جلسة حوارية| سياسيون يقيمون مشاهد انتخابات برلمان 2025: شرعية معلقة وهندسة فاشلة

في جلسة حوارية جديدة، ضمن جلسات سجال برلمان 2025، ذهب ثلاثة سياسيين ومراقبون إلى دق جرس الإنذار في وجه الإجراءات التي سارت عليها انتخابات مجلس النواب 2025، خاصة في مرحلتها الأولى، والتي ترتب عليها تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي في سابقة غير معهودة لتصحيح المسار.

شارك في الجلسة الخبير البرلماني والسياسي عبد الناصر قنديل، والصحفي والسياسي نادر شكري، والسياسي والأكاديمي حاتم تليمة، والذين أكدوا فشل الهندسة الانتخابية في إخراج المشهد البرلماني، وغياب الخبرة السياسية اللازمة لإدارة تعقيدات التحالفات داخل الموالاة، مما أدى إلى صراعات واضحة بين أحزاب القائمة الوطنية وظهور أزمة التمثيل الفئوي واضطراب الكوتة واضطراب المشهد الانتخابي برمته، بما يمس شرعية برلمان 2025.

تناولت الجلسة بوضوح وصراحة مسؤولة، ملامح أخرى في المشهد الانتخابي مثل الحضور القبطي في الترشيحات والتحالفات، وجدل الإشراف القضائي وأداء الهيئة الوطنية للانتخابات، ومستقبل البرلمان المقبل وشرعيته في ضوء ما حدث من خروقات وانتهاكات نالت من سمعته، ومدى مسؤولية الناخب الفقير في ضوء ملاحقته بالمال السياسي الحرام والرشاوى الانتخابية.

اقرأ أيضًا: انتخابات مجلس النواب 2025.. تغطية مفتوحة

 

 

فإلى نص الجلسة الحوارية:

في البداية.. كيف ترون المشهد الانتخابي في ضوء ما كان يتردد عن "هندسته"؟

عبد الناصر قنديل: نحن أمام حالة عمدية وقصدية لاستثارة سخط الناس، وترسيخ شعور لدى النواب القادمين بأن النظام هو صانعهم الوحيد.

النقطة الأخطر في هذه الهندسة هي الخلل الذي يبدو متعمَّدًا، والمتمثل في غياب المرشح عن قطاعه الجهوي الذي يمتلك شعبية فيه.

بدأنا نرى نقل النواب والمرشحين من نطاقاتهم الجغرافية إلى مناطق هم غرباء عنها، كرسالة مفادها: "الضمانة الوحيدة لوصولك هي النظام، وليست شعبيتك أو كفاءتك".

فوجئت بمرشحين عن محافظات لا يعلمون عنها شيئًا؛ مرشح ينجح عن محافظة البحيرة ويدلي بصوته في مصر الجديدة! ونائبة تنجح لثلاث دورات عن "ساحل سليم" بأسيوط فيتم ترشيحها في كفر الشيخ! ومرشحة تحمل الماجستير وتعد للدكتوراه يتم ترشيحها بصفة "فلاحة"!

إذا قيمنا الجدارة والكفاءة لدى أحزاب الوسط والأقلية، الذين تطلقون عليهم "الحيز المتاح"، سنجدها سيئة للغاية. رؤساء الأحزاب اختاروا عناصر من "معسكر التأييد والنفاق" داخل تنظيماتهم، وكانت معظم الترشيحات رديئة، وبعضها ذهب لمنطقة "التجديد للأعضاء السابقين". وفكرة "الكوتة" التي يفترض أن تصنع كوادر ذات شعبية للمنافسة الفردية، تحولت إلى احتفاظ بالمقعد للشخص وليس للتنظيم.

عبد الناصر قنديل:

نحن أمام حالة عمدية وقصدية لاستثارة سخط الناس، وترسيخ شعور لدى النواب القادمين بأن النظام هو صانعهم وحاميهم الوحيد.

راجعت قاعدة بيانات الناخبين قياسًا بعدد المقار الانتخابية، ووجدت أن المتوسط العام لوقت التصويت للناخب وفقاً للجداول هو 14 ثانية. وفي بعض الدوائر، زمن التصويت المتاح للناخب هو 8 ثوانٍ فقط!

البرلمان المقبل إذا أردت أن تطلق عليه مصطلحًا، سمه "برلمان الحراسات الخاصة. كل مرشحي الأغلبية يسيرون مصحوبين بحاجز أمني شخصي بينهم وبين الناس، خائفين من الناخبين.

السيطرة الكاملة

ما هي السمة الأبرز في هذا المشهد؟

حاتم تليمة: أرى المشهد الانتخابي في سياق المرحلة التي نعيشها منذ عشر سنوات، وهو سياق "السيطرة الكاملة" للسلطة التنفيذية بأعلى مستوياتها على كافة سلطات الدولة. مبدأ "فصل السلطات" غائب تمامًا.

داخل هذا السياق، يظهر المشهد الانتخابي بهندسته المحددة مسبقًا من قبل النظام.

حاتم تليمة
حاتم تليمة

انظر إلى ما حدث مع هيثم الحريري في الإسكندرية، وهو برلماني سابق يمتلك شعبية ضخمة، فجأة ظهرت عوائق منعته من الترشح. كذلك الكثير من قيادات "تيار الأمل" التابع للمرشح الرئاسي السابق أحمد طنطاوي تم رفض ترشحهم أصلًا.

حتى هذا الهامش الصغير جدًا الذي كان يعمل عليه هؤلاء، والذي لم يكن ليحدث أي قلب للموازين في البرلمان القادم، لم يُسمح بتواجده. هذا تم بشكل ممنهج، وهو ما أدى لهذا المشهد، خاصة وأن للمجلس القادم دورًا تاريخيًا، كما يتردد.

عبد الناصر قنديل: في الحقيقة لا أرى أنه تم استبعاد عمدي لمرشحين. حالة هيثم الحريري سببها أنه استُبعد بناءً على تفسير لدى الهيئة الوطنية للانتخابات تم الذهاب به إلى محكمة القضاء الإداري، ومحكمة القضاء الإداري تبنت وجهة النظر التي تقول إن الاستبعاد أو الاستثناء من أداء الخدمة العسكرية بناءً على تقرير من وزير الدفاع هو "واحدة من الجرائم المخلة بالشرف". وبالتالي نُفذ هذا لأول مرة في مجلس الشيوخ ضد نائب رئيس حزب النور في محافظة كفر الشيخ.

لم ينتبه أحد لمقولة (أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض) وأن "سيفًا سيأتيني من الخلف، سيأتيك من ألف خلف".

الحقيقة أنه في هذه اللحظة وُضعت بذرة إقصاء لنواب. أنا ضد تفسير المحكمة، وضد تفسير الهيئة الوطنية، وضد تفسير محكمة القضاء الإداري، وأرى أنه تعسف يفتح الباب للسلطة التنفيذية بأنها "بادئ ذي بدء" تقصي من لا تريده من المشهد المستقبلي بأن تحرمه من أداء الخدمة العسكرية.

الإخراج بالغ السوء

ما حدث على الأرض في المرحلتين الأولى والثانية.. كيف رصدتموه؟

نادر شكري: المشهد في المرحلة الأولى امتلأ بالمخالفات والتجاوزات، خاصة الدعاية التي كانت مستمرة طوال الوقت أمام اللجان، وداخل اللجان نفسها حتى، وهذا رأيته بنفسي في بعض المحافظات، بجانب استخدام المال السياسي.

وهناك نقطة كارثية لابد أن تكون فيها محاسبة، وهي استخدام "الجمعيات الأهلية" في الدعاية. هذه كارثة سوداء، وللأسف تم استخدام ذلك بشكل كبير جدًا في الصعيد.

كيف أستخدم جمعيات تساعد الناس وأستغل فقرهم بأن آخذ بطاقاتهم الشخصية مقابل أن يذهبوا لينتخبوا أو يصوتوا لصالح مرشح معين؟

نادر شكري
نادر شكري

هذا تم رصده من زملائنا، وللأسف في ظل غياب المجتمع المدني الذي كان له دور مهم جدًا في المراقبة عام 2015 وغيره، ولكن مع تقليص دور المجتمع المدني أصبح الوضع مؤسفًا جدًا.

وهنا أريد لفت النظر إلى بطلان إلغاء نتائج الفردي دون مقاعد القائمة. "إزاي أني أنجح القائمة في هذه الدوائر وألغي الفردي؟".

أرى أن إلغاء الدوائر الفردية كان محاولة لنوع من امتصاص الغضب الشعبي فقط، بعد نزول الناس لأول مرة في محافظات مثل الفيوم وقنا وأسيوط، ما أفرز نوعًا من المخاوف.

هذا بالإضافة إلى فكرة النواب الذين يتم نقلهم من أحزاب لأحزاب، بأي منطق! هذا الشخص الذي يغير من أيديولوجية حزبية لحزبية، هل أثق فيه أنه يمتلك رؤية أصلًا؟! فجأة وجدت رئيس لجنة في مجلس الشيوخ عن حزب آخر غير حزبه! أمر غريب.

حاتم تليمة: لدي سؤال مهم: هل التطاحن الذي رأيناه في الجولة الأولى، جاء بناءً على أي نوع من أنواع البرامج؟ هل سمعنا مثلًا أن هذا حزب "مستقبل وطن" يتفاعل مع "الجبهة الوطنية" ضد رؤية "يسار وسط" أو "يمين وسط"؟ لا يوجد هذا الكلام.

لكن الكلام كله كان يدور حول صراع ما بين أفراد كلهم يجتمعون سياسيًا حول الخط الاقتصادي الموالي للدولة واتجاهها.

المشهد كله تبدت فيه "غياب الخبرة"، أو بلغة أخرى "المعلمة" التي كنا نراها سابقًا. وأتفق مع القول إن الإخراج سيء جدًا هذه المرة.

عبد الناصر قنديل: إدارة المشهد بدت في المرحلة الأولى وكأن من يدير يسعى لإفساد تجربته. بصراحة: لو أنني أعطيت لأقصى خصوم الدولة المصرية الحق في أن تدير هي المشهد نيابة عن الحكومة، لم تكن لتخرجه بهذا السوء. الإخراج كان بالغ السوء.

أولًا: الأجهزة التنفيذية تبنت ما يسمى بمصطلح "الحياد السلبي"؛ كل شيء يحدث أمام أعينها وتأتي لتحدثها فتقول لك: "أنا ليس لي علاقة". تذهب لتشتكي لرئيس اللجنة الفرعية من ظواهر شراء الأصوات والدعاية خارج اللجان والإعلام، يقول لك: "أنا حدود سلطتي المقر، لو هناك شيء داخل المقر أخبرني". تخرج لضابط التأمين الخارجي وتقول له ما يحدث، يقول: "أنا آخذ تعليماتي من رئيس اللجنة في الداخل". وبالتالي كان لدينا مشكلة هنا.

ثانيًا: ضياع مكتسب الحبر الفسفوري من أيدينا، والحديث عن أنه يقتصر استخدامه فقط على الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات، مع أنه هو أساسًا ظهر من أجل الانتخابات النيابية لأنها الانتخابات الأكثر نفعية ومصلحية التي أخشى فيها من تدوير الأصوات.

ثالثًا: كذلك ما قيل عن أن مندوبي المرشحين لا يحضرون الفرز؟ يقولون: نحن قضاة، وبالتالي لا أحد يدخل معنا، فنغلق الباب على أنفسنا ونفرز! أليس من حقي في أن آخذ نسخة من المحضر الخاص بالحصر العددي للأصوات باعتباره أحد الوثائق المهمة إذا ذهبت إلى التظلم والتقاضي؟

رابعًا: تبدى وكأن هناك محاولة لتخفيف عبء الأزمة الاقتصادية على حساب العملية التنافسية، "اصرفوا شوية فلوس على الناس" وكأنكم ترفعون عن الدولة بعض الشيء. لكن الحقيقة أن هذا لم يكن يتم بهذا الشكل وطريقة إدارته كانت بالغة الفجاجة.

خامسًا: راجعت قاعدة بيانات الناخبين قياسًا بعدد المقار الانتخابية، ووجدت أن المتوسط العام لوقت التصويت للناخب وفقًا للجداول هو 14 ثانية. وفي بعض الدوائر، زمن التصويت المتاح للناخب هو 8 ثوانٍ فقط! عندما كنا نرى كثافات، هي في الحقيقة لم تكن كثافات عددية ضخمة، بل تعني أنك ضيقت "عنق الزجاجة" وقللت عدد اللجان، فظهرت الأعداد القليلة وكأنها تكدس. هذا أمر يجب أن نأخذه في الاعتبار عند قراءة المشهد.

في المرحلة الثانية، تغيرت الأمور قليلًا نتيجة تفاعلات كثيرة جدًا كانت موجودة في المشهد، كان يقف وراءها "حالة الغضب" التي استشرت على الأرض في عدد من محافظات الصعيد ووصلت إلى الاشتباك مع قوات تأمين لجان إعلان النتائج، وهذا كان أمرًا جديدًا على الحالة المصرية.

نحن منذ ما يقرب من 15 سنة لم يكن لدينا النموذج الخاص بالمواجهات من هذا الشكل.

ظهوره إنذار مبكر لم يكن ينفع أن يتم تجاوزه، فوجدنا الهيئة تذهب إلى إجراءات أكثر انضباطًا وفقًا لقواعدها، ووجدنا الداخلية تتعامل بحسم مع العديد من الوقائع التي فيها انتهاك حقيقي وجرى رصدها، وشاهدنا مواطنين بدأوا يأخذون اتجاهًا إيجابيًا بأن يوثقوا أي شيء يرونه، وبالتالي هذا متغير.

استياء قبطي

نذهب إلى ترشيحات الأقباط مثار الجدل لدى البعض. كيف رأيتم ما حدث؟

نادر شكري: فلسفة "الكوتة" كانت تهدف لتغيير ثقافة المجتمع نتيجة الاحتقان الطائفي واستخدام التيار الديني ضد الفئات المهمشة (الأقباط والمرأة)، وكان الهدف إنجاح التجربة وإعادة دمجهم. لكن التجربة لم تكن بالمستوى المطلوب بسبب غياب معايير واضحة للاختيار.

فيما يخص الأقباط تحديدًا، بدأت المشكلة في القائمة منذ انتخابات مجلس الشيوخ، حيث سادت حالة غضب من الاختيارات وطريقة الإدارة، وكان الأمل في التصحيح بانتخابات مجلس النواب، لكن الأمر جاء أسوأ.

في برلمان 2015، كان لدينا 38 نائبًا قبطيًا (24 بالقوائم و12 فردي). في 2020، انخفض العدد لـ 31 نائبًا (3 فردي والباقي قوائم). أما في 2025، فقد كرست الاختيارات فكرة "التمثيل الشكلي"؛ بمعنى تفريغ مقاعد لوزراء أو محافظين أو شخصيات معينة، واستبدال مقعد بمقعدين، أو استبدال الأقباط بالمرأة.

نادر شكري
نادر شكري

ظهر غضب كبير تجاه تشكيل القوائم؛ فمن بين 28 مقعدًا للأقباط، تم اختيار 23 سيدة و5 رجال فقط! في قطاع الصعيد (12 مقعدًا) يوجد 4 رجال، وفي القاهرة والدلتا (9 مقاعد) يوجد رجل واحد، بينما خلت قائمة غرب وشرق الدلتا من الرجال تمامًا.

على أي أساس يتم الاختيار؟ هناك فكر غريب في التغيير؛ فمن بين الـ 31 نائبًا قبطيًا في المجلس الماضي، لم يعد سوى 4 فقط. كما أن طريقة الاختيار تعتمد على المحسوبية: "إن لم تستطع الترشح، رشح زوجتك أو ابنتك"، وهن بلا أي خبرة سياسية. في بعض المحافظات كنت أسأل الكنيسة والأقباط عن الشخصيات المرشحة فلا يعرفونها!

هذا بالإضافة لما ذكر عن نقل المرشحين بين المحافظات (من القاهرة لأسيوط والعكس)، مما جعل الأقباط يشعرون أنهم يُستخدمون بشكل "ديكوري" فقط، وهذا ما أفشل التجربة وجعلنا نرى ظاهرة "من المطبخ إلى البرلمان".

نادر شكري:

هناك نقطة كارثية لابد أن تكون فيها محاسبة، وهي استخدام "الجمعيات الأهلية" في الدعاية والحشد، هذه كارثة سوداء، وللأسف تم استخدام ذلك بشكل كبير جداً في الصعيد.

من أدار هذا الملف ليس لديه "الخبرة" الكافية في تقدير الموقف، وبخاصة ملف الأقباط، وأيضاً الأحزاب نفسها التي تتعامل مع الأقباط كنوع من الديكور وليس كنوع من التمثيل الإيجابي الحقيقي لدورهم وأهميتهم في الأرض. هذا ما جعل المشهد يخرج بهذه الطريقة.

"سفرة تقسيم الكراسي"

هل غابت الكنيسة هذه المرة عن الاختيارات؟

نادر شكري: الكنيسة لم يكن لها تدخل كبير. والدليل أن بعض المحافظات لم يتم اختيار أقباط فيها أصلًا، مثل قنا (التي تضم 4 إيبارشيات)، وأسوان، وبني سويف، والوادي الجديد؛ جميعها لم تُمثّل بأي قبطي رغم وجود كثافة قبطية.

الموضوع كان متروكًا للجهات التنفيذية وما بين الأحزاب. فعندما جلسوا على "السفرة" لتقسيم الكراسي، كان كل طرف يقول "أنا لدي فلان"، ويرد الآخر "لا، أنا ليس لدي في الحزب الفلاني تمثيل قبطي، سأعطيك من عندي شخصًا قبطيًا، ولكنه موجود في المحافظة الفلانية". هذا ما صنع الأزمة الكبيرة جدًا. هذا ما حدث أيضًا في مجلس الشيوخ؛ حيث كان التمثيل سيئًا جدًا في اختيار شخصيات قبطية لا أحد يعلم عنها شيئًا.

كنا دائمًا في كل الدورات نرى دورًا واضحًا جدًا للأقباط وفي الكنائس، وكان دورهم في الانتخابات الرئاسية واضحًا جدًا، لكن في هذه الدورة بالتحديد كان هناك نوع من الغضب والإحجام، وهذا ما دفع بعض الأقباط لرفع قضايا أمام المحاكم لغياب التمثيل المناسب. منهم الأستاذ رضا نصيف في الإسكندرية الذي رفع قضية ضد فكرة الغياب التمثيلي الفئوي بين الرجال والنساء، ورفعها أيضًا أمام الدستورية ليطالب بتوضيح: "أنتم تروننا كيف في التعامل؟". هل من يمثل الأقباط هي المرأة فقط؟

البابا تواضروس
البابا تواضروس

هل تحدث البابا تواضروس الثاني مع الجهات المعنية عن ملاحظاتكم؟

نادر شكري: قداسة البابا لا يتحدث في هذه الأمور، ولا يدخل في الجانب السياسي نهائيًا.

لو وصلت إليه أسماء يقول "كلهم أولادي"، لكن في النهاية هو بعيد تمامًا عن هذا.

أود أن أقول لك إن كل "إيبارشية" لها إطار، وليس البابا من يدير المنظومة بالكامل في كل إيبارشية.

لا توجد خبرة كافية

ما السبب الذي أوصل الأحزاب لهذا المشهد الانتخابي؟

نادر شكري: في رأيي أن من أدار هذا الملف ليس لديه "الخبرة" الكافية في تقدير الموقف، وبخاصة ملف الأقباط، وأيضًا الأحزاب نفسها التي تتعامل مع الأقباط كنوع من الديكور وليس كنوع من التمثيل الإيجابي الحقيقي لدورهم وأهميتهم في الأرض. هذا ما جعل المشهد يخرج بهذه الطريقة.

لدينا سيدة في البحيرة جمعت صفات (امرأة، وقبطية، ومعاقة)، عند الاختيار، فتم دفعها للترشح لأنها تمتلك ثلاث فئات في شخص واحد!، وهو ما أسميته "المرشح الكومبو".

الاختيار في حد ذاته، في اختيار القائمة وفي اختيار النواب، يوضح: "أنا لست مؤمنًا أصلًا بدور الأعضاء أنفسهم الذين أختارهم".

أنا أريد تمثيل الشكل الذي يقدم لي القائمة التي أريدها بحيث أمثل كل الفئات، لكن ليس مهمًا المضمون، ليس مهمًا هل هؤلاء الأشخاص لهم دور؟ هل لهم شعبية أم لا؟ هل لهم تواجد أم لا؟

الإشراف القضائي

نذهب إلى الجدل حول الرجوع إلى الإشراف القضائي بصورته القديمة (قاضٍ طبيعي لكل صندوق) وانتقاد الإشراف الحالي. ما رأيكم؟

حاتم تليمة: أوافق جدًا على رجوع الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية.

الرجوع سيكون إضافة وأثبت نجاحات إلى حد ما في حسن اختيار بعض النواب في المجالس.

عبد الناصر قنديل: في البداية، يجب أن نعترف بأن هناك خلافًا داخل الهيئات القضائية سببه قانون الهيئة الوطنية للانتخابات؛ لأن هذا القانون هو أول قانون تعترف فيه هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة بأن أعضاءهما "قضاة"، بينما لم يكونوا يُصنفون كذلك سابقًا.

وبالتالي، كان لدى "نادي القضاة" أزمة مع هذا التعريف، وحاولوا غسل أيديهم من الأمر ورد الألم الذي شعروا به منذ سبع سنوات عبر بيانهم الأخير..

وللأسف الشديد، الأحزاب المصرية المجتمعة في الحوار الوطني لم تأخذ خطوة إيجابية، ترهن مشاركتها في الانتخابات بإشراف قضائي كامل. وبالتالي فالأزمة لم تكن في ضعف كفاءة عناصر الهيئات القضائية، لأنهم في الحقيقة نفذوا ما صدر لديهم من تعليمات، لأنهم، مع تقديري، هم بالأساس محامو الدولة، فهم اعتادوا على فكرة الأمر وتنفيذه.

هنا يذهب البعض إلى المطالبة بإلغاء الإشراف القضائي تمامًا، وأن تكون هناك إرادة سياسية لإجراء انتخابات نزيهة. والحقيقة أنني مع هذا الرأي؛ أنا ضد الإشراف القضائي، لأنني شخص يرى أن القاضي الذي يُدان في عملية انتخاب أو عملية عدّ للأصوات، لا أثق في أن يحكم عليّ بالإعدام، لأن حكمه سيكون مبنيًا على معلومات قد تكون مغلوطة. يجب أن يُصان القاضي عن هذه المهاترات.

بيان الرئيس

بالانتقال إلى بيان الرئيس السيسي حول مخالفات الانتخابات. كيف ترون تدخل رأس الدولة في هذا التوقيت العصيب؟

عبد الناصر قنديل: تاريخيًا، لم يحدث في تاريخ الحياة النيابية المصرية من عام 1866 وحتى اليوم أن تدخل رأس السلطة التنفيذية الأعلى في عمليات الاقتراع بمثل هذا الشكل.

هذا يعني أن مؤسسة الرئاسة لديها غضب متراكم تجاه ما تم على الأرض، وأن هناك جزءًا منه مخالفة لتوجيهات مؤسسة الرئاسة نفسها، التي هي المرجعية الأعلى والحكم بين هذه السلطات.

كان هناك حديث عن أن رأس السلطة التنفيذية غير راضٍ عن طريقة صياغة التركيبة البرلمانية، وأنه طلب تعديلات واضحة. وعندما ذهبنا إلى أرض الواقع وبدأت أول عملية، اكتشفنا أن محاولة "صنع كتلة متماسكة تمثل قلب هذا البرلمان"، لم تحدث.

كان المطلوب ألا تكون كتلة يملكها حزب بمفرده كما كان الحال في برلمان 2020، من حزب مستقبل وطن.

كانت لدى "عقل الدولة المصرية" رغبة في أن تكون هناك تفاهمات تضمن الوصول إلى صيغة توافقية لتركيبة البرلمان، فيها تحالف يشكل "الكتلة الصلبة" من أحزاب الأغلبية الرئيسية (الثلاثة الذين يشكلون أغلبية البرلمان دون أن يمتلك واحد منهم منفردًا الأغلبية)، ومعهم تمثيل ما سُمي بـ "الحيز المتاح" أو الأحزاب الأقلية الذين تم إرضاؤهم بعدد مقاعد (حدهم الأقصى 9 وحدهم الأدنى 1).

لكن حدث أمرٌ غريبٌ. ماذا يعني أن أجد مرشحًا لحزب "مستقبل وطن" يحصل على 39 ألف صوت، بينما مرشح حزب "حماة الوطن" الذي معه في نفس الدائرة يحصل على 2600 صوت! والمرشح البعيد عنه، أي الاثنين المستقلين، يحصلون على 17 و18 ألف صوت؟

هذا يعني أن هناك طرفًا قرر أن ينقض كل هذه الاتفاقات، ويأخذ نسبته هو التي يريدها، بحكم أنه يمتلك القدرة على التعامل مع الشارع، وفوجئنا بنوع من أنواع "التنكيل" بمرشح التحالف من خارج "مستقبل وطن".

الرئيس رأى أن المشهد فيه "عمدية للمخالفة"، فقرر أن يردها لهم كلهم مرة أخرى ويحتكم إلى إرادة الشعب.

وهذه هي المرة الثانية التي يلجأ فيها لهذا الأمر؛ ففي قانون الإجراءات طُلبت تحسينات، وعندما خرج القانون بصيغة أكثر سوءًا مما يمكن تحمله، قرر الرئيس أن يرجعه للبرلمان. وتكرر هذا الأمر الآن. هذا يعني أن السلطة من الداخل فيها صراع فكري وصراع مصالح.

هذا الصراع يجب أن يُحسم بطريقة تجعل الشارع طرفًا، لأن خروج الشارع ودعمه للرئيس هو أساس سلطته، فإذا حاولت بعض الدوائر أن تنال من هذه الشعبية لصالح عناصر أقرب إليها، فهنا كان يجب على مؤسسة الرئاسة التدخل.

مزاعم مراكز القوى

خرج موالون يطالبون الرئيس بثورة تصحيح بعد بيانه. هل هناك دلالة حول وجود ما سُمي بـ "مراكز القوى" وفق مزاعم البعض؟

حاتم تليمة: أتصور أن هذا الصراع الدائر في الانتخابات قد يخلق مع الوقت مراكز قوى، تحت تأثير شبكات المصالح.

في نظام مبارك رغم اعتراضي الكامل عليه. كانت هناك قدرة على الجمع بين كافة المؤسسات وإدارة خلافاتها. كان هذا الصراع أو اختلافات المصالح ينهيه "وسيط سياسي" بين النظام والشعب اسمه "الحزب الوطني".

هذا الحزب كانت له أيديولوجية (يمين وسط)، وبرنامج، وله رجاله الموجودون في كل قرية وكل محافظة، وكانت قياداته سياسية وليست أمنية (كمال الشاذلي، زكريا عزمي، وغيرهما). وقد تغير هذا في أواخر عهد مبارك.

جانب من اجتماع القائمة الوطنية من أجل مصر بقيادة حزب مستقبل وطن - فيس بوك
جانب من اجتماع القائمة الوطنية من أجل مصر بقيادة حزب مستقبل وطن - فيس بوك

أما الآن، فمع تدخل مؤسسات الدولة في كل شيء، ووجود أحزاب محسوبة عليها، بات الأمر صراعًا على مساحات النفوذ والسيطرة والمصالح، ولذلك أرى أن ما يحدث من صراعات معلنة بين المرشحين هو جزء من معركة أسميها "رسم النفوذ"، التي أغضبت مؤسسات كبيرة وشبكات مصالح كبيرة، ما استدعى صدور بيان الرئيس.

عبد الناصر قنديل: طبقًا لمعلوماتي لا توجد مراكز قوى في مصر، والدليل على ذلك أنه عندما صدر بيان الرئيس، تراجع الكل. مراكز قوى معناها أن هناك صراعًا بين أجنحة وهناك معارضة، وأنا لا يوجد لدي ذلك. ممكن أقول "صراع مؤسسات"، لكن مراكز قوى لا.

حاتم تليمة:

أرى المشهد الانتخابي في سياق المرحلة التي نعيشها منذ عشر سنوات، وهو سياق "السيطرة الكاملة" للسلطة التنفيذية بأعلى مستوياتها على كافة سلطات الدولة (التنفيذية، التشريعية، والقضائية)

المشهد كله تبدت فيه "غياب الخبرة"، أو بلغة أخرى "المعلمة" التي كنا نراها سابقًا. وأتفق مع القول إن الإخراج سيء جدًا هذه المرة.

لقد وصلنا لمشهد 2010 فعلًا، لكن لن يترتب عليه ما حدث في هذا التاريخ. تكرار المشاهد جعل الناس تتذكر ما حدث، وقالوا إن شرعية البرلمان مهددة.

أنا على رأيي أن الصراع الحالي يتجه إلى صراع حول "مراكز القوى"؛ الموجودة داخل الأجهزة. صراع على شبكات المصالح والنفوذ، وليست صراعًا سياسيًا أيديولوجيًا أو رؤية مختلفة لتوجه النظام، وهذا الأمر سيظهر جليًا في المجلس القادم.

الهيئة الوطنية للانتخابات

الهيئة الوطنية للانتخابات بما لها من مقومات وسلطات. هل كانت منتظرة أن يخرج بيان الرئيس لكي تحقق في الأمر كما يتساءل البعض؟

نادر شكري: هذا هو السؤال، وهل لو لم يصدر بيان الرئيس، هل كنا سنسير بنفس الإطار؟

يسأل المواطن: لماذا دائمًا في مجتمعنا يتحتم على الرئيس أن يتدخل لكي يجد حلًا لكل شيء؟ لماذا يصدر قانون في مجلس النواب والمجلس يهلل، ويخرج الرئيس ليقول "لا، أعيدوه"، فيخرج نفس الأعضاء ليقدموا الشكر لأن القانون كان خطأ؟ أمر غريب جدًا.

وبالتالي، أنا أرى أن بيان الرئيس هو محاولة للتوازن وإنقاذ حالة الغضب وامتصاصها في الأساس.

الهيئة الوطنية للانتخابات وسط القاهرة (إ.ب.أ)
الهيئة الوطنية للانتخابات وسط القاهرة (إ.ب.أ)

وهنا لابد أن ننظر لنسبة الناخبين. النسبة ضعيفة رغم الحشد والمال السياسي. هذا يؤكد أن لدينا خطأ ما، وأن هناك أيضًا "حالة وعي" عند المواطنين. الناس باتت تفهم، الناس باتت تعرف كيف تسير الأمور. الناس اليوم تمسك الهاتف وتصور التجاوزات وتصور الأشخاص.

وبالتالي فكرة أن أضحك عليهم، وأن أعتبرهم مجرد "عرائس" أوزع عليهم أدوارًا، أعتقد أن الرؤية لابد أن تتغير تجاه هذا الأمر. اليوم نجد الشارع - كما رأينا لأول مرة مظاهرات - يعرف أن هناك تجاوزات تحدث.

مسؤولية الهيئة الوطنية

هل أداء الهيئة الوطنية للانتخابات في هذا المشهد كان سببًا لاضطراب المشهد الانتخابي؟

عبد الناصر قنديل: الهيئة الوطنية للانتخابات، طبقًا لقانونها وطبقًا للدستور، هي الجهة المستقلة التي تدير المشهد الانتخابي. وبالتالي أي تشوه نتحدث عنه هو ناتج عن نفوذ، لكن ليس ناتجًا عن صلاحيات. وبالتالي هي تتحمل "مجمل الحكم" على تشوه المرحلة الأولى كاملة، بتقاعسها عن ممارسة اختصاصاتها، وبجدلية تعاملها مع الكثير.

تصوروا أن الهيئة الوطنية للانتخابات - برغم أنها موجودة من 2017 - عقدت أول اجتماع مع القوى السياسية لتحصل على ملاحظات حول إدارة المشهد الانتخابي، كان بعد أيام من بيان الرئيس.

كان من المفترض أن كل تقارير منظمات المجتمع المدني الصادرة منذ 2015 بشأن متابعة العمليات الانتخابية، موضع حوار بينها وبين هذه المؤسسات لتقييم العملية ومناقشة سيناريوهات المستقبل وكيفية تحسينها؛ وهذا لا يحدث على الأرض، رغم أنه موجود في قانونها.

جانب مع فعاليات اليوم الثالث للجان تلقى طلبات الترشح لانتخابات مجلس النواب ٢٠٢٥- فيس بوك الهيئة الوطنية للانتخابات
جانب مع فعاليات اليوم الثالث للجان تلقى طلبات الترشح لانتخابات مجلس النواب ٢٠٢٥- فيس بوك الهيئة الوطنية للانتخابات

الهيئة الوطنية وفقًا لاختصاصها مسؤولة منذ 2014 أن تدرّب موظفين على "الكود الإشرافي والإداري" للعمليات الانتخابية، تمهيدًا لإلغاء الإشراف القضائي سنة 2024؛ ولم يحدث إطلاقًا أنها قامت بهذا الدور.

مطلوب منها أن تضع "كودًا معلوماتيًا" واضحًا ومحددًا لمدى القدرة على قياس كفاءة عمليات الانتخاب. لا يوجد لدي كود مصري يقيس كفاءة العملية الانتخابية.

قضاة الهيئة لديهم تداخل بين الاختصاص القضائي والاختصاص الإداري، وهذا كان واضحًا في الحكم الخاص بهيثم الحريري. هذه كانت وجهة نظر لعضو واحد، فلما سمح له منصبه أن يتدخل في العملية الانتخابية، أصدر الحكم القضائي الذي نقف كلنا أمامه.

أنا أحتاج منه إذا ذهب للهيئة الوطنية، يبتعد عن منصة القضاء. التداخل هذا جعلنا أمام تفسيرات وسوابق قضائية، تمثل عائقًا أمامي في التعامل والتفسير. وبالتالي الهيئة الوطنية - وهذا رأيي - بغض النظر عن أنها حاولت تلافي عيوبها في المرحلة الثانية وحسنت كثيرًا جدًا من ملاحظاتنا عليها، لكنها هي من تتحمل المسؤولية عن التشوه الذي كان موجودًا في المشهد واستدعى تدخل الرئيس.

نتائج الانتخابات

كيف تقرأون نتائج المعارضة وبالتحديد فوز مرشحين مثل "عبد المنعم إمام" و"ضياء الدين داود" من المرة الأولى؟

عبد الناصر قنديل: دعني أبدأ بالتأكيد على أن وجود أصوات معارضة داخل البرلمان هو أمر بالغ الأهمية وله قيمة كبيرة؛ لأنها في النهاية أصوات "تغرد" بطريقة أقرب إلى المواطنين العاديين وتعبر عنهم، وهذا جزء مهم يجب الانتباه إليه.

لذلك، لا يمكن بأي حال ألا أكون سعيدًا بفوز عبد المنعم إمام، وضياء الدين داود، وأحمد فرغلي، وأحمد الشرقاوي، ومحمد عبد العليم داود؛ فهذه الأصوات لا غنى عنها في المشهد السياسي.

النائب عبد المنعم إمام في مؤتمر انتخابي لحزب العدل - فيس بوك
النائب عبد المنعم إمام في مؤتمر انتخابي لحزب العدل - فيس بوك

ولكن وأنا أقرأ المشهد، يجب أن أستحضر تجربتين هامتين، وهما تجربة محمد زهران، وتجربة عماد العدل. هذه تجارب واجهت شراسة من أحزاب الموالاة في المنافسة على المقاعد. ومع ذلك، نجح المستقلون؛ فبينما تم إخلاء دوائر لمرشحين مثل الشرقاوي أو عبد المنعم إمام أو ضياء الدين داوود لضمان وصولهم، نجد أن آخرين صارعوا صراعًا جبارًا ليكونوا موجودين.

وهذا يؤكد رأيي بأن الناخب استطاع معاقبة التيارات السياسية على فسادها في تشكيل القوائم من خلال الانحياز للمستقلين بشكل أكبر. نحن نتحدث عن 102 مقعد تم التنافس عليها في المرحلة الأولى، حصد المستقلون منها 67 مقعدًا، ولدينا 9 دوائر فاز فيها مستقلون بالكامل، و5 دوائر عدد المستقلين فيها يفوق مرشحي الأحزاب. إذن، أنا أبدأ حديثي عن الـ 102 مقعد، والمستقلون يضمنون منهم 13 مقعدًا بشكل مبدئي.

حاتم تليمة: نحن ندور في نفس الحلقة المفرغة للمعارضة. لقد حدث نوع من العقاب في بعض الدوائر، وبالرغم من الفقر والمال السياسي المتوحش، إلا أن المواطن أعطى صوته لبعض المرشحين كنوع من العقاب الذي كان يمكن أن يمتد أكثر في المرحلة الثانية.
هنا يقع اللوم الكبير على المعارضة؛ فكان يجب أن تصنع قائمة واحدة على الأقل، أو تنسق فيما بينها.

عليك أن تعرف أنك ستخسر، لكن اصنع تراكمًا من الغضب يتحول إلى صوت في الصندوق.

المعارضة المصرية لديها مشاكل جمة، ولكن في النهاية أنا أتحدث عن دور الدولة في تجفيف المنابع السياسية. الغرف المغلقة تنمو فيها البكتيريا والمشاكل، ولكن اللوم يقع على المناخ العام.

نادر شكري: النتائج كانت متوقعة. كنت أتخيل أنه لو كان لدينا معارضة أو أحزاب حقيقية وقامت بعمل قائمة موحدة، فأنا متأكد أنها كانت ستكون منافسًا قويًا جدًا. التصويت العقابي منح قدرة لنجاح بعض المستقلين، وهذا أحرج أحزاب التحالف رغم المال السياسي والحشد.

الأحزاب السياسية يجب أن تتخلى عن فكرة "الفرد" الذي يدير الحزب، نحن بحاجة لكيان مؤسسي. لو سارت أحزاب المعارضة بهذا الشكل، فلن يحدث تغيير. بعض الأحزاب التي لم تدخل في التحالف كانت تسعى طوال الوقت للوصول إلى الجهات الرسمية لعقد صفقات معها، رغم أنها كانت تمتلك فرصة ممتازة للتحالف مع بعضها البعض وتحقيق نجاح، لأن الشارع كان متعطشًا للدخول في هذا الإطار.

نحن بحاجة لمراجعة التخصصات، وألا يحدث تداخل يضر بالحياة السياسية، خاصة مع تصاعد دور "السوشيال ميديا" والإعلام الجديد والحركات الشبابية. الفكر تغير والوضع تغير.

كما أنني سعيد جدًا بأن الكنيسة لم يكن لها أي تدخل في العملية السياسية هذه المرة، وهذا يعيدنا لضرورة فصل الدين عن السياسة. يجب أن ننظر للفئات المهمشة كالأقباط على أنهم مواطنون، والتعامل معهم بشكل إيجابي لدمجهم، بدلًا من نظام "الكوتة".

نتائج الموالاة

كيف ترون نتائج أحزاب الموالاة وهل ما تردد حول الصراع بينهم أثر سلبًا عليهم؟

عبد الناصر قنديل: الصراع داخل أحزاب الموالاة مؤكد ويقين، وقد أضعف أوضاعهم التنافسية في الجولة الثانية، وسينعكس ذلك على أرض الواقع.

الواقع الآن يقول إن "مستقبل وطن" أقصى حصة قد يصل إليها تتراوح بين 36% إلى 41% كحد أقصى، وباقي الأحزاب أوضاعها سيئة جدًا، وربما الأكثر معاناة هو حزب "حماة الوطن" الذي أصبح عدد مرشحيه أقل.

أنا ذاهب إلى برلمان "لا أحد يملك فيه العصا"؛ بمعنى أنه لا يوجد برلمان قادر -كما كان يفعل "مستقبل وطن" في البرلمان الماضي- على الوقوف لردع أي صوت معارض، سواء في الموازنة أو قانون الإجراءات أو الموافقة على الحكومة. لقد رأينا ممارسات غير مقبولة تمت على الأرض نتيجة "الاستقواء" بالأغلبية.

هناك معاناة حقيقية، وهذه المعاناة تقول إن تيار الأغلبية عليه أن يراجع نفسه. الخضوع والخنوع لسطوة الحكومة في الأدوات الرقابية خوفًا من مساءلة الوزراء، أو الموافقة على قوانين الحكومة كما هي، أو الخوف من تعديل القوانين.

تحالفات البرلمان

هل نحن بحاجة إلى إنشاء تحالفات برلمانية في البرلمان القادم من المعارضة؟

حاتم تليمة: نعم. لا بد من وجود تحالف أكبر للأحزاب لمراقبة البرلمان المقبل. هذا واجب، لأننا نتحدث عن انتخابات مجلس النواب كجزء من العملية الديمقراطية الأوسع. أحزاب المعارضة داخل هذا المشهد المتكامل يجب أن يكون لها دور قوي في دفع النواب القلائل الذين نجحوا، وفي تقويم أداء البرلمان ككل.

وإذا كان هناك أي نواقص في حرية التعبير، يجب على الإعلام المستقل وأحزاب المعارضة العمل على فتح هذا المجال، والعمل على استقلال الإعلام خارج البرلمان للضغط على من هم بداخله.

هذا الدور تاريخي للبرلمان القادم لأنه "مهندس" لسبب معين، ويجب التعامل معه باحترافية.

مجلس النواب المصري
مجلس النواب المصري

عبد الناصر قنديل: في الحقيقة، تحدي المعارضة أو تحدي الرفض هو تحدٍ من التحديات المهمة. السؤال هو: هل تمتلك المعارضة القدرة على أن تنسج مع بعضها تحالفات مصلحية للدفاع عن القضايا؟ بحكم الخبرة، أقول إنها أبعد ما تكون عن هذا الأمر، والصراع بينها أقوى من صراعها مع السلطة.

وسيظل قرار المعارضة المختارة والمنتقاة بعناصر أقرب إلى اليمين منها إلى تنظيماتها السياسية، ناتجًا عن خلل النظام الانتخابي. هي تريد أن تسترضي السلطة.

أحد النواب البارزين في البرلمان الماضي، والذي كان يرفض قانون الإجراءات الجنائية، عندما تأخر حزبه في إعلان اسمه، بدأ يشيع أنهم يعاقبونه لأنه عارض! وكأنه اعتبر المعارضة عقوبة وليست شهادة فخر.

ما سيجبر المعارضة على العمل، وما سيجعلها جزءًا من قراءة مختلفة للمشهد، هو قدرة الإعلام ومؤسسات التفكير (Think Tanks) على مراقبة الأداء وفضح أشكال الخنوع.

الناخب الفقير

ننتقل لزاوية أخرى في المشهد. هل يُعد الناخب الفقير متهمًا لقبول الرشوة الانتخابية أم ضحية؟

حاتم تليمة: طبعًا ضحية بلا شك، خاصة مع الظروف الاقتصادية الطاحنة غير المسبوقة في التاريخ الحديث لمصر. نحن نشهد تآكلًا كاملًا للطبقة الوسطى ونزولها للطبقة الفقيرة. نسب الفقر أصبحت مرعبة. لذا، عندما يأتي لهذا المواطن مبلغ مالي (200 جنيه مثلًا)، فهو بالنسبة له أفضل من لا شيء.

نادر شكري: الاستغلال الذي حدث من قبل رجال الأعمال بشراء الناس والفقراء كان أمرًا واضحًا.

الاستغلال سيظل موجودًا طالما نحن نستغل الفقر من خلال الجمعيات الأهلية والسلطة والنفوذ (العمدة ومراكز القوى) لحشد الناس عن طريق التخويف.

هذا الأمر شوه المشهد الانتخابي، وكان سيئًا ومسيئًا للجميع. الصور أظهرت كراتين توزع وصراعات وخناقات، والبعض أصبح لديه حالة وعي ويقول "أنت قادم لتشتريني بمالك".

عبد الناصر قنديل: الناخب طبعًا ضحية. وأنا لا أحمل الناخب الذي ذهب لأخذ المال (البون) المسؤولية. أنا كما أقول لكم، لو عندي رفع لمستوى الوعي ورفع لنسبة المشاركة هذا سيفقد (المال السياسي) قيمته.

والكلام الذي قيل حول استخدام "قاعدة بيانات الفقر" لدى الجمعيات؛ يجب أن يحاسب فيه وزيران: وزيرة التضامن يجب أن تُحاسب على هذه الجريمة، ووزير الشباب على غياب قوة الدفع الشبابي في مجتمع يمثل الشباب فيه تقريبًا 60 أو 65%.

برلماناتنا كلها بلا استثناء جاءت لاستغلال الفقراء، بل هي تُرسخ للفقر لأن الفقر هو أداتها في الهيمنة والسيطرة.

هذا البرلمان لا يمكن أن أُجمل صورته وأسميه "برلمان الأثرياء" أو الأغنياء، هذا برلمان القوى المالية المتوحشة. لأنه حتى ليس لديه ميراث اجتماعي أو قيمي يجعله قادرًا على التعامل مع المجتمع، بل يشعر باستحقار لهذا المجتمع وعدم احترام حتى للناخب.

البرلمان المقبل إذا أردت أن تطلق عليه مصطلحًا، سمه "برلمان الحراسات الخاصة" (Bodyguards). كل مرشحي الأغلبية يسيرون مصحوبين بحاجز أمني شخصي بينهم وبين الناس، خائفين من الناخبين.

أنا رأيت مرشحة لحزب يقدمونها في مؤتمر، داخلة وفي 8 "بودي جارد" جايبينها من آخر المؤتمر وعمالين يزيحوا ويدفعوا الناس! نحن كنا نستغل الانتخابات لكي نحتضن الناس، أصبحنا ندفعهم.

شرعية البرلمان المقبل

في 24 نوفمبر الماضي. أصدرت الحركة المدنية بياناً ربط بين البرلمان الحالي وبرلمان 2010. كيف ترون شرعية البرلمان المقبل؟

حاتم تليمة: لقد وصلنا لمشهد 2010 فعلًا، لكن لن يترتب عليه بشكل كبير ما حدث بعد هذا التاريخ.

تكرار المشاهد جعل الناس تتذكر ما حدث، وقالوا إن شرعية البرلمان مهددة، خاصة أن هذه الانتخابات تشهد عزوفًا جماهيريًا واضحًا، حتى بالنسب الرسمية التي تتحدث عن 27%.

أنا على رأيي أن الصراع الحالي يتجه إلى صراع حول "مراكز القوى"؛ الموجودة داخل الأجهزة. صراع على شبكات المصالح والنفوذ، وليس صراعًا سياسيًا أيديولوجيًا أو رؤية مختلفة لتوجه النظام، وهذا الأمر سيظهر جليًا في المجلس القادم.

مجلس النواب المصري - فيس بوك
مجلس النواب المصري - فيس بوك

نادر شكري: من البداية هناك إشكالية في قانون الانتخابات نفسه. وهو ما سيؤثر على البرلمان.

الشكل العام وطريقة الإدارة هما ما جعل الناس تشعر بحالة من الخوف بأننا نعود للوراء بدلًا من محاولة التغيير.

معظم الناس تتحدث وترى أن هذا البرلمان مدته ستكون قصيرة ولن يكمل مدته نتيجة الاختيارات، وشكل الغضب الموجود، وبسبب طريقة الاختيار التي استبعدت السياسيين وجاءت بأناس لا علاقة لهم بالسياسة تمامًا.

في البرلمان السابق كان هناك قليل من السياسيين، أما هذه المرة فلا توجد سياسة.

مرشحو الغلابة

هل معارك المرشحين "الغلابة" كما كانوا يوصَفون مثل محمد زهران وعماد العدل تشكل أملًا فيما هو قادم؟

نادر شكري: نعم هذا المشهد فيه أمل، ولكن المشكلة في التدخلات التي تحدث.

هذا يجعلني أقول إن الناس نفسها تريد التغيير، ولديها إحساس بالرغبة في اختيار نائب يمثلها. وهذا ما جعلنا نرى أقل إمكانيات لبعض المرشحين الذين ذكرتهم وغيرهما استطاعوا عمل حالة في الشارع.

المرشح محمد عبد الكريم زهران من أحد مقاهي المطرية في حوار جديد من حوارات سجال برلمان 2025 - تصوير دينا عبد العزيز
المرشح محمد عبد الكريم زهران من أحد مقاهي المطرية في حوار جديد من حوارات سجال برلمان 2025 - تصوير دينا عبد العزيز

لولا نتيجة الحشد المالي الذي يحدث والحشد الجماهيري الموجه، لكان الوضع مختلفًا، خاصة في القرى والأقاليم التي تمتلك قدرة على التغيير.

ما رأيته هو "حشد وهمي" أمام اللجان، وكنت أراقب اللجان من الداخل وأجدها فارغة، بينما الخارج مزدحم. كيف أقيم الوضع وتخرج أرقام كبيرة بينما اللجان فارغة؟ لكن ما رأيته على وسائل التواصل الاجتماعي يؤكد أن الناس لا يعجبها الوضع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة