“أي حزب لا يهدف للحكم (بيهزر).. نحن نعد العدة لرئاسة 2030 من الآن”. بهذه العبارة الحاسمة، يرسم النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ملامح استراتيجية حزبه للمستقبل البعيد، في محاولة لتجاوز “الواقع المرعب” الذي أفرزته انتخابات 2025.
وبين برلمان يصفه البعض بـ”المأزوم” قبل أن يبدأ، ومشهد انتخابي شابه “العزوف” و”المال السياسي”، يفتح “البياضي” النار في كل الاتجاهات، لا يستثني الحكومة، ولا يُبرئ المعارضة التي يعترف بفشلها في “اختبار الفردي”.
وفي أولى حواراتنا الجديدة التي تأتي تحت عنوان “البرلمان المأزوم”، يشرح البياضي كيف يرى برلمان 2026 “مفترق طرق”، ويكشف عن أجندة تشريعية “ملغومة” تشمل الإيجار القديم والأحوال الشخصية، مؤكدًا أن المعارضة تحت القبة لن تكون مجرد “ديكور” في مسرحية سياسية.

فإلي نص الحوار:
“طبخة” معيبة ومشهد مرعب
بدايةً.. كيف تقيم المشهد الانتخابي الراهن برمته؟
هناك عدم رضا عن المشهد الانتخابي. وهذا نتاج طبيعي؛ لأن المشهد السياسي -الذي يتضمن طريقة وقانون الانتخابات نفسه الذي كان لنا كحزب “المصري الديمقراطي الاجتماعي” اعتراض على طريقته- يعاني من إشكاليات.

لدينا مشاكل أخرى في قانون الأحزاب، والممارسات الفعلية، والحريات المتاحة للأحزاب والحياة الحزبية في مصر والحياة السياسية بصفة عامة. فعندما يكون كل هذا الواقع محملاً بالمشاكل والتحديات، فلا نتوقع أن تخرج الانتخابات بدون مشاكل.
ما حدث هذه المرة أن المشاكل ظهرت بصورة أكبر، لأن الأمور تسوء في كل مرة عما قبلها.
الانتخابات تعاني من مشاكل منذ زمن، لكن هذه المرة انكشفت أكثر، فظهر للناس أن المجتمع غير راضٍ بجزء كبير -ولا يمكننا خداع أنفسنا- عن طريقة الانتخابات وعمّا تمخض عنها. وهذه نتيجة طبيعية، لأنك عندما تقدم معطيات، وعندما تكون بصدد إعداد “طبخة” لها وصفة ومكونات معينة، والمكونات التي تضعها بها مشاكل، فبالتأكيد “الطبخة” كلها ستخرج وبها مشاكل في النهاية.
لماذا باع المواطن صوته؟
وسط هذه التفاصيل.. ما هي الظاهرة الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لك في هذه الانتخابات؟
ما يقلقني أكثر في مشهد الانتخابات ليس أن فلان حصل على كم صوت، أو أن أصواته قلت، أو كان ناجحاً ثم رسب.. ما يرعبني هو نسبة الإقبال الضعيفة على الانتخابات، وعدم مشاركة المواطن فيها.
عندما أجد أنه في آخر مرحلة بانتخابات الإعادة أن نسبة المشاركة تتراوح من 1.2% لـ 3% في بعض الدوائر، فهذه نسبة مرعبة. ماذا يعني أن يذهب 1% فقط من المواطنين للانتخاب و99% يعزفون عن المشاركة؟ هذه كارثة تعني أن المواطن لا يشعر بقيمة صوته في هذه الانتخابات.

العيب ليس على المواطن، بل العيب أنه إما أصبح يشعر أن صوته غير مؤثر، وأن الانتخابات غير مجدية فبالتالي يعزف عن الذهاب، أو عندما أجد أن المواطن يبيع صوته بـ 200 جنيه، فهذا لا يعني أن المواطن لديه مشكلة، بل يعني أنه أصبح يشعر أن صوته بلا قيمة له فباعه بثمن بخس.
عن وعود “إفطار الأسرة المصرية”
من يتحمل وزر هذا المشهد “المعيب” الذي استدعى تدخلًا رئاسيًا لتصحيح المسار منذ البداية؟
بالطبع تدخل الرئيس السيسي ساهم في كشف العوار الموجود في المشهد الانتخابي. ولكن كما قلت لا يصح أن يؤخذ المشهد الانتخابي منفردًا.
كان يجب أن يكون التدخل مبكرًا قليلًا، حيث يكون تدخلًا في المشهد السياسي برمته، وهذا حدث مع بداية الحوار الوطني لكن لم يكتمل.

كنت حاضرًا في إفطار الأسرة المصرية الذي كان الرئيس موجودًا فيه، ودعا الرئيس حينها إلى إصلاح سياسي، ودعا للحوار الوطني من منطلق – كما قال – “أننا تأخرنا في الإصلاح السياسي”، وأنا كنت أجلس أمامه وأسمع الحديث بأذني حين قال: “تأخرنا في الإصلاح السياسي وحان الوقت لإجراء إصلاح سياسي ونبدأ بالحوار الوطني”.
كانت هذه دعوة لبداية إصلاح سياسي. وتفاءلنا خيرًا وقتها، ونحن كحزب أيدنا هذا الحوار الوطني وشاركنا فيه سواء كمشاركين في لجان أو في مجلس أمناء الحوار الوطني، لكن للأسف لم يخرج المنتج الذي توقعناه، ولم يحدث الإصلاح الذي تخيلناه.
شركاء في “الأزمة”
هل تتحمل أحزاب الموالاة بتركيبتها الحالية المسؤولية الكاملة عن هذا المشهد؟
المسؤولية مشتركة، لكن بالطبع من بيده القرار يحمل مسؤولية أكبر. اللوم يقع على من يصيغ القوانين.
ألوم من صاغ قوانين الأحزاب وكبّل الأحزاب الصغيرة والأحزاب التي لا تمتلك موارد ولا تستطيع ممارسة عملها بحرية ولا تستطيع أن تنمو. ألوم من وضع قانونًا يمنع التنافسية الحزبية.

وبالطبع الحكومة وأحزاب الأغلبية الموجودة في البرلمان، والتي من المفترض أنها وافقت على هذه القوانين المعيبة، هي من تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية.
أنا لا أستطيع أن ألوم المواطن البسيط الذي يبيع صوته، لكن ألوم من جعله محتاجًا ويبيع صوته، وجعله يشعر أن صوته ليس له قيمة فباعه بثمن رخيص.
بصراحة أكثر.. هناك اتهامات لحزب “مستقبل وطن” بأنه “طمع” في الكعكة الانتخابية أكثر من اللازم، ما تعليقك؟
لا أريد ذكر أحزاب بعينها. الأغلبية ليست فقط حزب مستقبل وطن، هناك عدة أحزاب تشكل الأغلبية.
المشهد الانتخابي نتيجة طبيعية لمشهد سياسي معيب، وأنا وجهت لومي للأغلبية كلها التي وافقت خروج قانون الانتخابات بهذه الطريقة الحالية، وحزب “مستقبل وطن” جزء من الأغلبية بالطبع، لكن لا أستطيع أن ألومه وحده وأركز فقط على الانتخابات.
إذن، من الذي وضع “العصا في العجلة” وعرقل مسار الإصلاح السياسي الذي طُرح في الحوار الوطني؟
لا أستطيع لوم شخص ولا مؤسسة بحد ذاتها، لكن أتوجه إلى من يملك القرار، فأصحاب القرار هم المسؤولون عما آلت إليه الأمور.
القوانين تسير كالتالي: الحكومة تقدم قوانين، والأغلبية توافق على ما تقدمه الحكومة أيًا كان. الحكومة لم تقدم قوانين جيدة، والأغلبية وافقت على هذه القوانين المعيبة. وهؤلاء جميعًا مسؤولون كما قلت.
شبهة “بيع المقاعد” داخل الحزب
ننتقل إلى ملف “المال السياسي” الذي كان الحاضر الأبرز والانتقاد الأكبر في هذه الانتخابات.. كيف قرأت تمدده؟
في البداية مصطلح “المال السياسي” في حد ذاته ليس شيئًا سيئًا. أن يمتلك الفرد مالًا ويستخدمه في السياسة ليس عيبًا، ولكن العيب هو استخدامه بشكل خاطئ في السياسة؛ كاستخدامه كرشوة أو لشراء أصوات.
التعبير الدارج الآن عندما نقول “مال سياسي” ينصرف الذهن فورًا لفكرة الرشوة والاستخدام الخاطئ.، لكن لكي نكون واضحين، ليس كل غني فاسد، فهناك من يمتلك المال ويستخدمه بطريقة صحيحة في السياسة.

ثانيًا، هل نرى المال السياسي لأول مرة في الانتخابات؟ الإجابة لا. فالمال السياسي موجود منذ بداية عهد الانتخابات. ربما مع التضخم زادت الأسعار، والمبالغ التي تدفع في إفساد الحياة السياسية وشراء الأصوات والمقاعد في البرلمان ارتفعت تسعيرتها، فأدى كل ذلك إلى الأمر تفاقم عما سبق.
ولكن طالت حزبكم “المصري الديمقراطي” اتهامات باستخدام المال السياسي بشكل سلبي وشبهات “بيع مقاعد” في القائمة.. ما ردك؟
نعم قيل ذلك، وأنا سمعت كلامًا كهذا، ولكن أنا أقول لك هذا الكلام لم يحدث، لأنه عُرض علينا بالفعل أن يشتري أناس مقاعد من خارج الحزب.
أتحدث عن القوائم تحديدًا لأن الدخول في القائمة هو “شبه تعيين” في البرلمان، فكانت هناك عروض لأشخاص من خارج الحزب بمبالغ كبيرة لتدفع، ومع ذلك رفضنا أن نفعل ذلك، رغم أننا حزبنا ليس غنيًا ويحتاج المال.
قد تكون هناك أحزاب أخرى فعلت ذلك، وهي مسؤولة عما فعلته. لكن نحن لا يوجد أي مرشح على قوائم الحزب لم يكن عضوًا في الحزب منذ سنتين على الأقل، وتم الاختيار بطريقة ديمقراطية من لجنة منتخبة من الحزب، وهذه اللجنة هي التي اختارت الأسماء ورتبتها.
كل من تقدم – وكانوا أكثر من 70 شخصًا – تم ترتيبهم من اللجنة المنتخبة، وهم من جاؤوا بحسب الترتيب والاختيار. هنا قد يسأل البعض: هل اختيار اللجنة كان الأفضل؟ وردي: في النهاية هي لجنة بشرية، قد يكون فيها عيوب، ووارد أن شخصًا كان يستحق ولم يأتِ والعكس.
لكن الطريقة التي تم بها اختيار الناس كانت على هذا الأساس الديمقراطي وبمعايير وضعتها هذه اللجنة، بغض النظر عن كون هذه المعايير غير كاملة 100%.
جرائم الرشاوي الانتخابية
وفقًا لرصدكم الميداني.. لماذا تفشت ظاهرة الرشاوى الانتخابية بهذا الشكل الفج هذه المرة؟
انخفاض نسبة المشاركة يسهل الرشاوى الانتخابية. عندما تكون المشاركة 1%، والمشاركون عددهم 20 أو 30 ألفاً، فمن السهل أن أشتري 10 آلاف صوت. لكن لو كان عدد المشاركين نصف مليون، سيكون من الصعب شراء أصوات كثيرة، وسيتطلب ذلك مبالغ طائلة.

كلما قلت نسبة المشاركة، زادت فرصة شراء الأصوات. إعادة الانتخابات وإلغاؤها – بحسب قرارات الهيئة الوطنية والمحكمة الإدارية – لم يخدم العدالة في الانتخابات، بل بالعكس خدم الفاسدين أكثر.
تبنيت قناعة بأن قرارات الإعادة والإلغاء خدمت الفاسدين ولم تخدم العدالة، رغم أن البعض يراها دليلًا على “تحصين ونزاهة” العملية الانتخابية.. كيف تفسر ذلك؟
لأنك أولًا لم تحاسب المخطئ. قلت إن هذه الانتخابات بها عوار، حسنًا، التزوير أو ما حدث لم يهبط من السماء، هناك من صنع هذا العوار، هل حاسبته؟ لم تحاسبه.
كان يجب محاسبة هذا الشخص، سواء كان ناخباً أو مرشحاً أو مسؤولاً، وتحديد أين كان الخطأ ومحاسبة فاعله. وإذا كان مرشحاً يجب منعه من دخول الانتخابات، وهذا حق بحسب القانون للهيئة الوطنية للانتخابات بإحالة الأمر للمحكمة الإدارية ومنع الشخص من الترشح. هكذا تكون قد عاقبت المسؤول.
لكنك أعدت الانتخابات، فالشخص الذي يملك الملايين واشترى أصواتاً في المرة الأولى، سيشتريها في المرة الثانية. أما الشخص الذي دخله محدود ولا يملك مالاً لشراء الأصوات ويعمل بمجهوده، واستنفد أمواله في المرة الأولى، عندما أعدت الانتخابات لم يعد لديه مال لينفقه، فظلمته. فأصبح الآن أنك تخدم الشخص الذي يملك المال ويشتري الأصوات، ومنحته فرصة أكبر في الإعادة بالمرحلة الثانية.
لماذا قبلنا القائمة المغلقة؟
فزتم بمقاعد عبر المشاركة في “القائمة المطلقة” رغم انتقادكم الشرس لها.. كيف تفسر هذه المفارقة السياسية؟
نعود لنقول إننا لم نكن موافقين على هذا النظام وما زلنا غير موافقين عليه؛ نظام القائمة المغلقة مضر للحياة السياسية والانتخابات. والناخب يذهب ولا يعرف أي حزب ينتخب ولا من بداخل القائمة، ويغطي مساحات انتخابية كبيرة تصل إلى 6 محافظات. هذا ليس أفضل نظام في التمثيل.

نحن نطالب بنظام التمثيل النسبي، وأن تكون لدينا قائمة نسبية. إذا حصلت القائمة على 30% من الأصوات، ينجح 30% من المرشحين فيها. وتكون على دوائر صغيرة وقوائم حزبية. فيختار الناخب قائمة الحزب الذي يقتنع بمبادئه.
في بعض الأنظمة الأفضل، تكون قائمة نسبية مفتوحة، حيث أختار قائمة الحزب وأختار مرشحاً بعينه ضمن القائمة، فإذا حصل المرشح رقم 10 في القائمة على أصوات كثيرة، قد يصبح رقم 1، لأن الناس تريده بالتحديد. هذا يعطي تمثيلاً أكثر، وكذلك الحزب الذي لديه أغلبية ساحقة و80% من الأصوات يأخذ 80% من المقاعد، والذي لديه 10% يأخذ 10%. هذا يعطي تمثيلًا أفضل.
لكن يرى منتقدون أن هذا الترتيب جزء من “هندسة انتخابية” تقتل التنافسية، ووصل الأمر بالبعض لوصفها بـ “التمثيلية”.. كيف ترد؟
سمعت هذا الكلام، وللناس الحق في رؤية النظام غريبًا؛ حزب معارض وحزب موالاة في قائمة واحدة، هو فعلًا نظام غريب. لكن هل هذا جعل الحزب المعارض يلعب دورًا مرسومًا؟ كلمة “هندسة” تقال بمعنى أنها “تمثيلية”.
متى تكون تمثيلية؟ عندما ألعب دور المعارضة وأتلقى تعليمات من أحزاب الموالاة بـ “عارض في هذا ولا تعارض في ذاك”. هل هذا يحدث مع “المصري الديمقراطي”؟ لا، لم يحدث. ولكن يحدث ذلك مع أحزاب أخرى.. نعم أم لا؟ لا أستطيع الحديث عن أحزاب أخرى، ربما حدث.

أنا أتحدث عن نفسي وعن حزبي. نحن اصطدمنا مع الموالاة والحكومة وأجهزة الدولة في مواقف كثيرة جدًا، وكنا الحزب الوحيد الذي يعترض ولم نخضع لضغوط.
الناس تصفها بالتمثيلية لأنهم يرون نسبة التغيير قليلة. أنت غير قادر على تغيير القوانين، وفي النهاية الأغلبية تفعل ما تريد.
هذا يحدث في أي برلمان في العالم. الحل هو أن ينضبط المشهد السياسي، وتكون هناك إمكانية للتغيير، بحيث يمكن للحزب المعارض أن يصبح أغلبية في المرة القادمة ويشكل الحكومة. هذا يعطي أملاً للناس للذهاب للانتخابات.
هناك رأي سائد بأن هذه التجربة أفادت الحزب بالحصول على مقاعد، لكنها أضرت الحياة السياسية بمجملها.. هل هذا دقيق؟
الناس هي من تحكم. نحن دخلنا في 2020 على القائمة المغلقة بنفس الطريقة. وجودنا في القائمة المغلقة لم يمنع الحزب من أداء دوره، وأعتقد أن الناس يمكنها الحكم بذلك. نحن اعتبرناه تحالفًا انتخابيًا وليس تحالفًا سياسيًا.
كنا موجودين مع أحزاب أخرى، وهذه الأحزاب لم تملِ علينا ما نقوله في البرلمان، ولم تضع علينا قيودًا، ولم تمنعنا من التعبير عن صوتنا. بالعكس، كنا نعارض ونمثل صوت الشعب، وليس صوت الأحزاب التي معنا في القائمة.
اعترافات المعارضة: فشلنا في التنسيق
ننتقل إلى تحالف “الطريق الديمقراطي” على المقاعد الفردية.. لماذا فشل إلى حد أن بعض الأحزاب لا تزال تقف عند “صفر مقاعد”، ورسب عدد كبير من المرشحين؟
بصراحة لم ننسق مع بعضنا كما يجب، ولم يحدث تنسيق بالمستوى المأمول وحدث تقصير، وكان هناك مرشحون من أحزابنا نزلوا أمام بعضهم البعض، وهذا خطأ منا كأحزاب.

لدينا كمصري ديمقراطي 3 مرشحين في الإعادة للمرحلة الثانية ونتمنى فوزهم، لذا فالنتيجة ليست صفرًا بعد. لكن كل أحزاب المعارضة لم نَرَ فيها منافسة حقيقية في الفردي، ليس فقط “المصري الديمقراطي” أو التحالف. لو كانت الصورة أفضل، لكان التحالف والحزب أكثر تأثيرًا.
أعود فأقول مجددًا إن السبب هو وجود مشكلة في المشهد السياسي. الانتخابات الفردية دخل فيها المال والقبليات، والناخب لا يدرك أنه يختار حزبًا، بل يذهب لاختيار مستقلين.
مع احترامي لأصدقائي المستقلين الرائعين، لكن عندما يختار الناس مستقلين على حساب الأحزاب، فهناك خطأ في الصورة، لأن الحياة السياسية تقوم على الأحزاب. في البرلمانات المتطورة لا يوجد “مستقل”، الناس تختار حزبًا. لكن القانون لدينا يسمح بذلك. كون الناس تختار مستقلين أو من يقدم خدمات أو يدفع مالاً، جعل الأحزاب بلا دور قوي في الشارع. أحزابنا سياسية تقدم فكراً ورؤية وليست خدمية، وهذا ما أدى لهذه النتيجة.
هل تتحمل قيادات أحزاب المعارضة المسؤولية المباشرة عن هذه الإخفاقات وانفراط عقد التحالف؟
لا أسعى لإعفاء قيادات المعارضة من المسؤولية، بالتأكيد لدينا سلبيات. لكن لا أريد تحميل اللوم كله على أحزاب المعارضة، لأنهم لو رأوا أن تحالفهم سيكون مؤثرًا – كما لا يرى الناخب صوته مؤثرًا – لفعلوا ذلك.
أحزاب المعارضة لم ترَ أن تحالفها سيكون مجديًا أو مؤثرًا في تغيير نتيجة الانتخابات، ولهذا “انفرط” التحالف.
هل أضر بمصداقية المعارضة اللجوء للتحالف مع أحزاب الموالاة في بعض المقاعد الفردية، أو ما يُعرف بـ”إخلاء الدوائر” لمرشحين بعينهم؟
أريد الفصل بين التحالف وإخلاء الدوائر. التحالف وارد في أي انتخابات. أما إخلاء الدوائر فهو جزء من “الهندسة” التي ذكرتها. كما ترتب لنجاح أشخاص في القائمة، ترتب لنجاحهم في الفردي. هذا حصل وشاهدناه في دوائر أخرى، وإن لم يحدث مع “المصري الديمقراطي”.
الناس ترى وتعرف.
قد تفعل ذلك لإنجاح أشخاص محترمين، لكن الأفضل ترك الأمور مفتوحة دون ضغط أو هندسة أو إخلاء دوائر، وترك الناس تختار. لو انضبط المشهد وحس الناس بقيمتهم، لن نحتاج لهندسة، والناجحون سينجحون بجدارتهم.
برلمان 2026.. مشرط جراح أم عوار دستوري؟
يذهب البعض للقول إنه طالما أن 50% دخلوا عبر القائمة الوطنية بـ”شبه تعيين”، وتم إخلاء دوائر لشخصيات بعينها، فنحن لسنا بصدد عملية انتخابية حقيقية.. ما رأيك؟
هناك جزء منطقي في كلامك، واتضح في ضعف الإقبال. الناس لم تشعر بقيمة الانتخابات فلم تشارك. كلما شعر الناس أن الموضوع “مُرتب” والنتيجة محسومة، عزفوا عن المشاركة.
الصورة التي تصدرت للناس هي أن “البرلمان مُرتب”، وهذه إشكالية تحتاج لإصلاح سياسي شامل وليس فقط ترتيب البرلمان.

هل يستدعي هذا المشهد شبح “برلمان 2010” من حيث الهيمنة وإقصاء المعارضة؟
لا أرى الصورة سوداء تمامًا، لكنها ليست الأفضل. في كل البرلمانات السابقة كانت هناك أغلبية تسيطر، ولكن التغيير سيحدث عندما يشعر المواطن أن أحزاب المعارضة يمكن أن تصبح حاكمة فيدعمها لتغيير القوانين. نحن نستحق برلمانًا وتمثيلًا أفضل، وتطورًا في الحياة النيابية يتناسب مع تاريخنا.
هل يوحي أداء أحزاب الموالاة في الانتخابات بتغيير محتمل في سلوكهم تحت القبة في البرلمان المقبل؟
هذا السؤال يوجه لهم. لكنني أرى أنه لابد من التغيير. إذا كنا نخاف على مصر ونريد حماية الأمن القومي، يجب أن يشعر الناس باستقرار الحياة السياسية وتأثير صوتهم. الحقوق السياسية جزء من حقوق الإنسان والأمن القومي.
عندما يشعر المواطن بكرامته وقدرته على التغيير، سيشارك في بناء الدولة ولن يكون عالة عليها.

تعددت الآراء حول مصير برلمان 2026؛ البعض يرى أنه “أصيب بعوار” والبعض الآخر يصفه بأنه خضع لـ”مشرط جراح”.. كيف ترى مآلات هذا المجلس؟
هناك وجهتا نظر: من يرى أنه “أصيب بعوار”، ومن يرى أنه خضع لـ “مشرط جراح” نظفه وألغى الدوائر المشبوهة وحصنه.
أنا أرى أن إعادة المشهد ليس الأفضل، وأن الأفضل هو إعادة تقييم الأسباب التي أدت لهذا الارتباك (إلغاء دوائر وإعادتها). هذا مشهد مقلق وغير مريح. يجب دراسة الأسباب وإعادة صياغة القوانين والمشهد السياسي لعدم تكرار ذلك.
كشف حساب
بالعودة إلى “تحت القبة” ومحطة برلمان 2020.. لماذا برأيك يصنفه مراقبون بأنه من “أصعب البرلمانات” التي أنتجت ترسانة قوانين أضرت بالحياة السياسية والمسار الحقوقي؟
هذا الكلام يقال على كل برلمان، السابق والحالي ومن المحتمل القادم كذلك، حيث صدرت قوانين كثيرة مثيرة للجدل، بجانب أن الضغوط الاقتصادية في السنوات الأخيرة جعلت الناس تتساءل عن دور البرلمان الذي يوافق على القروض والضرائب.
الناس تحمل البرلمان المسؤولية ولا ترى أن هناك أقلية عارضت وأغلبية وافقت، لأن الجلسات غير مذاعة.

أطالب بأن تذاع الجلسات على الهواء بشفافية، ليرى الناس من يقف في صفهم ومن “يمثل عليهم”. من يقول شيئاً في الشارع ويفعل عكسه في البرلمان. يجب أن تكون الجلسات متاحة للجمهور.
الإيجار القديم والأحوال الشخصية
إذًا، ما هي ملامح الأجندة التشريعية لحزبكم في برلمان 2026 لإصلاح هذا العوار؟
سنتقدم بتعديلات لقوانين أُقرت بطريقة غير مرضية، مثل قانون الإيجارات القديم ليحقق العدالة للطرفين، وقانون الإجراءات الجنائية، وقانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون التعليم الذي يحتاج لتغيير جذري.
كما سنتصدى لقانون الإدارة المحلية، وقانون مفوضية عدم التمييز، وقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين والمسلمين، وقانون حرية تداول المعلومات.
هذه أولوياتنا. وبالتحديد قوانين مباشرة الحقوق السياسية والأحزاب ستكون في أوائل أجندتنا، لأنها بداية الإصلاح.
هل تعولون على تشكيل “تحالف للمعارضة” داخل البرلمان لتمرير هذه الأجندة الثقيلة؟
هذا مهم وضروري. الصوت الموحد أقوى. في برلمانات أخرى، نجحت أحزاب صغيرة عبر التحالف في تشكيل أغلبية وحكومة رغم وجود حزب كبير فائز.
التنسيق بين المعارضة ضروري لنكون مؤثرين. ومن المهم كذلك التشبيك مع منظمات المجتمع المدني والحقوقيين والسياسيين من خارج البرلمان، كي نعطي دعمًا وقوة لأجندتنا داخل البرلمان فالحزب يعبر عن صوت المجتمع.
هل لا تزال هناك مساحة سياسية لطرح حلول لملف “سجناء الرأي” تحت القبة في الفصل التشريعي المقبل؟
للموضوع شق تشريعي وشق تطبيقي. تشريعيًا، يجب ألا يكون هناك سجناء رأي، بل حرية تعبير طالما لم تدعُ لإرهاب أو عنف.
إذا كانت هناك قوانين تحد من حرية الرأي، يجب تعديلها. تطبيقيًا، يجب ألا يُمارس قمع أو سطوة ضد من يبدي رأيًا معارضًا.
هناك صورة صُدّرت بأن المعارضة ضد الدولة. المعارضة جزء من الدولة، وغيابها يضعف الدولة. المعارضة في صالح الدولة وليست ضدها.
لغز “المحليات” وجدل تعديل الدستور
يتردد حديث عن إجراء انتخابات المحليات أواخر 2026.. هل تتوقع حدوث ذلك بعد سنوات من التأجيل؟
نسمع عن اجراء انتخابات المحليات منذ فترة طويلة. غياب المحليات إشكالية كبرى، لأنها أساس الخدمات، وغيابها يشغل النائب عن دوره التشريعي والرقابي ليقوم بدور المحليات.
الحجج السابقة كانت عدم الاستقرار الأمني، وقد انتهت. الحجة الحالية هي صعوبة تمثيل “الكوتة” الدستورية، وهذا مردود عليه بإمكانية عمل قانون بقوائم نسبية. يجب إجراء المحليات فوراً لتصحيح الحياة السياسية.

يلمح بعض المحسوبين على الموالاة إلى ضرورة تعديل الدستور، وتحديدًا مدد الرئاسة.. ما موقفك وحزبك؟
الدستور ليس منزلًا وقابل للتعديل. الفكرة فيما سيُعدل وكيف. عندما تُطرح المواد للتعديل سنبدي رأينا وقتها.
ولكن، هل ترى أن مصر بحاجة لفتح هذا الملف الآن؟
من حق أي شخص تحت القبة فتح أي ملف وإبداء رأيه، ولكن “لكل مقام مقال”، وعندما يُطرح الأمر سنرد عليه. هناك أمور في الدستور قد تحتاج لتعديل، ولكن كلما كان هناك استقرار دستوري كان أفضل.
مفاجأة 2030.. الحزب يستعد للحكم
يتم تداول أسماء لقيادات معارضة كمرشحين محتملين لانتخابات الرئاسة 2030.. هل لديكم كحزب نية لخوض هذا السباق؟
شاركنا في الانتخابات السابقة، ونفكر جديًا في انتخابات 2030 من الآن. بدأنا الاستعداد ونعد العدة ونضع استراتيجية بعيدة المدى. هدفنا كحزب ليس مجرد التمثيل البرلماني، بل أن نحكم ونشكل حكومة يوماً ما. أي حزب لا يهدف للحكم “بيهزر”.
هل ستنسقون مع باقي أطياف المعارضة (أحزاب الحيز المتاح أو الحركة المدنية) في الملف الرئاسي؟
نميل دائمًا لتوسيع قاعدة المشاركة. في أي انتخابات نفتح المجال لانضمام الأحزاب المتوافقة معنا لزيادة القوة.

يتردد اسم النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، كمرشح محتمل.. هل يخلق ذلك تعارضًا؟
النائب عبد المنعم إمام صديق ونائب متميز، لكنه لم يعلن ترشحه، والكلام مجرد أقاويل. ونحن كحزب لم نحدد مرشحنا بعد، سواء كان فريد زهران أو غيره، أو دعم مرشح آخر. لم يعلن أحد ترشحه حتى الآن.
ختامًا.. إلى أين تذهب مصر في ضوء كل ما سبق؟ وهل ما زلت تملك رفاهية التفاؤل؟
أتمنى أن نستفيد من التخبط الأخير لنتقدم للأمام. ليس عيبًا وجود سلبيات، لكن أتمنى أن تصل مصر لمستوى أفضل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لأننا نستحق ذلك. وهذا دور تكاتف الدولة بمؤسساتها وأحزابها وشعبها.
وأطالب صانع القرار في المشهد العام بدراسة ما حدث لعدم تكراره، وتقوية الحياة الحزبية ليكون لدينا أحزاب حقيقية، لا مجرد أحزاب تؤيد الحكومة بلا رؤية.

الحزب الحقيقي يجب أن يكون له مبادئ واضحة، سواء في الحكم أو المعارضة. هذا سيخلق برلمانًا يمثل الشعب تمثيلًا حقيقيًا.
وأطالب صناع لقرار في جميع أحزاب المعارضة بأن ينظروا للأحزاب ككيانات لها مبادئ، وأن يسعوا للاندماج والتحالف لتقويتها، وأن ينظروا للمستقبل ليكونوا أحزاب مؤثرة وقادرة على صناعة التغيير، وليس مجرد أحزاب لها ممثلون في البرلمان والإعلام.
أنا دائمًا متمسك بالتفاؤل رغم الصعوبات والتحديات. لولا التفاؤل لما كنت موجودًا في البرلمان القادم ولا كنت أتحدث معك اليوم.



التعليقات