انتخابات المهندسين: تيار واحد مهيمن على الإشراف.. ومخاوف من "هندسة مبكرة"

تشهد نقابة المهندسين موجة متصاعدة من التوتر، بعدما أثار الإعلان عن تشكيل اللجنة المشرفة على الانتخابات اعتراضات واسعة داخل صفوف المهندسين، الذين رأى كثير منهم أن التشكيل جاء منحازا لتيار واحد.

تعود شرارة الأزمة مع اختيار رئيس للجنة المشرفة على الانتخابات محسوبًا سياسيًا على حزب "مستقبل وطن"، إلى جانب أن غالبية أعضاء اللجنة ينتمون إلى التيار نفسه أو قريبون منه.

هذا التشكيل أثار حفيظة المهندسين الذين رأوا أن غياب التنوع داخل اللجنة يهدد توازن العملية الانتخابية منذ بدايتها، في خطوة اعتبرها عدد من الأعضاء محاولة لإحكام النفوذ على مسار الانتخابات.

رفض ضم شخصيات محايدة يشعل الأزمة

يرى الدكتور المهندس محمد عبد الغني المرشح على منصب نقيب المهندسين، أن سيطرة اتجاه سياسي واحد على اللجنة المشرفة على الانتخابات، يعد مؤشرا خطيرا، خاصة في نقابة اعتادت - وفق تقاليدها - أن يأتي رئيس اللجنة من شخصية عامة محايدة لا ترتبط بأي تيار داخل المجلس. وهو عرف ظلّ قائماً في دورات سابقة حين تولى وزراء أو خبراء مستقلون رئاسة لجان الانتخابات، باعتبار أنهم الضمانة الأساسية لإبعاد المنافسة المهنية عن الحسابات السياسية.

الدكتور المهندس محمد عبد الغني
الدكتور المهندس محمد عبد الغني

ويوضح عبد الغنى لـ فًكّر تاني: "لكن التشكيل الحالي بدا مختلفًا تمامًا؛ فإلى جانب رئيس اللجنة، جاءت العضوية موزعة على شخصيات مرتبطة بالتيار نفسه الذي يُنظر إليه باعتباره الأقرب سياسيًا لمستقبل وطن. ومع غياب أي أسماء من تيارات مهنية أخرى أو من المستقلين"، مؤكدًا أنهم لديهم إصرار على تشكيل اللجنة من تيار واحد.

وتتمثل مخاوف "عبد الغني" في أن اللجنة -بصيغتها الحالية- تتولى وضع الجزء الأكبر من الإجراءات الإدارية المنظمة لسير العملية الانتخابية، وهو ما يثير لديه قلقًا من صعوبة ضمان نزاهتها الكاملة. ويرى أن هذا الوضع قد يحدّ من حياد اللجنة وقدرتها على إدارة انتخابات تنافسية لا تميل لصالح أي طرف.

ويشير عبد الغني إلى أن في أغلب الانتخابات الماضية، حتى مع وجود خلافات مع التيارات المختلفة، كان هناك حد أدنى من التعددية في تشكيل لجان الانتخابات. لم تكن اللجان السابقة تُتهم بهذا القدر من الانحياز.

وتفاقمت الأزمة عندما رفضت اللجنة مقترحات بضم شخصيتين مستقلتين لضمان حد أدنى من التوازن. الرفض جاء قاطعًا، ما اعتبره المهندسون دليلًا على أن النية تدور حول إحكام قبضة كاملة على مسار العملية الانتخابية من بدايتها حتى إعلان النتائج. هنا بدأت التحذيرات تتوالى من احتمال إعادة إنتاج سيناريو 2023، بكل ما حمله من صدام وشبهات.

ظلّ الأزمة السابقة

الأزمة الحالية لم تنشأ في فراغ؛ بل جاءت فوق ركام أزمة سابقة لم تُمحَ آثارها بعد. النقابة المهندسين كانت قد شهدت خلال دورة 2022-2024 صدامًا عاصفًا انتهى باتهامات بتدخلات سياسية ومحاولات التأثير على التصويت، ووصل الأمر اقتحام بلطجية قاعة الفرز ووقوع اعتداءات وتهشيم صناديق الاقتراع، في واقعة بقيت معلّقة في ذاكرة المهندسين حتى اليوم.

اليوم، ومع إعلان تشكيل لجنة الانتخابات الجديدة، استعاد كثيرون هذه الواقعة؛ فشبح الفوضى السابقة يظل حاضرًا بقوة، ويغذي المطالب المهندسين بضمانات أكبر وتشكيل أكثر توازنًا يبدد المخاوف من تكرار سيناريو مشابه.

أحداث اقتحام نقابة المهندسين والتي لاحقت الاتهامات فيها أعضاء بحزب مستقبل وطن- مواقع الكترونية
أحداث اقتحام نقابة المهندسين والتي لاحقت الاتهامات فيها أعضاء بحزب مستقبل وطن- مواقع الكترونية

ويقول عبد الغني، لـ فًكّر تاني، إن ما يحدث الآن "يمثل امتدادًا عمليًا للتيار نفسه" الذي اتُهم سابقًا بالوقوف وراء واقعة الاعتداء على صناديق الاقتراع خلال الأزمة الماضية. ويشير إلى أن الإصرار على إغلاق اللجنة على اتجاه واحد يفتح الباب مخاوف حقيقية من تكرار الفوضى، ويهز الثقة في نزاهة الانتخابات قبل أن تبدأ.

ويضيف: "حاولنا إقناعهم بإدراج أسماء معروفة بابتعادها عن أي استقطاب سياسي، واقترحنا شخصيات مثل المهندسة بثينة الحسيني أمين نقابة المهندسين بكفر الشيخ، والمهندس محمد عباس عضو مجلس نقابة المهندسين بأسوان، كمحاولة لتخفيف حدة الغضب، لكن الاقتراح قوبل بالرفض، دون تقديم مبررات واضحة".

في خضم هذا الجدل، تحرك عدد من أعضاء الجمعية العمومية نحو التصعيد بطريقة قانونية. ووفق ما تم تداوله داخل النقابة، فقد جرى جمع نحو 150 توقيعًا للمطالبة بعقد جمعية عمومية طارئة بهدف إعادة تشكيل اللجنة بشكل يضمن وجود شخصيات محايدة تمثل مختلف الاتجاهات داخل النقابة.

المهندسون الذين قادوا التحرك منحوا المجلس مهلة أسبوع لإجراء تعديل على تشكيل اللجنة يعيد الاتزان إلى اللجنة. وفي حال عدم الاستجابة، سيكون الاتجاه للدعوة لعقد جمعية عمومية تُلزم المجلس بتغيير التشكيل.

رفض ضم "اعضاء  محايدة "يشعل الأزمة ويعيد إلى الواجهة شبح أحداث 2023، وتشكيل أحادي يفجر مخاوف حول حياد المشهد الانتخابي

مخاوف من هندسة مبكرة العملية الانتخابية

وفي السياق نفسه، بدأ يتردد داخل أوساط المهندسين في الأيام الأخيرة تعبير "هندسة الانتخابات المبكرة"، في إشارة إلى القلق من أن تؤدي بعض الخطوات التنظيمية الأولى - وعلى رأسها تشكيل لجنة الإشراف وطريقة توزيع الاختصاصات داخلها - إلى وضع العملية الانتخابية على مسار محدد قبل أن تبدأ فعليا.

ومع إصرار الاغلبية بالمجلس على تشكيل لجنة الانتخابات من تيار واحد، تصاعد الشعور بأن هذه الترتيبات الأولية قد تُلقي بظلها على أجواء المنافسة وتؤثر على حياد المناخ الذي ستجرى فيه الانتخابات.

الحاتم محمود عمران
الحاتم محمود عمران

في هذا السياق، يشير المهندس الحاتم عمران، أمين عام نقابة المهندسين بالبحيرة سابقًا وأحد المتقدمين -ضمن نحو 150 مهندسًا- بطلب عقد جمعية عمومية، إلى أن جوهر الاعتراض لا يرتبط بالأسماء بقدر ما يتعلق بضمان "نزاهة العملية الانتخابية" في كل مراحلها، موضحًا أن بعض الإجراءات الأولية - خصوصًا ما يتعلق بتوزيع الاختصاصات داخل اللجنة وآليات الرقابة - بدت وكأنها تُحسم من دون نقاش كافٍ داخل المجلس. وهو ما ترك لدينا انطباعًا أن الترتيبات الأولوية لتنظيم الانتخابات قد تؤثر على مسار المنافسة منذ اللحظة الأولى.

ويوضح أن المهندسين رأت في ذلك ملامح "هندسة مبكرة"، أي ترتيبات قد تؤثر على التوازن التنظيمي قبل بدء الاستحقاق، وهو ما دفعهم للتحرك لجمع توقيعات الجمعية العمومية.

ويضيف عمران أن التجارب السابقة جعلت الأعضاء أكثر تمسكًا بوجود إطار واضح ومحايد يشرف على الانتخابات، معتبرًا أن مراجعة التشكيل الحالي لا تستهدف التصعيد بحد ذاته، بل إعادة ضبط الإجراءات بطريقة تُغلق الباب أمام أي شبهة تأثير مسبق، وتُرسّخ الثقة في أن العملية الانتخابية ستجري وفق قواعد مستقرة ومتفق عليها.

ويؤكد أن الهدف ليس إقصاء أي طرف، بل تشكيل لجنة تمثل كل التيارات، حتى لا يشعر أي فريق بأن العملية الانتخابية تُدار من جانب واحد.

المرشح على منصب النقيب: "نفس التيار الذي اتُهم سابقا بالوقوف وراء واقعة الاعتداء على صناديق الاقتراع هو المسيطر على اللجنة المشرفة للانتخابات"

ومع احتدام الجدل واتساع دائرة الاعتراضات، ينتظر المهندسون ما ستسفر عنه الجلسة المقررة لمجلس النقابة في 15 ديسمبر الجاري، حيث من المقرر أن يُعاد النظر في التشكيل النهائي للجنة المشرفة على الانتخابات. وتمثل هذه الجلسة - وفق ما يؤكد أعضاء المجلس والجمعية العمومية - المحطة الفاصلة التي ستحدد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو التهدئة عبر إدخال تعديلات تضمن قدرا من التوازن، أو ستفتح الباب أمام تصعيد يتمثل في الدعوة إلى جمعية عمومية غير عادية لإعادة تشكيل اللجنة.

وفي الوقت نفسه تتزايد المخاوف بين أوساط المهندسين أن تمتد تداعيات الأزمة إلى المشاركة في الاقتراع نفسه، إذ أن غياب التعددية داخل اللجنة قد يدفع بعض القوائم أو المرشحين إلى التفكير في مقاطعة الانتخابات، أو على الأقل التشكيك مسبقًا في نتائجها.

وفي ظل هذا التصاعد المتسارع للأزمة، وما يرافقه من قلق داخل أوساط المهندسين بشأن مستقبل الاستحقاق الانتخابي ومسار النقابة خلال الفترة المقبلة يبقى السؤال: هل ينجح المجلس في نزع فتيل الأزمة وتغيير تشكيل اللجنة بما يضمن التوازن؟ أم يستمر التصعيد حتى موعد الانتخابات؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة