دائمًا ما تكشف الصراعات الدولية أو الحروب حاجةَ العالم لإعدادِ ورسمِ خطوطٍ بديلةٍ للتجارةِ ونقلِ الطاقةِ والبياناتِ بينَ آسيا وأوروبا مرورًا بمنطقتنا التي تتوسط العالم.
يأتي ممرُ الهند – الشرق الأوسط – أوروبا كمحاولةٍ، ضمن محاولاتٍ متكررةٍ، لخلقِ بدائلَ للخطوطِ التجاريةِ عبرَ قلبِ الشرقِ الأوسط، في لحظةٍ يتزايدُ فيها القلقُ العالميُّ من هشاشةِ سلاسلِ الإمدادِ وتسييسِ الممراتِ البحرية. فالحربُ في غزة قد خلقت اضطرابًا في البحرِ الأحمر هزَّ سلاسلَ الإمدادِ، وزادت تكلفةَ النقلِ ومخاطرتَه وأطالت زمنَه؛ وبالتالي فهو ليس مجردَ خطوطِ طرقٍ وسككٍ حديديةٍ وموانئٍ جديدةٍ، بل منصةٌ محتملةٌ لإعادةِ ترتيبِ موازينَ النفوذِ بينَ الهندِ والخليجِ وأوروبا والولاياتِ المتحدةِ في مواجهةِ مساراتٍ أخرى كالمبادرةِ الصينيةِ للحزامِ والطريق.
ثلاثة أعمدة
يقومُ مشروعُ الهند – الشرق الأوسط – أوروبا على ثلاثةِ أعمدةٍ كلها مترابطةٌ معًا؛ فهو يتكونُ من بنيةٍ نقلٍ تربطُ الموانئَ الخليجيةَ بالبحرِ المتوسطِ عبرَ شبكةِ سككٍ حديديةٍ، وبنيةٍ طاقةٍ تستهدفُ تعميقَ ربطِ شبكاتِ الكهرباءِ وتدفقاتِ الغازِ وربما الهيدروجينِ الأخضرِ مستقبلًا، ثم بنيةٍ رقميةٍ تشملُ كابلاتِ أليافٍ ضوئيةٍ ومراكزَ بياناتٍ تجعلُ الممرَّ ممرًا متكاملًا للبضائعِ والطاقةِ والبياناتِ، وهو ما يمنحُ المبادرةَ ثقلَها، لأنهُ يحولُ دولَ العبورِ إلى عقدٍ لوجستيةٍ وطاقيةٍ ورقميةٍ يمكنُ أن تستفيدَ من القيمةِ المضافةِ، لا من رسومِ العبورِ فقط.
في خلفيةِ المشروعِ يظهرُ بوضوحٍ البعدُ الجيوسياسيُّ؛ إذ تسعى واشنطنُ وشركاؤها الأوروبيونَ إلى تقديمِ نموذجِ «ربطٍ بديلٍ» يقومُ على تمويلٍ أكثرَ تنوعًا ومعاييرَ شفافيةٍ أعلى مقارنةً بالمبادراتِ التي تهيمنُ عليها دولةٌ واحدةٌ، وهم بذلك يواجهونَ مبادرةَ الحزامِ والطريقِ الصينية.
إنَّ استخدامَ الممرِّ المقترحِ الجديدِ سيؤكِّدُ استمرارَ النفوذِ الأمريكيِّ في الشرقِ الأوسطِ بل وإدارتهُ، ويفتحُ مساحاتٍ إضافيةً للتطبيعِ بينَ دولٍ عربيةٍ — السعوديةَ تحديدًا — وإسرائيلَ، وربطَ أمنِ الخليجِ بالممراتِ التجاريةِ العالميةِ؛ وكلُّ هذهِ الدولِ تعتبرُ حلفاءً وأكثرَ قربًا من واشنطن.
قوة صاعدة
أمّا بالنسبةِ للهندِ، فيشكِّلُ الممرُّ أداةً لتثبيتِ مكانتِها كقوةٍ صاعدةٍ تربطُ بينَ المحيطِ الهنديِّ والبحرِ المتوسطِ، وتقلِّلُ اعتمادَها المطلقَ على المسارِ البحريِّ التقليديِّ الذي يمرُّ بقناةِ السويسِ والذي تأثرَ بهجماتِ الحوثيين أو قد يتأثرُ بأيِّ صراعاتٍ محتملةٍ جديدةٍ في البحرِ الأحمرِ والقرنِ الأفريقيّ.
هذا المشروعُ المقترحُ أمامَه تحدِّياتٌ تتطلبُ جهدًا لتدبيرِ التمويلِ الكافي في كافةِ دولِ العبورِ، وضرورتَةَ توحيدٍ أو تنسيقِ قواعدِ الجماركِ والعبورِ، ومعاييرَ أمنِ البياناتِ، وآلياتِ تسويةِ المنازعاتِ وخلقِ هيئةٍ تنسيقيةٍ مركزيةٍ.
المشروعُ يستهدفُ المرورَ بكلٍّ من السعوديةِ والإماراتِ والأردنِ وغالبًا إسرائيلَ أو غزة أو مصرَ على حسبِ كيفِ سيسيرُ التفاوضُ والتوجيهُ والإغراءاتُ الجاذبةُ لهذهِ الدولِ؛ فهي فرصةٌ هامةٌ للتحولِ إلى مراكزٍ لوجستيةٍ وطاقيةٍ ورقميةٍ، ويزيدُ من نفوذِ وحضورِ هذهِ الدولِ دوليًا ويوفِّرُ مكاسبَ اقتصاديةً كبيرةً لهم.
مسارات مصر الموازية
أمّا عن مصرَ فإنها تنشئُ مساراتٍ أخرى موازيةً لقناةِ السويسِ وبدأتْ بالفعل إعادةَ التفكيرِ في نموذجِ توظيفِ قناةِ السويسِ ومناطقِها المحيطةِ، في ظلِّ سعيِ القوىِ الكبرى لتنويعِ مساراتِها وعدمِ الاعتمادِ على ممرٍ واحدٍ.
ولكن مصرُ، ومنذِ 10 سنواتٍ وحتى الآنَ، قد بدأتْ في إنشاءِ طريقٍ بريٍ وخطٍ للسككِ الحديديةِ يربطُ العينَ السخنةَ بمدينةِ العلمينَ في خطوةٍ استباقيةٍ تغلقُ المسارَ على خطوطٍ أخرى موازيةٍ قد تسعى إليها إسرائيلُ.

كما أنَّ تطويرَ منطقةِ قناةِ السويسِ الاقتصاديةِ سيجعلُ مصرَ مسارًا طبيعيًا للتجارةِ القادمةِ من الهندِ والمتجهةِ إلى أوروبا، وبدلًا من اختيارِ حيفا أو أشدود أو بدلًا من غزة كاختيارٍ قد يُغري السعوديةَ للمضيَّ قدمًا في ملفِّ التطبيعِ والتخفيفِ الأثرِ النفسيِّ بأنَّ التجارةَ ستكونُ مع غزة حتى لو مرتْ داخلَ أراضيَ إسرائيلَ؛ قد تكونُ العريشُ أو شرقُ بورسعيدَ بديلاً كنقطةِ الالتقاءِ على البحرِ المتوسطِ قبلَ الإبحارِ إلى الجنوبِ الأوروبيِّ في اليونانِ أو إيطاليا أو فرنسا.
مصرُ عليها التحركُ السريعُ لأنَّ خلقَ هذا الطريقِ دونَ مصرَ سيضيِّعُ عليها مكتسباتٍ كبيرةً اقتصاديةً وسياسيةً وسيشكِّلُ منافسًا لقناةِ السويسِ، وستخسرُ فرصَ تحقيقِ العائداتِ الاستثماريةِ الخاصةِ بطريقِ السخنة–العلمينَ أو يقلِّلُ عوائدَ ممكنِ تحقيقِها.
ولذلكَ فإن العلاقاتِ المصريةَ–الهنديةَ والمصريةَ–الإماراتيةَ والمصريةَ–السعوديةَ والمصريةَ–الأردنيةَ هامةٌ جدًّا، وأعتقدُ أنَّ الجرائمَ الإسرائيليةَ في غزة من أكثرِ حكوماتِها تطرفًا لا يجبُ أن تُكافأَ بضمِّ موانئِها إلى هكذا محاورَ للتنميةِ العالميةِ.



التعليقات