“أكيد كل راجل بيضرب مراته، هم أحرار في بيتهم” تدخلت الجارة بهذه العبارة العفوية التي قيلت أثناء حديث والدة المتهم في قضية كريمة محمد المعروفة بـ(عروس المنوفية) وكأنها إحدى البديهيات والمسلمات التي لا تحتاج لإثبات أو حتى تفكير. ومن خلال هذا النص نحاول التوصل لمعرفة كيف تصبح عبارة قاسية كهذه قانونًا يحكم العلاقات في الطبقات الشعبية؟ وأين موقع الطبقات الشعبية من حملات التوعية؟
أين الفئات الشعبية من حملات التوعية؟
بينما يسعى علم النفس لتقديم محتوى توعوي يخص طبيعة العلاقات الإنسانية السوية، وبينما تنوه الصحف والأخبار باستمرار عن حوادث العنف والقتل، وبينما تهتم مراكز الفكر والدراسات بدراسة المجتمعات المصرية وتحليلها وتنميتها، وبينما تنطلق المنظمات المدنية بكافة أنواعها لمساعدة وتوعية هذه الفئات من الناس، وبينما تسعى الحركات النسوية والمناهضة للعنف ضد المرأة للتوعية ولمساعدة الناجيات ولنشر الوعي. بينما تتحرك كل هذه الطوائف وغيرها من المجتمع، تبقى الفئات الشعبية بعيدة كل البعد عن كافة هذه الحركات وكأنها تعيش في مجتمع منفصل منعزل منغلق تمام الانغلاق على نفسه.
بين الفئات الشعبية، لن تجد وزنًا لتعليم الأولاد فغالبًا سيتم ترحيلهم للعمل في أي المهن اليدوية في أي دولة أخرى، ولن تجد وزنًا لتعليم البنات لأن مصيرهن محتوم ومعروف وكما يقولون “هي الكتب هتنفعها بإيه في المطبخ!” وبنفس الوزن إذا نظرنا لطبيعة تنشئة الأولاد فسنقول “أهو لو مخه مش نضيف نبقى نعلمه صنعه ونسفره وخلاص”.
العلاقات الإنسانية بين الفئات الشعبية
بين الفئات الشعبية، يُعد تجهيز جهاز العروس أهم من تهيئة العروس للزواج، ويُعد تزويج العريس أهم من التحقق من صلاحيته للزواج، ويعد إنجاب الأولاد أهم من التفكير في طرق تربيتهم وتعليمهم.
والفتاة الماهرة الأصيلة هي التي تعرف كيف تنهي لفة المحشي في ثوانٍ، وكيف تنهي تلميع كافة نواحي المنزل بإصبع قدمها الصغير، بينما الشاب الجدع النموذج المثالي هو الذي يُرسل لأبيه مبلغًا وقدره، ويعطي المصروف لأمه، ويدفع لأجل زوجته وولده ليظهروا أمام الجيران والعائلات الأخرى بأبهى صورة، وهذا هو النموذج المثالي للأسرة في الطبقات الشعبية.
أما إن كان من النوع الذي يضرب ويُهين ولا ينفق على زوجته، فيجب أن تتحمل لأنها أصبحت مستهلكة، لقد تزوجت، لم تعد الفتاة البكر، انتهى أمرها وهذا حظها. ومن هنا تقول المرأة ببساطة “أكيد كل راجل بيضرب مراته، هم أحرار في بيتهم”.
السؤال الآن: لماذا أصبحت مثل هذه العبارة بمثابة قانون إنساني بديهي! ما العناصر المعرفية التي شكلت هذه الثقافة والتي تقف وراءها! ما العوامل الاجتماعية التي تدعمها وتساعد في استمرارها؟
العناصر المعرفية الداعمة في ترسيخ العبارة البديهية
المقصود بالعناصر المعرفية هو تحديد العوامل التي شكلت المعرفة ورسختها في ذهن مجتمع ما، وعندما ندخل بيوت هذه الفئات الشعبية، وعندما نرى ما الذي تشاهده على التلفاز غالبًا وما الذي تتصفحه على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وعندما نراقب سلوكيات أطفال وشباب هذه الفئة وما تشكله من معانٍ وأفكار تظهر واضحة في طريقة حديثهم وفي عباراتهم التي تُكتب على ظهر التكاتك والسيارات والميكروباصات، وكذلك عندما نراقب نوعية الأغاني والموسيقى المنتشرة بينهم، وعندما نبحث عن الأوقات التي يُظهرون بها ديانتهم أو يتمسكون فيها بمبادئ دينهم كما يفهمونه هم.. كافة هذه الأشياء هي التي تكون المعرفة وترسخها وتعيد إنتاجها في المجتمع مرة أخرى.
وفي عصر انفتاح المعلومات وصناعة وانتشار المحتوى، لم يعد من الصعب تقصي مثل هذه العناصر، وإنما تكمن الصعوبة في تحديدها وتوثيقها ميدانيًا، فبعيدًا عما ستتطلبه من تكلفة مادية، فإنها تطلب كوادر بشرية ذكية ومرنة لأبعد الحدود لتستطيع الدخول والبحث والملاحظة، وإلى حين إمكانية قيام مثل هذا المشروع البحثي، سنكتفي هنا بعرض وتحليل بعض العناصر المعرفية من خلال ملاحظتها بما ينتشر على السوشيال ميديا وبما تطرقت إليه الكاتبة من خلال تجربتها المعيشية مع هذه الفئة الشعبية.
مواقع التواصل والتحيز الخوارزمي
من المعروف أن آلية عمل مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد على الخوارزميات، مما يعني أن تفاعلك مع أي محتوى سيفهمه الموقع على أنه المفضل إليك وسيقترحه لك مرارًا وتكرارًا، ولذا يمكن ببساطة معرفة أن المحتوى الذي يظهر ويدور بين هذه الفئات يختلف تمامًا عما تقدمه الحملات والصحف والمنظمات الإعلامية التي تهتم بالتوعية.
أما نوعية هذا المحتوى عادة تحتوي على شخصيات لها نمط معين وتحديدًا نمط الرجل الصعيدي الحكيم الذي يتحدث بلهجته ويقدم نصيحة عامة مع خلفية موسيقية مؤثرة وينتهي الأمر، وقد يكون ما يقدمه هو نصيحة أو مثل شعبي يتحدث فيه عن الحفاظ على أهل البيت، عن الرجولة والكرامة، عن السيطرة والقيادة، عن الكرم والشجاعة، وعن الفخر والأولاد، ويحتاج الأمر لبحث مفصل شامل لهذا المحتوى حتى نتتبع تفاصيله بدقة ونقوم بتحليله.. والهدف من ذلك ليس الحكم لمنع مثل هذا المحتوى أو رفضه، فمحاولة منع ورفض حقيقة منتشرة بين فئة ما هي محاولة عبثية.. إذن دراسة هذا المحتوى هو بهدف تحديد مواصفاته وتفاصيله ومن ثم معرفة كيفية التحدث بلغة وأسلوب هذه الفئة.
مصداقية أهل الدين والرأي والمشورة
بين الفئات الشعبية، ليس هناك حاجة لتقديم شهادة تُثبت اختصاصك بالدين والعلم، يكفي أن تتخذ مظهرًا محددًا، وأن تذكر الله في كل عبارة، وأن تؤدي شعائرك الدينية بانتظام حتى تُصبح بين الناس مفتيًا عالمًا موثوقًا فيه، حتى وإن رأوك بعدها تأكل مال اليتيم سيشفعون لك لأنك بنيت منه مسجدًا وسيصدقون أي نصيحة منك.
إن هذا الحديث يعني أن كل من يواجهه مشكلة أسرية، عائلية، مرضية، سيتجه فورًا لشيخ المنطقة ليسأله عن رأي الدين، فيعطيه الشيخ وجهة نظره الخاصة ويلصقها بالدين، ولا يحتاج المتلقي بالتفكير لأنه يعرف الإجابة مسبقًا، وإنما سأل ليُريح ضميره، ويمكننا من هنا أن نتخيل كيف هو الواقع لو أن رجل الدين هذا يرى في الضرب وسيلة لتقويم المرأة، ويصف كل رفض بنشوز، ويطمئن الزوج بأن الملائكة ستلعن زوجته، وأن المال إن ورثته أخته فستضيعه مع أولادها أو زوجها أو ستبدد ملكية الأرض هباءً، إلى آخره.
يمكننا أيضًا مراقبة الخطب والمواعظ والبحث خلف من يقدمها، سنجد أن المحتوى ركيك من كثرة ما يُعاد فإن الناس يذهبون لينامون، أو لئلا يُقال “ابن فلان محضرش الصلاة النهاردة”. إن هذه التفاصيل التي تحكم الحياة اليومية ويتشكل من خلالها الوعي ويُعاد إنتاجه أو تأكيده، هي ما تصنع لنا نماذج العلاقات الإنسانية التي نراها اليوم، فهل نمتلك دراسات دقيقة عن مثل هذه التفاصيل!
نوع الموسيقى والغناء
الغناء هو روح كل شعب وفئة وجماعة شئنا أم أبينا، والموسيقى لا غنى عنها في كل أنحاء الأرض، وهذه الحقائق وجب توضيحها فقط لمن تسول له نفسه بأن يثق في ظنه مقدمًا بضرورة منعها وتحريمها، والهدف من ذكر هذا العنصر هو التأكيد على الدور الفاعل الرئيسي للغناء وأنواعه في ترسيخ مشاعر وأفكار وحتى معارف الفئة الشعبية.
لعل أفضل ممثل لذوق هذه الفئة في الأغاني هو نوع “أغاني المهرجانات” وتتخذ هذه الأغاني نمطًا موسيقيًا خاصًا، وكلمات وألحان خاصة، وحتى الأصوات المؤدية لها هي أصوات صاخبة سريعة لم نعهدها من قبل.
ولستُ هنا في معرض انتقادها، وإنما كما ذكرت أحاول وصفها، فقبل الهجوم على هذه الأغاني، علينا أن ندرك أنها لم تظهر نتيجة أجندة منظمة ولا خطة مسبقة، وإنما ببساطة هي نتيجة مجتمع.
وكأن هناك فئة من الناس لم تعد الأغاني العادية تعبر عنها وتكفيها، ولذا ظهر من بين هذه الفئة أصوات بأساليب ملائمة تعبر عن جيل الفئة الشعبية وعن أفكاره وعن نظرته للأنثى وللذكر وللحياة وللأخلاق ولكل شيء.
مقترحات وتوصيات:
عند مخاطبة فئة معينة، فعلينا دراسة وتعلم لغتها وثقافتها والعوامل المعرفية التي تستقبلها مباشرة وتتفاعل معها، وفي ضوء ذلك نقدم المقترحات التالية:
-
قيام منظمات الفكر والدراسات الاجتماعية بتبني مشروعات ميدانية لدراسة الفئات الشعبية بأنواعها لتشمل (القرى والنجوع، الأحياء الشعبية غير المزدحمة، الأحياء الشعبية في المحافظات ذات الكثافة السكانية المرتفعة) والهدف من ذلك التقسيم هو تسهيل الإجراءات المنهجية في حال القيام بأبحاث اجتماعية ميدانية، حيث إن كل فئة منهم تحتوي على عاداتها وأعرافها التي تسري فيما بينهم وكأنها قوانين ضمنية خفية لا تُخالف.
-
توجيه فرق بحثية تتألف من باحثين في مختلف العلوم الاجتماعية لإجراء أبحاث لتحديد مواصفات المحتوى بكافة أنواعه الذي يلقى رواجًا بين الفئات الشعبية، على أن يُعتمد في التحليل ملاحظة الصفحات الشخصية لعينة من المجتمع، لبيان العلاقة بين المحتوى وبين طبيعة الأفراد المتابعين له.
-
توجيه المنظمات المدنية مع الاستعانة بالمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي لإنشاء محتوى مشابه للمحتوى الرائج وتمويله لنشره بين الفئات الشعبية، بأسلوب تنطبق عليه المواصفات المحددة سلفًا من الخطوة السابقة لمخاطبة اللاوعي لدى هذه الفئات.
-
قيام المؤسسات الدينية المختصة بالتحقيق والتحري عن من يدعون العلم لإصدار فتاوى ونصائح دينية بين الناس بلا أهلية ولا تخصص، مع توجيه عقاب رادع لهم، مع انتداب مجموعات من المتخصصين بشروط محددة للتواجد بين الناس بصفة دورية لتوجيههم.
إن عبارة “أكيد كل راجل بيضرب مراته، هم أحرار في بيتهم” لا تدل فقط على العنف ضد النساء، إنها تضمن عنفًا ضد النفس، وضد الإنسانية ككل، فإن من جاءت بهذه العبارة هي إحدى النساء، ومن صدقت بها هي إحدى النساء، ومن عبرت عنها بوضوح بلا نقد وبلا رفض وبلا شعور بالخجل هي إحدى النساء.
إن النظر لهذه العبارة لا يتطلب النظر فقط خلف عوامل العنف ضد النساء، بل يتطلب النظر خلف المعرفة التي تحكم العلاقات الإنسانية كافة في مجتمع كهذا.. وتطرح سؤالًا جديدًا: كيف سيكون الجيل القادم الناشئ في ظل هذا الشكل من المعرفة وهذا الشكل من المجتمع الإنساني؟




عندما يكتب مختص علم الإجتماع عن المجتمع
هكذا توضع الأمور في نصابها الصحيح