"شهود تحت الطلب".. هل راقبت المنظمات انتخابات 2025 أم كانت مُراقبة؟

لم تطل "الهندسة الانتخابية" قوائم المرشحين فحسب، بل امتدت لتشمل "الشهود". هكذا يبدو المشهد الحقوقي في انتخابات مجلس النواب 2025، حيث انقسم المراقبون إلى فريقين؛ أحدهما "مختار بعناية" سُمح له بالدخول ليوثق الإيجابيات ويوصي بالتحسين، وآخر "مُحاصر" اكتفى بالرصد من خلف الأسوار، مؤكدًا أن ما يجري ليس سوى تكريس لهيمنة لا تزال مفروضة، تستدعي فتح ملف الرقابة الغائبة، ومواجهة الأطراف جميعها بالسؤال الأصعب: هل كانت المنظمات تراقب الصناديق، أم أنها نفسها كانت تحت المراقبة؟

على الأرض، اقتصرت المتابعة الميدانية على عدد محدود من المنظمات، فيما لجأت 10 منظمات أخرى للرصد "عن بُعد"، محذرةً من غياب الضمانات الحقيقية لنزاهة العملية. في المقابل، تتمسك الحكومة والهيئة الوطنية للانتخابات برواية "الحياد والنزاهة" في ماراثون انتخابي انطلق نوفمبر الماضي، ولا تزال فصوله مستمرة، خاصةً مع الارتباك الناجم عن إلغاء نتائج عشرات الدوائر (49 دائرة) وإعادة التصويت فيها.

مسار انتخابي برلماني زائف

في 22 نوفمبر الماضي، وصفت 10 منظمات حقوقية مصرية غير حكومية، في بيان مشترك، ما أسمته بـ"الفوضى" التي شابت انتخابات مجلس النواب 2025.

وأشارت إلى غموض آلية اتخاذ القرار، والتدخل المباشر من الرئيس السيسي في مجريات العملية الانتخابية، معتبرة أن ذلك يعكس بشكل واضح الطبيعة الزائفة لهذه العملية، ويبرهن على انعدام استقلالية الهيئة الوطنية للانتخابات.

المنظمات الموقعة على البيان هي: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مؤسسة دعم القانون والديمقراطية، لجنة العدالة، الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، المنبر المصري لحقوق الإنسان، مركز النديم، "إيجيبت وايد" لحقوق الإنسان، والمفوضية المصرية لحقوق الإنسان.

الهيئة الوطنية للانتخابات
الهيئة الوطنية للانتخابات

وأشارت المنظمات إلى أنه في أحداث 17 نوفمبر الجاري، وبيان الرئيس بشأن مخالفات الانتخابات، وتراجع الهيئة الوطنية بشكل مفاجئ عن تصريحاتها التي دافعت فيها لأسبوع كامل عن نزاهة العملية الانتخابية؛ فإن رسالة "السيسي" لا تشير، بأي حال من الأحوال، إلى أي تحوّل حقيقي نحو نزاهة الانتخابات أو تمثيل ديمقراطي فعلي. بل تؤكد أن الانتخابات في مصر لا تزال -كما هو الحال منذ انتخابات 2015- مرهونة بمصالح سياسية تخدم أصحاب السلطة والأجهزة الأمنية وشبكات المنتفعين، مما يجعل البرلمان مجرد مؤسسة شكلية، وفقًا للبيان.

وأضافت أن التصريحات الرئاسية ربما تسفر فقط عن إعادة توزيع المقاعد بين الأجهزة الأمنية والموالين للسلطة، لكنها قطعًا لن تؤدي إلى نتائج انتخابية تعكس تمثيلًا ديمقراطيًا حقيقيًا؛ فالأمر يتطلب توافر شروط وبيئة سياسية مختلفة تم القضاء عليها بالكامل في مصر. فإغلاق المجال العام والسياسي، وقمع أصحاب الآراء المستقلة والنقدية، والتنكيل بالمعارضة السلمية والديمقراطية واستهدافها، يحول دون تشكيل حركات سياسية راسخة قادرة على تمثيل المصريين والدفاع عن مصالحهم.

وأشارت تلك المنظمات -في بيانها- إلى أن هندسة الأجهزة الأمنية للقوائم الانتخابية أدت لاستبعاد تعسفي لبعض المرشحين، ومن ثم إحكام سيطرتها على المجال السياسي، فضلًا عن استمرار الحرمان غير القانوني للسجناء السياسيين والمحبوسين احتياطيًا من ممارسة حقوقهم السياسية عبر شطبهم من قواعد الناخبين، وهو الأمر الذي طال حتى من حصل منهم على أحكام قضائية برد الاعتبار.

وأوضحت أنه لا يمكن لأي عملية اقتراع أن تعكس إرادة الشعب المصري طالما أن الانتخابات تجري في غرف مغلقة، بقرارات أمنية وتوجيهات رئاسية، مستندة لقوانين انتخابية معيبة، وتحت إشراف هيئة تفتقر للاستقلال والرغبة والقدرة على ضمان نزاهة الانتخابات وحماية حقوق المرشحين والناخبين، ضمن سياق عام تٌكمم فيه أصوات المعارضة، ووسائل الإعلام المستقلة، والمجتمع المدني.

أشكال التضييق على المعارضة

في السياق نفسه، أصدرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات دراستها حول "تحليل ومناقشة القوانين المُنظمة للانتخابات في مصر ومُباشرة الحقوق السياسية خلال الفترة من 2013 وحتى 2025: الانتخابات الرئاسية- انتخابات مجلس النواب"، بالتزامن مع انتخابات مجلس النواب الحالية، والتي وصفتها بأنها شهدت العديد من أشكال التضييق على مرشحي المعارضة.

 

وأكدت المفوضية أن العملية الانتخابية في مصر شهدت خلال العقد الأخير ممارسة سياسية شكلية خالية من المنافسة، بفعل "هندسة" تشريعية محكمة هدفها تفريغ الانتخابات من مضمونها، وضمان استمرار هيمنة السلطة التنفيذية على المجال السياسي.

إيجابيات ومخالفات

من جانبها، اشتبكت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان مع متابعة الانتخابات منذ اللحظات الأولى -وفق بياناتها- من أجل رصد مدى التزامها بالمعايير الدستورية والقانونية والمواثيق الدولية ذات الصلة.

وسجّل متابعو المنظمة عددًا من الملاحظات والمخالفات التي شابت العملية الانتخابية، وتؤثر بالطبع على حق المواطنين في اختيار ممثليهم بحرية، وفق بيانات لها، منها: وجود أنصار تابعين لبعض المرشحين أمام مقار اللجان يؤثرون على إرادة الناخبين بحثّهم على اختيار مرشحين بعينهم مقابل مبالغ مالية، إلى جانب وجود تجمعات بغرض التأثير على مسار التصويت، بما يمس حياد العملية الانتخابية.

وأعربت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان -في بيان نشرته في 4 ديسمبر- عن قلقها العميق إزاء استمرار بعض الممارسات السلبية، لا سيما استخدام الرشاوى الانتخابية، وتوجيه الناخبين، والتضييق على الصحفيين، واستغلال وسائل النقل لحشد الأصوات؛ وهي ممارسات تتعارض مع الضمانات الدستورية للحقوق السياسية، وتخالف قانون تنظيم الانتخابات والمواثيق الدولية.

كما رصدت المنظمة في بياناتها عددًا من الإيجابيات، منها: انتظام عمل معظم اللجان الفرعية، وفتحها في المواعيد القانونية، وتواجد عناصر الأمن بشكل فعال.

ائتلاف نزاهة.. مشهد انتخابي منضبط

كما تابع الانتخابات "ائتلاف نزاهة"، الذي يضم في تشكيله 34 متابعًا دوليًا من 16 دولة، يمثلون أربع منظمات دولية هي: مؤسسة إليزكا للإغاثة (غانا)، ومنتدى جالس الدولي (أوغندا)، ومنظمة إيكو (اليونان)، ومنظمة التحالف الدولي للتكامل والاستدامة (مالطا - المملكة المتحدة)، فيما تتولى مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، بصفتها الشريك المحلي المعتمد، الإشراف على تنسيق أعمال البعثة داخل مصر.

ووفق بيان صدر في 27 نوفمبر الماضي، تابع ائتلاف نزاهة 19% من إجمالي عدد اللجان الفرعية على مستوى الجمهورية خلال مرحلتي التصويت، حيث زارت بعثته 720 لجنة انتخابية خلال المرحلة الأولى، و1320 لجنة خلال المرحلة الثانية، وذلك من بين 10893 لجنة فرعية على مستوى الجمهورية.

وفي بيانه الختامي بشأن أعمال المتابعة الميدانية لانتخابات مجلس النواب المصري في مرحلتها الثانية، رصد ائتلاف نزاهة استمرار مشاركة السيدات وكبار السن، وهو ما اعتبره انعكاسًا للوعي السياسي لدى المرأة المصرية بأهمية المشاركة السياسية.

كما رصد الائتلاف في بعض اللجان إقبالًا كثيفًا من الناخبين اعتبره كذلك جزءًا من حرص المواطنين على المشاركة الفاعلة واختيار من يمثلهم في البرلمان.

وأشاد ائتلاف نزاهة باختفاء مظاهر الدعاية الانتخابية من أمام لجان الاقتراع خلال المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب 2025، مرحبًا بالإجراءات التي اتخذتها الهيئة الوطنية للانتخابات ووزارة الداخلية بشأن مواجهة عدد من المخالفات.

وفي السياق نفسه، أكدت مؤسسة مصر السلام للتنمية وحقوق الإنسان، في بيان ختامي لأعمال متابعتها لليوم الثاني من التصويت في الدوائر العشرين التي سبق إلغاؤها، أن وعي الناخبين وتفاعل أجهزة الدولة يصنعان مشهدًا انتخابيًا منضبطًا.

مصادرة مستمرة منذ عقد

يتوقف المشهد الانتخابي عند محمد لطفي، مدير المفوضية المصرية لحقوق الإنسان، في محطة بيان المنظمات المشترك، معتبرًا أن ما حدث من خروقات في الانتخابات يعبر عن مصادرة مستمرة للحياة السياسية في مصر.

ويقول في حديثه لـ فَكّر تاني: "أصدرنا بيانًا عن الانتخابات النيابية بناءً على دراسات قانونية ومتابعة عامة لمجريات الانتخابات التي تتم في مناخ يحكمه غياب الحياة الحزبية، وعدم وجود منافسة حرة في أي انتخابات".

محمد لطفي
محمد لطفي

ويضيف أنه لم يكن لهم حضور للمتابعة ميدانيًا عبر ممثلين، وإنما ركزوا على متابعة مجريات الانتخابات بشكل عام، والتي أكدت أن مصر إزاء مشهد معبر عن واقع الحياة السياسية التي تمت مصادرتها في السنوات العشر الماضية.

في المقابل، يتحرك المحامي الحقوقي عصام شيحة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، من منطلق ميداني يركز على تاريخ منظمته وتمسكها -كما يقول- برصد الإيجابيات والسلبيات في هذه الانتخابات، التي يراها بشكل مختلف عن المنظمات السابقة.

وفي حديثه لـ فَكّر تاني، يقول شيحة: "إن تقارير المنظمة تابعت الانتخابات منذ فتح باب الترشيح لليوم الأول، ورصدت الإيجابيات والسلبيات، وأصدرت بذلك تقارير تؤكد هذه المتابعة، حيث وثقنا المخالفات والانتهاكات، وأشدنا ببعض الإصلاحات التي تمت في المرحلة الثانية للانتخابات".

ويشير شيحة إلى أن المنظمة قدمت عدداً من التوصيات للهيئة الوطنية للانتخابات، وتأمل بعد الانتخابات أن يقوم البرلمان القادم بتغيير النظام الانتخابي، ويعيد تقسيم الدوائر بما يحدث نوعًا من التوازن بين المساحة الجغرافية والكثافة السكانية، وبالتالي تصبح الدوائر صغيرة.

ويطالب شيحة بإعادة تشكيل الهيئة الوطنية للانتخابات، والتحري عن الموظفين الذين يتم الاستعانة بهم والتأكيد على انقطاع صلتهم بالمرشحين في دوائرهم، وإعلان الهيئة لنتائج الفرز أولاً بأول على الموقع الخاص بالهيئة.

ويضيف رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أن المنظمات الحقوقية تمتلك من الصلاحيات ما يمكنها من القيام بدورها ولا تحتاج إلى المزيد، مشيراً إلى أن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تراقب الانتخابات منذ 1985 إلى اليوم، واستطاعت انتزاع مساحات كبيرة، وأصبحت تتمتع بسمعة طيبة في التقارير الخاصة بالانتخابات التي تصدرها، كما أصبحت مرجعاً للدراسات التي تصدر عن الجامعات والمنظمات الدولية.

انتخابات بلا رقابة

في زاوية أخرى، ترى لميس خطاب، المرشحة لمجلس النواب عن دائرة "قصر النيل - الأزبكية - الوايلي"، أنه لم تكن هناك رقابة من أي نوع على الانتخابات، ولا متابعة حقوقية كما يقول البعض.

تقول لميس لـ فَكّر تاني: "لا وجود لأي نوع من الرقابة على الانتخابات، ولا حتى الرقابة الذاتية"، مضيفةً أن متابعة منظمات حقوقية حيادية للانتخابات كانت ستعزز نزاهة وشفافية العملية، لكن ذلك لم يحدث.

لميس خطاب
لميس خطاب

وتؤكد أهمية استعادة هذا الحضور الحقوقي في الانتخابات بما يخلق ثقة بين الناس في النتيجة، عبر ملاحقتها لأي مخالفات مثل التزوير أو التضييق على التصويت، فضلًا عن تقاريرها التي تعتبر دليلًا موثقًا يساعد في دعم الطعون القانونية على نتائج الانتخابات.

زهدي الشامي، القيادي بجبهة حق الناس، ورشا عبد الرحمن، مرشحة حزب الدستور والطريق الحر، عن دائرة شبرا الخيمة
زهدي الشامي، القيادي بجبهة حق الناس، ورشا عبد الرحمن، مرشحة حزب الدستور والطريق الحر، عن دائرة شبرا الخيمة

وتوضح القيادية السابقة بحزب المحافظين أن المنظمات الحقوقية لا تمنع الانتهاكات، لكنها تقلل منها وتعيد التوازن لمنظومة الانتخابات عبر توثيق الحقيقة، وضمان أن الطعون ليست كلامًا مرسلًا، بل مستندة إلى وقائع وشهادات موثقة من جهات محايدة.

وتؤيد رشا عبد الرحمن، مرشحة حزب الدستور وتحالف الطريق الحر عن دائرة شبرا الخيمة ثان، ما قالته لميس خطاب، مضيفة في حديثها لـ فَكّر تاني أن المنظمات الحقوقية من الممكن أنها كانت تتابع انتخابات مجلس النواب 2025 في أماكن أخرى غير دائرتها للأسف، وفق قولها.

وتضيف عبد الرحمن أن الجمعيات الخيرية كانت تحشد الناس لأحزاب الموالاة، واستخدام المال السياسي في دائرتها كان كبيرًا، ومع ذلك لم توثق أي من المنظمات الحقوقية تلك المخالفات، وفق رصدها.

متابعو الانتخابات مختارون بعناية

هلال عبد الحميد، المحلل البرلماني ورئيس حزب الجبهة الوطنية (تحت التأسيس)، يعتقد أن منظمات المجتمع المدني وممثلي الصحافة والإعلام الذين تم اختيارهم لمتابعة انتخابات مجلس النواب 2025، تم اختيارهم جميعاً بمواصفات خاصة وبعناية.

ويوضح المحلل البرلماني، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن منظمات المجتمع المدني التي تابعت الانتخابات تمثل قطاعاً أصبح سائداً في السنوات العشر الأخيرة، وتؤدي دورها مثلها مثل أحزاب الموالاة، أو حتى بعض أحزاب المعارضة المتحالفة مع الموالاة.

هلال عبد الحميد رئيس حزب الجبهة الديمقراطية المصرية تحت التأسيس - صورة من المصدر
هلال عبد الحميد رئيس حزب الجبهة الديمقراطية المصرية تحت التأسيس - صورة من المصدر

يقول: "نحن لم نشهد تقارير ذات قيمة تذكر كتلك التي كنا نراها في انتخابات ما قبل 2011، حيث كانت التقارير وقتها تفضح التزوير بالوثائق، وكنا نستخدم هذه التقارير في الطعون، ولكن الآن لا تقارير ولا مشاهدات".

ويضيف عبد الحميد أنه تابع الانتخابات في 3 دوائر بمحافظة أسيوط ودائرتين بالقاهرة، ويقول: "لم أرَ أية أدلة على وجود مراقبين لأي جهة، ولكنني شاهدت صحفيين وإعلاميين تابعين لمواقع موالية يتابعون الانتخابات"، وفق رصده.

ويشير عبد الحميد إلى أنه قبل ثورة 25 يناير كان مراقبًا للانتخابات بشكل رسمي، وحتى عندما رفضت اللجنة العليا للانتخابات منحه وآخرين تصاريح بالمراقبة كانوا يراقبون دون تصاريح، مضيفًا أنه في 2015 كان ينتمي لمؤسسة سمحت له اللجنة العليا للانتخابات بالمتابعة، وهو ما تم رفضه في الانتخابات التالية؛ وبالتالي رفض مجرد التقدم في 2025 لمعرفته النتيجة مسبقًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة