فيلم "الست".. لماذا خذل "ستانسلافسكي" منى زكي في اختبار أم كلثوم؟

في تجربة سينمائية أثارت الكثير من الجدل حتى قبل عرضها، استقبلت دور العرض فيلم "الست"، الذي يتصدى لمهمة صعبة: سرد السيرة الذاتية لأيقونة الطرب العربي، السيدة أم كلثوم.

العمل يأتي بتوقيع كوكبة من صناع السينما؛ فهو من بطولة منى زكي، أحمد خالد صالح، وسيد رجب، عن سيناريو للكاتب أحمد مراد، ورؤية إخراجية لمروان حامد.

يضعنا الفيلم منذ اللحظة الأولى أمام ذروة درامية مكثفة، حيث يفتتح مشهده الأول بحدث مفصلي: سقوط السيدة أم كلثوم مغشيًا عليها فوق خشبة مسرح "الأولمبيا" في باريس، تلك اللحظة الشهيرة التي تلت محاولة أحد المعجبين المتحمسين (جزائري الجنسية) تقبيل يديها. هذا الاستهلال البصري لا يمر دون أن يستدعي إلى ذاكرة المشاهد المتمرس فورًا مشهدًا أيقونيًا آخر؛ إذ يبدو بمثابة "تناص سينمائي" صريح أو محاكاة فنية لمشهد انهيار النجمة الفرنسية ماريون كوتيار وسقوطها المدوي على مسرح نيويورك في فيلم "La Vie en Rose"، الذي وثّق حياة أسطورة الغناء إديث بياف.

وكما اعتمد الفيلم الفرنسي على "السقوط" كبوابة زمنية (فلاش باك) للغوص في الذاكرة، استخدم فيلم "الست" الآلية ذاتها، متخذًا من لحظة الضعف الجسدي هذه جسرًا دراميًا للعودة إلى الوراء، وتحديدًا إلى مرحلة الطفولة القاسية، كاشفًا عن جذور المعاناة الأولى والعقبات التي شكلت وجدان "الست" منذ نعومة أظفارها.

ومن هذه النقطة، ينطلق الخط السردي متتبعًا رحلة الصعود المتشابكة مع تاريخ مصر، بدءًا من العهد الملكي وتحولاته، وصولًا إلى لحظة المخاض الثوري وتغير وجه الوطن، ليُسدل الستار في المشهد الختامي على لحظة الوداع الكبرى؛ جنازة أم كلثوم التي تحولت إلى طوفان بشري مهيب".

منى زكي على مقياس ستانسلافسكي

"أن تؤدي بحق، يعني أن تكون صادقًا، ومنطقيًا، منسجمًا مع ذاتك، وأن تفكر في وحدة دورك وتسعى إليها وتشعر بها، لتستوعب الأسلوب النفسي للدور الحي"؛ هكذا حدد قسطنطين ستانسلافسكي - الأب الروحي لفن التمثيل في القرن العشرين - معايير الأداء التمثيلي الفعال. لقد وضع هذا المُنظّر المسرحي ركائز صارمة للعملية الإبداعية، أبرزها "التلقائية المدروسة"، التي تعني أن تبدو الشخصيات وكأنها تعيش حياة داخلية متصلة ومستمرة من المشاعر والأفكار الكامنة خلف جمل الحوار، مما يخلق لدى المُشاهد إحساسًا يقينًا بأن تصرفات الممثل نابعة من اللحظة الراهنة وليست محفوظة مسبقًا.

منى زكي تُجسد أم كلثوم
منى زكي تُجسد أم كلثوم

إشكالية الحضور الذهني الطاغي

على النقيض من هذه القاعدة، عندما ينشغل الممثل بالتفكير في حركته التالية أو كيفية تصدير انفعاله القادم، يحدث خلل واضح في انسيابية الأداء وسلاسته، وتتلاشى تلك "الحالة الهلامية" التي تربط الممثل بالشخصية. وهذا - من منظور نقدي بحت - ما يمكن استشعاره في أداء الفنانة منى زكي خلال محطات عديدة من الفيلم؛ إذ بدا للمتلقي في بعض المشاهد أنها "تُهندس" الدور بدلًا من أن "تحياه".

ظهرت الفنانة في بعض اللحظات وكأنها مشغولة ذهنيًا بترتيب المشهد التالي أو التحضير للمقطع الأكثر صعوبة دراميًا، بدلًا من الانغماس الكامل في "الآن وهنا". هذا التشتت اللحظي أفقدها - إلى حد ما - القدرة على التقمص الكامل والذوبان في الكيان النفسي والمعنوي لشخصية بحجم السيدة أم كلثوم. وقد انعكس هذا "الأداء الذهني" على ردود فعل قطاع من الجمهور، الذي استشعر وجود مسافة شعورية بينه وبين الشخصية المجسدة على الشاشة.

غياب الارتجال وسيطرة "التكنيك"

لقد جنحت منى زكي في تجربتها هذه إلى الاعتماد على "العقل" كأداة تحكم، أكثر من اعتمادها على "المشاعر" كوقود محرك، وهو ما أوقع الأداء في بعض المناطق في فخ "التكلف التقني" (Over-technicality) على حساب التلقائية الحارة. فالممثل البارع هو من يترك زمام القيادة لأحاسيسه لتخلق هي القالب الخارجي، لتأتي النتيجة طبيعية وخالية من التصنع.

وربما لو منحت الفنانة نفسها مساحة أكبر لممارسة "فن الارتجال"، ولو في مشاهد محدودة، بعيدًا عن التقيد الحرفي الصارم بالسيناريو المكتوب، لساعدها ذلك كثيرًا على كسر الجمود وتوليد ردود أفعال وليدة اللحظة. فالارتجال المدروس كان كفيلًا بأن يضفي لمسة من "الأنسنة" والعفوية، مما يعزز من مصداقية الشخصية ويجنبها الوقوع في فخ الأداء المحسوب بالورقة والقلم.

الوقوع في فخ "الاستنساخ" البصري

لم تكن المعضلة الأساسية في أداء الفنانة منى زكي تكمن في ضعف الموهبة، بل في منهجية الاقتراب من الشخصية. يبدو أنها لم تتمكن من تجاوز حاجز "التقمص الشكلي" للوصول إلى الجوهر الإنساني للسيدة أم كلثوم؛ إذ غابت تلك المحاولة الضرورية لاستبدال "الذات" بـ"الآخر"، ولو لبرهة من الوقت.

لم نشعر بذلك الحضور الطاغي - الكاريزما - الذي كان يميز "الست" شكلًا ومضمونًا.

ورغم الجهد المبذول بصريًا، إلا أن الاعتماد المفرط على المكياج الثقيل والإيماءات الجسدية المفتعلة للوصول إلى "صورة طبق الأصل" قد أتى بنتائج عكسية؛ فمحاولة "استنساخ" ملامح أم كلثوم بدلًا من استلهام روحها جعلت الأداء يبدو في بعض الزوايا أقرب للمحاكاة الخارجية الصرفة منه للتدفق الطبيعي للشعور.

وقد أثرت هذه المبالغة في التشكيل الجسدي سلبًا على مخارج الحروف وطريقة الحديث، التي بدت مشوبة بشيء من التكلف وغياب الانسيابية الطبيعية.

استدعاء النماذج المرجعية

تتجلى الفجوة في الأداء بوضوح عند عقد مقارنة فنية مع تجارب سابقة راسخة في ذاكرة الدراما العربية. فعندما تصدت الفنانة "صابرين" لمسلسل "أم كلثوم" عام 1999، أو عندما جسد العبقري "أحمد زكي" شخصية الزعيم في "ناصر 56" عام 1996، لم يعتمد هؤلاء النجوم على التطابق الشكلي فحسب؛ بل غاصوا في الأعماق النفسية للشخصيات.

لقد نجحوا في وضع ذواتهم محل الشخصية التاريخية، وتبني حيلها الدفاعية، وهواجسها، ومشاعرها الداخلية، فكانت النتيجة أن انتقلت "روح" الشخصية إلى المشاهد بتلقائية مدهشة. في المقابل، افتقر أداء منى زكي لهذا "الاستدعاء الروحي" الحقيقي لكوكب الشرق، فظلت المسافة الفاصلة بين الممثلة والدور واضحة للعيان.

لغة الجسد.. دلالات "المنديل" المفقودة

حتى على مستوى التفاصيل الدقيقة، مثل التعامل مع "المنديل" الشهير، جانبت الدقةُ الأداءَ التمثيلي. ففي الفيلم، كانت منى زكي تحرك المنديل بطريقة اتسمت بالعصبية والحدة، وهي حركة توحي بالتوتر وربما التسلط.

وهذا يتنافى مع القراءة الفنية لحركة أم كلثوم الحقيقية؛ فالمنديل في يد "الست" لم يكن مجرد قطعة قماش، بل كان امتدادًا لحالتها الشعورية، يتحرك بنوع من "الحميمية" والتجلي، وكأنه عصا مايسترو خفية تضبط بها إيقاع السلطنة والتواصل الروحي مع فرقتها الموسيقية، بعيدًا عن تلك الحدة التي صُدرت في الفيلم.

مفارقة الصوت واللهجة

لعل واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل النقدي كانت "اللهجة" المستخدمة، وتحديدًا في مشهد "تياترو شارع عماد الدين" حين سخر أحد الحضور (الفنان آسر ياسين) من مظهرها. في هذه اللحظة، تحدثت منى زكي بلهجة هجينة ومبهمة - ليست عامية قاهرية ولا ريفية دقيقة - مما استدعى إلى ذهن المشاهد، ربما دون قصد، أصداءً من أدوارها الكوميدية السابقة (مثل نبرتها في مسرحية "كده أوكيه").

هذا التداعي الحر للذاكرة أضر بجدية المشهد؛ فاللهجة بدت غريبة وغير متسقة مع الخلفية الثقافية لأم كلثوم. فمن الثابت تاريخيًا أن "الست" كانت حافظة للقرآن الكريم، متشبعة باللغة العربية الفصحى، وتمتلك جهازًا نطقيًا منضبطًا للغاية بفضل نشأتها في مدرسة الإنشاد الديني.

وبالتالي، فإن جنوح الأداء نحو "ترييف" اللهجة بشكل مبالغ فيه، أو استخدام نبرة صوت خشنة جدًا في الحوارات العائلية، جاء مجافيًا للواقع؛ إذ تشير السير الذاتية إلى أن أم كلثوم - بعيدًا عن الغناء - كانت تتمتع بصوت هادئ ونبرة طبيعية، وليس بتلك الغلظة التي حاولت فرض صورة نمطية عن "القروية المكافحة" في غير موضعها.

عندما تطغى "المرأة" على "الأسطورة"

لعل الإشكالية الأبرز التي واجهت البناء الدرامي للفيلم تكمن في "بوصلة السيناريو" التي صاغها الكاتب أحمد مراد. فقد جنحت المعالجة بشكل مبالغ فيه نحو إبراز الجانب العاطفي والشخصي في حياة السيدة أم كلثوم، على حساب توثيق مسيرتها الفنية الشاقة والملهمة.

لقد استغرق الفيلم وقتًا طويلًا في استعراض علاقاتها العاطفية، بدءًا من قصتها مع "شريف صبري" (خال الملك فاروق)، مركزًا على الصراع الطبقي ورفض العائلة المالكة لهذه الزيجة رغم حصولها على "نيشان الكمال"، ومرورًا بعلاقتها بالملحن "محمود الشريف"، وصولًا إلى زيجتها من طبيبها المعالج "د. حسن الحفناوي". وفي هذه الزيجة الأخيرة، ركزت الكاميرا والحوار بشكل لافت على "فارق السن" ومخاوف أم كلثوم من نظرة المجتمع، في طرح بدا وكأنه يختزل هواجس هذه القامة الكبرى في مجرد مخاوف أنثوية تقليدية، وكأن "كوكب الشرق" كانت تعيش صراعاتها الكبرى في ساحات الغرام لا في استوديوهات الفن ومعارك الهوية الثقافية.

سقطة في حق التاريخ الموسيقي

في مقابل هذا الإسهاب العاطفي، مارس الفيلم نوعًا من "التعتيم غير المبرر" على محطات فنية مفصلية شكلت وجدان المنطقة العربية.

من المستغرب، بل ومن المجحف، أن يتجاهل عمل يحمل اسم "الست" لقاء العمالقة أو ما عُرف بـ"لقاء السحاب" بينها وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب، إلا من إشارة عابرة ومقتضبة للحن "أمل حياتي" (أو أنت عمري في سياق آخر)، دون الغوص في كواليس هذا التعاون الذي غير مسار الأغنية العربية.

والأنكى من ذلك، هو التجاهل التام تقريبًا لأسماء بحجم "رياض السنباطي"، الرفيق الروحي لأم كلثوم والذي لحن لها قرابة 300 عمل، والمجدد "بليغ حمدي".

كيف تستقيم سيرة أم كلثوم دون إبراز العلاقة الجدلية الفنية مع هؤلاء؟ لقد بدت هذه الشخصيات المحورية وكأنها هوامش في متن النص، بينما هم في الحقيقة الأعمدة التي قام عليها مجدها.

صورة "المرأة المتسلطة" والوطنية المنقوصة

امتدت رؤية السيناريو المختزلة لتشمل طبيعة شخصية أم كلثوم نفسها؛ إذ مال العمل إلى تصدير صورة "المرأة المتسلطة" المتحكمة في مصائر من حولها، وبدا ذلك جليًا في معالجة علاقتها المعقدة بالشاعر "أحمد رامي". فبدلًا من تقديمها كعلاقة "مُلهمة وشاعر" تتسم بالرقي والوجد الصوفي، ظهرت في قالب من السيطرة والتحكم، مما سحب الكثير من رصيدها الإنساني لدى المتلقي.

حتى الدور الوطني المشهود لأم كلثوم، وتحديدًا جهودها الجبارة في دعم المجهود الحربي بعد نكسة يونيو 1967، لم يسلم من هذا التناول الملتبس. فرغم إبراز الفيلم لهذه الجولات، إلا أن السياق الدرامي والحوارات (خاصة مع المذيعات) أوحت وكأن هذا الدور كان يهدف - في جزء منه - إلى ترميم مجدها الشخصي أو "الإيجو" الخاص بها، وليس كفعل وطني خالص نابع من التجرد وإنكار الذات، وهو طرح يحمل قدرًا من الجناية على التاريخ.

تداخل الأزمنة وضياع الهوية

أخيرًا، عانى السيناريو من عدم القدرة على رسم ملامح فارقة بين الحقبتين الزمنيتين الأهم في تاريخ مصر الحديث (ما قبل ثورة 1952 وما بعدها). لم ينجح الفيلم في نقل "روح العصر" المتغيرة، ولا كيف انعكس هذا التحول السياسي والاجتماعي الجذري على شخصية أم كلثوم وفنها واختياراتها.

وبدت الأحداث وكأنها تدور في فضاء زمني واحد متصل، يفتقر إلى العمق التاريخي الذي يبرز تطور الشخصية بالتوازي مع تطور الوطن.

هل ظلم الفيلم بطلته؟

على المستوى البصري، لا يمكن إنكار بصمة المخرج مروان حامد، الذي قدم كادرات سينمائية تشبه اللوحات التشكيلية، تميزت بإضاءة درامية وتكوينات بصرية مبهرة، وتجلى ذلك بوضوح في مشهد الغناء على مسرح باريس.

ومع ذلك، وقع الفيلم في مفارقة فنية يمكن تسميتها بـ "الجمال المنفصل عن المضمون"؛ فالأسلوب الإخراجي الذي اعتمده حامد - والذي نجح بامتياز في أعماله السابقة ذات الطابع النفسي والتشويقي مثل "الفيل الأزرق" - بدا هنا دخيلًا على طبيعة الفيلم الكلاسيكي.

لقد اعتمد المخرج على مونتاج لاهث، وقطعات سريعة متلاحقة، واستخدام مكثف لتقنيات "الزووم" (Zoom in/out)، مما خلق إيقاعًا متوترًا يناسب أفلام الإثارة (Thrillers) أكثر مما يناسب سيرة ذاتية لشخصية ثقيلة الوزن تتطلب إيقاعًا أكثر رصانة وتأملًا.

هذه "الهرولة البصرية"، رغم جماليتها التقنية المنفردة، لم تمنح المشاهد فرصة لالتقاط الأنفاس أو التشبع بالحالة الشعورية للمشهد، بل خلقت حاجزًا حسيًا حال دون التماهي التام مع الحقبة الزمنية، وكأننا نشاهد "فيديو كليب" طويل منفذ بتقنيات الألفينيات عن حقبة الأربعينيات.

الارتباك الزمني وتشتت السرد

لم تستطع جماليات الكاميرا أن تسد الثغرات التي خلفها البناء الدرامي للسيناريو؛ إذ عانى الفيلم من حالة "تخبط كرونولوجي" (زمني). فالتنقلات عبر تقنية "الفلاش باك" جاءت في كثير من الأحيان مربكة وغير مبررة دراميًا؛ حيث يقفز السرد فجأة من عام 1948 إلى عام 1952 دون تمهيد كافٍ يوضح دلالة هذا الانتقال أو أثره على الشخصيات.

هذا التداخل السريع، الذي ربما أريد به كسر الملل، تسبب في "تفتيت" وحدة العمل، وخلق حالة من الالتباس لدى المتلقي، خاصةً الأجيال التي لا تمتلك خلفية تاريخية دقيقة عن ترتيب الأحداث. لقد بدا الفيلم وكأنه يسابق الزمن ليصل إلى خط النهاية، مسقطًا من حساباته ضرورة التمهيد النفسي لكل مرحلة، ومكتفيًا بالإشارات السريعة التي لا تشبع نهم الباحث عن عمق السيرة.

منى زكي تُجسد أم كلثوم
منى زكي تُجسد أم كلثوم

منى زكي.. استدعاء الذات بدلًا من الآخر

وفي المحصلة النهائية للأداء، يمكن القول إن هذا العمل كان بمثابة سيرة ذاتية للأداء التمثيلي الخاص بـ "منى زكي" أكثر منه توثيقًا لحياة "أم كلثوم". فعلى مدار الفيلم، لم نشهد ولادة شخصية جديدة مستقلة عن مؤديتها، بل رأينا استدعاءً للأدوات التعبيرية المعتادة للنجمة المحبوبة.

ورغم نجاح منى زكي في تجسيد لحظات "الوحدة والهشاشة" في الفصل الأخير من الفيلم، إلا أن هذه الهشاشة بدت وكأنها تخص "أي امرأة مسنة وحيدة"، وليست تلك العزلة الخاصة جدًا التي تعيشها أسطورة بحجم أم كلثوم بعد انحسار الأضواء.

غابت "الخصوصية الكلثومية" وحضرت "العمومية الإنسانية"، وهو ما جعل التجربة تفتقر إلى الإقناع الكامل سواء في مرحلة الشباب أو المشيب. ولعل هذا الاختيار غير الموفق من قبل المخرج لم يظلم الجمهور فحسب، بل ظلم موهبة منى زكي نفسها، بوضعها في قالب لا يتسق مع إمكاناتها التي تألقت في مناطق درامية أخرى.

من "جولدا" إلى "الست"

ختامًا، يطرح فيلم "الست" إشكالية تتجاوز حدوده لتلامس توجهًا عالميًا في سينما السير الذاتية الحديثة، وهو ما يمكن تسميته بـ "السينما الاختزالية" التي تعيد تشكيل التاريخ عبر "نصف الحقيقة". يذكرنا هذا النهج بفيلم "جولدا" (Golda) الذي عرض مؤخرًا، حيث سعى صناعه لتقديم رئيسة الوزراء الإسرائيلية في صورة "الجدة المتأملة" التي تراقب العصافير وتسعى للسلام، مختزلين تاريخًا دمويًا طويلًا في لحظات إنسانية منتقاة بعناية لاستدرار التعاطف.

وعلى المنوال نفسه، وإن اختلفت النوايا، سقط فيلم "الست" في فخ مشابه؛ حيث اختزل أسطورة الغناء العربي، القامة الشامخة التي وحدت الوجدان العربي من المحيط للخليج، في صورة "قروية متسلطة" أو "امرأة باحثة عن الحب"، مهمشًا أدوارها الوطنية والثقافية العميقة.

إن خطورة هذه الأعمال لا تكمن في رداءة الصنعة، بل في قدرتها على "تسليع التاريخ" وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة في قوالب منقوصة، تسرق من الرموز هيبتها الحقيقية تحت دعوى "الأنسنة" وكشف الجوانب الخفية.

3 تعليقات

  1. المقال تغصيلي شَرحَ الفلم من كل جوانبه وتنقلات الشخصيات فيه والاشكالية بين العمق والتسطيح وفقرة الاختزال التي تقدمها السينما او التلفزيون للكثير من الشخصيات وتسلط الضوء على جانب من الشخصية التي تريد ان تظهرها للمشاهد سواء الجانب المشرق او الموحش. ومشكلة السينما هو عدم التخصص لكتاب السيناريوهات وانما تأخذ رواياتها من كتاب الادب الذين لايركزون على جانب من الشخصية وانما يتنولون التفاصيل مما يوقع كاتب السيناريو في حيرة .

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة