3 ملايين قنبلة موقوتة.. مقبرة جماعية آيلة للسقوط

عشرة أمتار فقط.. معلقة فوق حطام منزل قديم ومحاطة بهيكل خشبي متهالك تستر عوراته مشمعات وبقايا أقمشة بالية. ذاك الحيّز الضيق والوحيد المتاح لسد برد الشتاء القارس ولهيب الشمس الحارقة صيفًا.

هنا، أنت لست بحاجة للتخيل، المشهد يفرض واقعه القاسي فور الدخول.

وفي الداخل.. تسود فلسفة "كأنه". كل شيء هنا يتقمص دورًا ليس له في مسرحية البقاء اليومية. متران تحتلهما مرتبة قديمة يتكدس عليها أربعة أجساد، فتصبح "كأنها" غرفة النوم. وإلى جوارها، لوح خشبي يحمل كتبًا مدرسية وحقيبة، ليصير "كأنه" مكتب للمذاكرة. 

وفي الزاوية المقابلة، موقد صغير وبرطمانات توابل متناثرة تعلن أن هذا الركن هو "كأنه" مطبخ. حتى التلفاز القديم الذي يصارع ليعمل، وضعته الأم ليؤنس وحشة الصغار ويغطي صوته على نباح الكلاب في الخارج، في محاولة بائسة لصناعة جو "كأنه" بيت.

في موسم الأمطار، تتحول هذه "العشة" إلى مستنقع صغير. يتسلل البرد بوقاحة من شقوق الخشب، فتدخل الحاجة "منال" في معركة عبثية لسد الثغرات بالملابس والأوراق. وينتهي المشهد كل ليلة باحتضانها لصغارها بجسدها المنهك، في طقس من الخداع المتبادل: يتظاهرون هم بأن أجسادهم دافئة، وتتظاهر هي بتصديقهم، لتدفن عجزها وألمها في تلك اللحظة الصامتة.

تقول الحاجة منال، سيدة هذا الواقع الذي تعيشه أسرتها منذ خمس سنوات بحي السيدة زينب: "القدر كان أسرع مني. متخيلتش يوم إني هترمي في الشارع كده، لكن سقف البيت انهار فجأة فوق روسنا، وخرجنا من تحت الأنقاض معدومين كل حاجة، وبنواجه المجهول لوحدنا".

وتضيف منال طبقة أخرى للمأساة، في حديثها مع فكّر تاني، مشيرة إلى انهيار "العمود الفقري" للأسرة: "اللي زاد الحمل، إن جوزي انهار نفسيًا بعد الحادثة، وبدل ما يكون سند بقى عبء، وبقيت أنا المسؤولة عن كل حاجة". 

تقف منال اليوم وحيدة وهي تصارع الزمن، بعد أن تفرق شمل الأسرة جزئيًا لضيق المكان، حيث يعيش ابنها الأكبر مع أهل زوجته، بينما تبقى هي هنا، تحمي ما تبقى من أحلام ابنتها "فرح" الطالبة في الإعدادية، وابنها "محمد" الذي دفع ضريبة الفقر بترك تعليمه، وكل أملها يتلخص في "غرفة" من الحكومة، تستر آدميتهم بدلًا من هذه العشة التي تدعي أنها بيت.

"فرح".. طفلة تشيخ قبل أوانها

وسط هذا الركام، تجلس "فرح"، الاسم الذي يبدو مفارقة قاسية في هذا السياق. الطفلة التي سرقت "العشة" طفولتها، فكبرت عقودًا في بضع سنوات. 

تحكي بلسان يملؤه انكسار الكبار لا شقاوة الصغار: "أنا عندي 14 سنة بس بحس إن عمري 40.. شايلة هم في قلبي من زمان. بسمع عن ناس بيحبوا الشتا، بس الشتا بالنسبة لعيلتي كابوس. لكن ساعات كلام الناس ونظراتهم بتكون أشد من البرد اللي بينخر في عضم أبويا وأمي".

لا تبدأ معركة فرح داخل الفصل المدرسي، بل تبدأ مع أول خيط ضوء، في رحلة البحث عن "حق" بديهي مثل "غسل الوجه". تصف هذا القهر اليومي: "كل يوم بصحى أدور على حمام، بخبط على الجيران عشان أغسل وشي وألحق المدرسة، وساعات محدش يفتح، فأروح مدرستي كدة.. وساعات بيعايروني ويقولوا 'يا اللي عايشة في الشارع'. أنا كل اللي بطلبه من ربنا أوضة.. أوضة بس تحمينا من الناس، ومن الكلاب اللي بتهجم علينا بالليل، وتحمي كتبي اللي باشت من المطر".

تتمسك فرح بالتعليم كطوق نجاة وحيد، لكنه طوق مهدد: "نفسي أكمل تعليمي وأشتغل وأعوض أهلي، بس خايفة.. خايفة منقدرش نتحمل لحد ما أكبر والمرض يقضي على أبويا أو أمي في يوم من الأيام واحنا نايمين هنا في التلج دا".

حُلم بعيد عن "منال"

وبينما تصارع الابنة مخاوفها، تصطدم الأم، الحاجة منال، بجدار صلب من الروتين. تطالب بحقها كمواطنة في "حياة كريمة" وعدت بها الدولة، لكنها سقطت في فخ البيروقراطية. الذي يمنعها من حصولها على شقة ليس عدم الاستحقاق، بل لـ "غياب الدليل"؛ فالحي يطالبها بأوراق تثبت سكنها في العقار المنهار، وهي الأوراق ذاتها التي دُفنت تحت الأنقاض مع أثاثها وذكرياتها.

تقف منال أمام موظفي حي السيدة زينب في دائرة مفرغة: كيف لمشردة أن تثبت أنها كانت تملك مأوى وقد ابتلعه التراب؟ قصتها ليست استثناءً، بل هي فصل في مأساة جماعية لعشرات الأسر التي تعيش "على الهامش"، في انتظار السكن الكريم الذي وعد به الدستور، وغابت عنه العدالة.

في هذا التقرير نتتبع وجوه هؤلاء، ونرصد كيف تحولت أزمة البيوت الآيلة للسقوط إلى مأساة إنسانية تتجدد كل شتاء، ومع كل موجة برد تذكرنا بأن هناك من يواجه عواصف الحياة بلا سقف..

"عم شعبان".. هروح فين؟!

على بعد خطوات قليلة، وجهًا آخر للكارثة. هنا بيوت لا تستر بقدر ما تهدد، أسقف معلقة بخيوط واهية تنتظر لحظة السقوط. يقابلنا "عم شعبان" البالغ 66 عامًا، رجل يعيش في بيت آيل للسقوط وقد تلقى "أصحاب البيت" عدة إخطارات من الحي لكنه لا يعرف بعد: "هروح فين لو خرجت من البيت؟!".

يقول عم شعبان لـ فكّر تاني: "أنا مولود هنا، ده مش بيت بالمعنى المعروف، ده 'حوش' متقسم، كل أسرة في أوضة، والحمام مشترك للكل.. ضيق الحال أجبرنا نرضى بانعدام الخصوصية عشان نلاقي سقف، بس الزمن مش سايبنا".

ويستعيد لحظة الرعب الأولى في شتاء 2005: الدنيا مطرت وفجأة سمعنا صويت، سقف الدور اللي فوقنا وقع. وقتها الحي جه وكتب 'إزالة' ومشي.. ومن يومها واحنا عايشين في انتظار الدور، لا عارفين نمشي ولا عارفين نعيش، وكل اللي بسأله للمسؤولين ومحدش بيرد: لو خرجت من هنا.. أروح فين؟".

"أم محمد".. ورثت الخوف قبل الجدران

في نفس "الحوش"مع العم شعبان، تعيش "أم محمد"، السيدة الثلاثينية التي ورثت الخوف قبل أن ترث الجدران. تستعيد ذكريات ليلة السقوط وكأنها حدثت بالأمس، تقول بصوت يرتجف: "كنت نايمة لما السقف نزل فوق روسنا.. نطقت الشهادة كذا مرة وسلمت أمري لله، حسيت إن بيني وبين الموت خطوة".

عشرون عاماً مرت، لكن "أم محمد" ما زالت حبيسة تلك اللحظة؛ فكلما تلبدت السماء بالغيوم، تحول "البيت" في نظرها إلى "مصيدة". تصف طقوس الرعب الشتوي: "كل ما السما تمطر، قلبنا بيقع في رجلينا.. ساعات بنضطر ناخد عيالنا ونبات في الشارع تحت المطر، أرحم من إن البيت يطبق علينا واحنا نايمين". هنا، يصبح الشارع -بكل قسوته- ملاذًا أكثر أمانًا من غرفة نوم مهددة بالانهيار.

"نقطة نور" في نفق مسدود

وبرغم قتامة المشهد، يحاول الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة المحلية، فتح "طاقة نور" للأسر المنكوبة، خاصة قاطني الإيجار القديم الذين ضاعت عقودهم تحت الأنقاض. ويؤكد في حديثه مع فكّر تاني: "أن ضياع الورق لا يعني ضياع الحق".

ويقدم عرفة "روشتة قانونية" لانتزاع الحق من أنياب البيروقراطية: "مش لازم عقد.. أي ورقة رسمية تنفع؛ وصل نور، فاتورة تليفون، أو حتى العنوان المثبت في البطاقة الشخصية ومخاطبات المدارس. كل دي أدلة إثبات إن المكان ده كان سكن العيلة". 

وينصح المتضررين بالتوجه فورًا لقسم الشرطة لعمل محضر إثبات حالة بانهيار العقار، ليكون وثيقتهم أمام القضاء الإداري ومجلس الدولة، أو وزارة الإسكان للمطالبة بسكن بديل، بدلًا من سؤال المجلس المحلي.

في الإسكندرية.. المطر يغسل "ستر" البيوت

ومن أزقة القاهرة الضيقة إلى رحابة البحر، لا يختلف المشهد كثيرًا. ففي "عروس المتوسط"، يكشف الشتاء كل عام عن هشاشة البنايات القديمة. مع "نوة" نوفمبر الماضي، استيقظ شارع الشوربجي بمنطقة بحري على فاجعة معتادة: عمارة من 8 طوابق تحولت في لحظات إلى كومة تراب.

تقول نورهان 25 عامًا، شهادتها عن "ليلة الرعب" لـ فكّر تاني: "صحيت الساعة 3 الفجر على صوت زي الانفجار.. بصيت لقيت العمارة اللي قصادنا بقت كومة تراب، والناس بتصرخ". 

القدر ولطف الله تدخلا مرتين؛ الأولى حين أخلى السكان العقار قبل لحظات بفضل تحذيرات جار لمح التصدعات، والثانية لأن الانهيار حدث فجرًا بجوار مدرسة أطفال، ولولا التوقيت لكانت الكارثة مضاعفة.

ومع ذلك، لم يمر الحادث دون ضريبة دم؛ شاب عشريني لم يسعفه الوقت، فدفع حياته ثمنًا لبيروقراطية قرارات الإزالة التي تصدر ولا تُنفذ، ليظل السكندريون محاصرين بين "التشرد" و"الموت المؤجل".

في بورسعيد.. "تراث" يتربص بالمارة

وفي "المدينة الباسلة"، يتحول الجمال المعماري إلى فخ قاتل. هناك في بورسعيد، حيث الشرفات الخشبية المزخرفة التي تأخذك للوهلة الأولى في رحلة حنين لزمن حفر القناة، لكن نظرة فاحصة تكفي لإدراك الحقيقة: هذه التحف المعمارية أصبحت خناجر مسلطة على رقاب المارة.

محمد 27 عامًا، شاب مكافح جمع "تحويشة العمر" ليشتري دراجة نارية يعمل عليها في توصيل الطلبات، لكن "التراث المتهالك" كان له رأي آخر. في شارع النهضة، حين سقطت شرفة خشبية وحطمت مصدر رزقه بعد أسبوع واحد من شرائه.

يقول محمد بمرارة: "من يوم ما اتولدت واحنا عارفين إن البيوت دي هتقع.. لما البلكونة وقعت ودشدشت الموتوسيكل اللي باكل منه عيش، قولت الحمد لله إنها مجتش فيا، أنا استعوضت ربنا في شقايا، بس ياريت نرمم البيوت دي.. حرام الناس تموت بسببها، وحرام تاريخ المحافظة يضيع ويتحول لركام".

الخطأ الهندسي = مقبرة جماعية

يضع المهندس أيمن يونس المختص في الإشراف الهندسي، إصبعه على الجرح الغائر، مؤكدًا أن الكارثة لا تكمن في الطبيعة بقدر ما تكمن في "غياب الرقابة"، ويلخص المعادلة الصفرية بعبارة قاسية لكنها واقعية: "دور المهندس في حماية الأرواح أخطر من الطبيب؛ خطأ الطبيب قد ينهي حياة فرد، لكن خطأ المهندس يفتح مقبرة جماعية للعشرات".

ويفكك أيمن يونس أسباب الانهيارات في المحافظات الساحلية والقرى البعيدة عن "عين العاصمة"، مشيرًا إلى أن غياب المتابعة من الأحياء يفتح الباب الخلفي للمقاولين "معدومي الضمير" لاستخدام حديد تسليح مغشوش، أو تجاهل طبيعة التربة الرملية والرياح العاتية في المدن الساحلية تحديدًا. فالهندسة هنا ليست مجرد رسومات، بل هي احترام لقوانين الطبيعة التي لا ترحم من يستهين بها.

3 ملايين قنبلة موقوتة

وفي المقابل، واجهنا الصمت والبيروقراطية أيضًا عند محاولة الحصول على رد حاسم من وزارة التضامن. جاء الرد مقتضبًا يحمل طابع المُسكنات: "الوزارة ممكن توفر معاش شهري للناس في الشارع، لكن ‘توفير الشقق‘ ليس من اختصاصها".. لنجد الكرة في ملعب جهات أخرى.

ليبقى الواقع مرعبًا.. فنحن لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن "كارثة قومية" مؤجلة. وبحسب تصريح صادم للنائب أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب عام 2025، فإن مصر تقف فوق بركان من 3 ملايين عقار مخالف للمواصفات؛ ثلاثة ملايين "قنبلة موقوتة" قد تنفجر في أي لحظة، لتترك خلفها آلاف الأسر بين خيارين: إما الموت تحت الردم، أو الحياة في العراء.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة