الأحد, يناير 18, 2026
spot_img

مصر تفوز في معركة الكشري

لا نزال بمختلف فئاتنا العمرية على هذا الزحام أمام محال الكشري يوميًا، بين راغب في شراء علبة، وباحث عن مقعد داخل المحل، ومن جلس بالفعل يتناول طبقه مع الخبز المحمص، وتلاميذ وطلاب بعد انتهاء اليوم الدراسي يحملون الأكياس يتناولوها أثناء سيرهم في الشارع. وهكذا ترسم هذه الوجبة الضاربة في تاريخ المصريين شكل حياتهم اليومية.

أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، أمس الأربعاء 10 ديسمبر، طبق الكشري المصري على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، باعتباره واحدًا من أهم أطعمة المصريين على مر السنين.

قدمت مصر وثيقة رسمية لليونسكو تؤكد أن الكشري هو الطبق الأكثر شعبية بين المصريين، وأن جذوره التاريخية تمتد من مصر القديمة حتى اليوم، وهو ما ظهر في رسومات لمكوناته على جدران المعابد والمقابر المصرية القديمة.

يتكون طبق الكشري حاليًا من الأرز والمكرونة والصلصة وشرائح البصل والعدس، وتُضاف إليه الشطة والثوم حسب الرغبة. ويُعد وجبة نباتية صحية متكاملة؛ تضم في مكوناتها البروتينات والكربوهيدرات والفيتامينات، وهو طعام يلائم جميع الفئات.

يلائم الكشري المعتقدات كافة، ما يجعله طعامًا أساسيًا يحضر مرة أسبوعيًا على الأقل في كل منزل، أو وجبة سريعة (تصبيرة) في الشارع لبعض المصريين، بينما يعتبره آخرون وجبة رئيسية وسط يوم العمل. والبعض يضعه في قلب رغيف الخبز، كما يفعل بعض تلاميذ وطلاب المدارس، أو يشترونه في أكياس بلاستيكية لتناوله في الطريق بعد أو أثناء اليوم الدراسي.

كان الكشري في مصر القديمة أكلة شعبية أطلق عليها المصريون القدماء اسم (الكوشير) بالمكونات الحالية نفسها، ولم يزد على تلك المكونات في مصر القديمة سوى القمح والفول، وفق ما ورد في كتاب (الجبتانا: أسفار التكوين المصرية)، الصادر عن دار روافد بتحقيق علي الألفي.

وتحول (الكوشير) بالاسم نفسه إلى طعام مقدس عند معتنقي الديانة اليهودية بعد ظهورها؛ حيث يرى اليهود الملتزمون أن (الكوشير) يساعد في ترسيخ الشعور بالانتماء والهوية، ويُعامل كنمط حياة يومي، وليس مجرد نظام غذائي.

فيلم الكشري

الناقد السينمائي عماد يسري
الناقد السينمائي عماد يسري

في حديث خاص لـ فَكّر تاني، يقول الناقد السينمائي عماد يسري، مدير مسابقة أفلام شباب مصر بمهرجان الإسكندرية السابق: “أنا من ضمن الفريق الذي ساعد في إدراج الكشري على قائمة التراث باليونسكو”.

شارك يسري بالكتابة والإعداد والإخراج للفيلم الذي تبنى فكرة إدراج الكشري على قوائم منظمة اليونسكو للتراث غير المادي”.

وقد هنأ المصريين بهذا الحدث الرائع قائلًا: “ألف مبروك لمصر، ألف مبروك علينا كلنا”.

معركة الكشري

الدكتور فارس خضر
الدكتور فارس خضر

“إدراج الكشري بوصفه أكلة مصرية يعد انتصارًا على الدعاوى الإسرائيلية وغيرها من الدعوات التي استهدفت هويتنا. هؤلاء لا يكفيهم سرقة الأرض، ويريدون سرقة العناصر المميزة التي تشكل هويات الأمم وحضارتها”؛ يقول الدكتور فارس خضر، الشاعر والكاتب الصحفي.

ويضيف لـ فَكّر تاني، إن معركة الكشري كانت محاولة إسرائيلية لسرقة الهوية؛ لهذا فالفرحة بإدراج اليونسكو له كأكلة مصرية هي فرحة مضاعفة.

طعام الفقراء والأغنياء

أما الدكتور مسعود شومان، الشاعر والباحث في حقل الدراسات الشعبية والأنثروبولوجية، فيرى في حديثه لـ فَكّر تاني، أن الكشري من الأطعمة المصرية شديدة الأصالة.

ورغم أن التاريخ يشير إلى جذور هندية، لكنها (تمصّرت)، بمعنى أنها صارت أكلة مصرية، لأن بها كل ما يتعلق بالمنتج الزراعي المصري، وهي أكلة استطاعت أن تهضم بعض العناصر الأخرى لتصبح مصرية، تمامًا كما يطلق المصريون على الشاي (كشري) لأن به الخلطة أو النكهة المصرية.

وعن تفرد الكشري المصري، يقول شومان إنه يتميز بـ(الورد) أي البصل، الذي يضاف إلى الأرز والمكرونة والعدس (أبو جبة) والطماطم، إلى جوار حمص الشام والشطة والدقة التي تحتوي على الليمون والخل والثوم؛ فمعظم مكونات الكشري مصرية عدا المكرونة.

الدكتور مسعود شومان
الدكتور مسعود شومان

ويوضح شومان أن الكشري يتميز أيضًا بأنه أكلة جماعية فيها رائحة الخصوصية؛ بمعنى أن كل شخص يستطيع أن يضع المكون الخاص به أثناء أكلها، ففيها جزء ذاتي داخل أطر الجماعة الشعبية.
وهي أكلة تُعد في البيت، وفي المطاعم، وتُؤكل في الشوارع، وفي المحال، وعلى المقاهي، وفي المصانع. وبعد أن كان الكشري أكلة للفقراء في البداية، أصبح أكلة للأغنياء بوصفها أكلة مصرية عامة.

ويضيف الشاعر والباحث أن أكلة الكشري بدأت مع العمال، وبعض أفراد الجيش أثناء الاحتلال البريطاني، لكنها تطورت تطورًا مصريًا كبيرًا مع الوقت، وصارت أكلة يُحتفل بها، ونرى الفلاحين حين ينزلون المدن يذهبون لمطاعم الكشري خاصة في الأعياد، وعيد الفطر تحديدًا.

وعبّر شومان عن سعادته بإدراج الكشري أكلة مصرية على قوائم التراث غير المادي في اليونسكو قائلًا: “أنا سعيد بهذا التسجيل، ونأمل في تسجيل أطعمة ومشروبات أخرى على قائمة الحفظ والصون في اليونسكو، وجمع كل ما يتعلق بها من أمثال وعادات وتقاليد على هذه القائمة”.

يُذكر أن قائمة العناصر المصرية غير المادية المسجلة في اليونسكو تشمل:
السيرة الهلالية (2008)
التحطيب (2016)
الأراجوز (2018)
النسيج اليدوي في الصعيد (2020)
فن الخط (2021)
تقاليد التمر المصري (2022)
الاحتفالات المرتبطة بالعائلة المقدسة في مصر (2022)
فنون ومهارات النقوش والمعادن (2023)
آلة السمسمية (2024)
الحناء (2024)
الكشري (2025)

التعليقات

موضوعات ذات صلة