهمة خدش الـ”أي حاجة”، تبدو مصر كما لو كانت تستن بسنة “لندن أورويل”.
حتى الاستغراق في التهريج من أجل التهريج، أو بعبارة المسرحيين؛ الضحك من أجل الضحك، ليس مأمون العواقب، ولا يقي من الأثمان الفادحة.
تبدو ملاحقة عبدالمقصود وأمثاله من “البلوغرز”، ترسيخًا لمنطق التخويف، وتوسيعًا لمساحات الترهيب، وتأكيدًا لمنهج “الأخ الكبير” الذي يرصد جميع الناس، ولو فروا من السياسة وشؤونها وشجونها فرار السليم من المجذوم.
قبل قرنٍ ونيَّف؛ قرر الكواكبي، في “طبائع الاستبداد” أنَّ آفة الاستبداد تغتال عقل وضمير ووجدان الأمة.
هل ثمة حصافةٌ في تحويل الناس إلى موتى على قيد الحياة أو أحياء على قيد الموت؟
هل من الوارد أن تحقق أمةٌ ميتةُ العقلِ والضميرِ أي إنجازٍ بأي مجال؟
وهل تقرر إدراج الضحك في بلد اُشتِهر عبر تاريخه بصناعة النكتة في “جدول الممنوعات”؟
لا يدَّعي كاتب السطور أن لديه الإجابة، غير أنه على كل حالٍ يطرح الأسئلة عسى ألا تُعدُّ الأسئلة جريمةَ فكرٍ في الجمهورية الجديدة.
