تُعيد انتخابات النقابات الفرعية للمحامين رسم خارطة القوى داخل أوساط المحامين، مع ظهور القوائم النهائية التي كشفت عن اصطفاف تنظيمي حاد يضع نفوذ الأقطاب التاريخية على المحك، وسط ترقب لنتائج قد تُعيد ترتيب موازين القوى داخل أروقة النقابة، وهو ما أكده مراقبون لـ فَكّر تاني.
تُظهر القوائم النهائية للمرشحين أن المنافسة تدور بين جبهتين يخوضان صراعًا ممتدًا؛ تضم إحداهما مرشحين يُنظر إليهم باعتبارهم الأقرب إلى التيار المحسوب على النقيب العام الحالي عبد الحليم علام، في مقابل مرشحين يُحسبون على جبهة النقيب الأسبق سامح عاشور.
وقد تبنى المرشحون المحسوبون على خط النقيب الأسبق سامح عاشور برامج ترتكز على "استعادة الدور النقابي" الذي يراه مؤيدوهم غائبًا خلال الفترة الماضية؛ ومن بين الأسماء البارزة في هذا الاتجاه إبراهيم عبد الرحيم، نقيب محامي الإسماعيلية، وصلاح مقلد، عضو مجلس النقابة العامة السابق عن كفر الشيخ.
في المقابل، تضم الجبهة الثانية مرشحين يُصنفون على أنهم الأقرب إلى جبهة النقيب العام الحالي عبد الحليم علام، ومن أبرزهم نبيل حميدة بمحافظة بني سويف، وناصر الوكيل بشمال القليوبية.
خريطة الاقتراع.. المواعيد والمراحل
من المقرر إجراء الانتخابات على مرحلتين وفق الجدول التالي:
-
المرحلة الأولى (17 يناير 2026): تشمل نقابات الأقصر، قنا، سوهاج، شمال وجنوب أسيوط، المنيا، بني سويف، الفيوم، الوادي الجديد، البحر الأحمر، شمال وجنوب سيناء، الإسماعيلية، بورسعيد، دمياط، المنوفية، كفر الشيخ، وشمال وجنوب القليوبية. (تُجرى الإعادة في 31 يناير حال عدم اكتمال النصاب).
-
المرحلة الثانية (31 يناير 2026): تشمل نقابات شمال وجنوب القاهرة، القاهرة الجديدة، حلوان، شمال وجنوب الجيزة، شمال وجنوب الدقهلية، الإسكندرية، شمال وجنوب البحيرة، مرسى مطروح، شرق وغرب طنطا، شمال وجنوب الشرقية، السويس، وأسوان. (تُجرى الإعادة في 14 فبراير حال عدم اكتمال النصاب).
توازنات القوى بالأقاليم
تختلف موازين القوى وخريطة التنافس بين الجبهتين من محافظة إلى أخرى؛ حيث تبرز بوضوح سيطرة إحدى الجبهتين على منصب النقيب في بعض المحافظات، مقابل حضور أقوى للجبهة الأخرى على مقاعد العضوية، وهو ما يجسد حالة من تفتت الولاءات التنظيمية داخل النقابات الفرعية.


وفي محافظة الإسكندرية، ينحصر التنافس على منصب النقيب بين محمد عبد الوهاب وجمال خضر، وكلاهما محسوبان على جبهة النقيب الحالي عبد الحليم علام، فيما تظهر خريطة مقاعد العضوية حالة من التنوع؛ حيث تتوزع المنافسة بين مرشحين ينتمون إلى الجبهتين، إلى جانب حضور لافت لعدد من المستقلين.
أما في محافظة سوهاج، فتبدو الساحة أكثر تعقيدًا؛ حيث تبرز أسماء أحمد دياب، النقيب الحالي، وماهر رشوان، كأبرز المرشحين على منصب النقيب، وكلاهما يُصنفان ضمن التيار القريب من جبهة سامح عاشور. كما يدخل حلبة المنافسة على مقعد نقيب سوهاج النائب أحمد حلمي الشريف، عضو مجلس الشيوخ.
وعلى مستوى مقاعد العضوية بسوهاج، تضم قائمة المرشحين عددًا من الأعضاء الحاليين والسابقين الذين يُنظر إليهم باعتبارهم أقرب إلى جبهة "علام"، وهم: محمود أبو عوض، محمد فواز، أحمد عبد الحليم، ورفعت عبد الله. ويواجههم في المعسكر الآخر كل من أحمد طبازة وحسن أبو ديس، المحسوبين على جبهة "عاشور".
انسحابات تُعيد ترتيب الأوراق
لم تخلُ الأيام التي سبقت الاقتراع من تحولات دراماتيكية، حيث شهدت جبهة "علام" انسحاب كل من فراج فتوح السيد، الذي تراجع عن خوض المنافسة على منصب نقيب كفر الشيخ، كما انسحب حمدي فؤاد، المحسوب على ذات الجبهة، من الترشح لمنصب النقيب بمحافظة البحر الأحمر.
وفي سياق متصل، اعتذر عبد المنعم عودة، نقيب محامي شمال البحيرة الحالي، عن خوض الانتخابات مجددًا بعد فوزه بدورتين متتاليتين.
من ناحية أخرى، طالت الانسحابات جبهة "عاشور"؛ حيث انسحب يسري القاضي، عضو المجلس الحالي بسوهاج، ومحمد الهجام من التنافس على عضوية المجلس بمحافظة سوهاج، وهما الاسمان اللذان يُحسبان تنظيميًا على جبهة النقيب الأسبق سامح عاشور.
مهنة على المحك
في قرائته للمشهد النقابي، يرى صلاح مقلد المرشح على منصب نقيب كفر الشيخ، أن انتخابات نقابة المحامين تأتي في "توقيت بالغ الحساسية"، معتبرًا أن "المحامين على المحك" في ظل ما تشهده المهنة من تحديات متراكمة؛ وهو ما يجعل من هذه الانتخابات فرصة حاسمة لإعادة ترتيب الأولويات ومواجهة الأزمات.

ويشدد مقلد، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، على ضرورة استعادة الثقة المفقودة بين مجلس النقابة القادم والجمعية العمومية، لافتًا إلى أن أزمة الميزانية الأخيرة لم تكن في جوهرها أزمة أرقام، بقدر ما كانت "أزمة شفافية".
ويوضح أن المحامين اعتادوا عرض الميزانية في شهر مارس من كل عام، إلا أن عدم عرضها في موعدها كان من العوامل الرئيسية التي فجرت غضب الجمعية العمومية.
ويتعهد مقلد، في حال فوزه، بالعمل وفق مبدأ الشفافية الكاملة، معتبرًا أن وضوح القرارات المالية والإدارية هو الضمانة لمنع تكرار الأزمات.

وفيما يخص ملف المعاشات، يصف مقلد قرار رفع المعاش إلى 4000 جنيه بأنه "خطوة إيجابية لكنها غير كافية" في ظل الظروف المعيشية، مؤكدًا أن برنامجه يهدف لزيادة المعاش صونًا لكرامة المحامي. ويتضمن برنامجه تطوير مشروع العلاج بضم صيدليات ومستشفيات جديدة، وإنشاء نادٍ للمحامين بكفر الشيخ وفندق للمغتربين منهم.
أما المحامي أسعد هيكل، فيقول إن الانتخابات الفرعية تُجرى وسط حالة من "الإحباط المهني"، نتيجة تراجع دور النقابة في التعامل مع الملفات الحيوية.
ويشير هيكل، الذي تحدث إلى فَكّر تاني، إلى أن هذا الشعور انعكس على الخطاب الانتخابي للمرشحين الذين يحاولون تقديم أنفسهم كبديل لـ "حالة الجمود" التي أصابت العمل النقابي. ويُرجع هذا الإحباط إلى تراكم أزمات الرسوم القضائية، وأوضاع العمل داخل المحاكم، والخلافات حول ميزانية النقابة، مما عمق الشعور بتراجع قدرة النقابة على حماية حقوق أعضائها المهنية.
المحاميات.. "تيار ثالث" يتجاوز صراع الأقطاب
وتقتحم المرأة الخريطة الانتخابية في المحامين بقوة، حيث تشهد محافظة الإسكندرية خوض مروة السجاعي سباق الترشح على مقعد النقيب، فيما تنافس ولاء علي على المنصب ذاته بشمال القاهرة.

وعلى صعيد العضوية، تبرز أسماء ميسرة خلف أحمد (الإسكندرية)، وشيماء الطيب (السويس)، وأميرة حمام (طنطا)، وأسماء عبد المنعم (حلوان). كما تشهد نقابة جنوب القاهرة تنافسًا بين رباب رفعت وأماني كامل، مع بروز اسم حنان سلام في شمال القاهرة.
ومن بين المرشحات بالإسكندرية، تبرز أيضًا أميرة طارق، التي ارتبط اسمها بواقعة اعتداء داخل حمام إحدى المحاكم، واعترضت سابقًا على قرار النقيب عبد الحليم علام بإحالتها للتحقيق رغم كونها الطرف المتضرر.
تقول أميرة لـ فَكّر تاني، إنها لا تحسب نفسها على أي قطب داخل النقابة، ولا تؤمن بسياسة الاستقطاب، مفضلة العمل النقابي بعيدًا عن الصراع، مشددة على أن المحامين "أبناء مهنة واحدة".
يرتكز برنامج أميرة طارق على دعم المحامين الشباب، عبر تخصيص مساحة داخل مكتبها لاستقبال موكليهم لمواجهة ارتفاع الإيجارات، إضافة إلى سعيها لإنشاء مكتب لتيسير إجراءات العلاج على نفقة الدولة بالتنسيق مع وزارة الصحة.
