ورقة بحثية جديدة: المال السياسي يكشف النظام الانتخابي والسلطة

خلصت ورقة بحثية جديدة صادرة عن فَكّر تاني، بعنوان: “من تعزيز المشاركة إلى تقييدها: تحوّل وظيفة المال السياسي في مصر مقارنة بالتجارب الدولية”، إلى أن المال الانتخابي في مصر يعمل داخل بيئة تنظيمية مغلقة تُحدَّد فيها النتائج قبل الاقتراع، عبر شراء المواقع داخل القوائم وضبط السلوك التصويتي لشريحة ضيقة من الناخبين؛ وبذلك لا يصبح المال أداة تنافس سياسي، بل أداة هندسة مسبقة للتمثيل تعيد إنتاج نخبة مالية سياسية، على حساب التمثيل الشعبي.

تؤكد الورقة، التي أعدها الباحث محمد سعد، أهمية استعادة ما وصفته بـ”الوظيفة التمثيلية للبرلمان” وإعادة المال الانتخابي إلى دوره التنافسي، مشددة على وجود أزمة بنيوية في النظام الانتخابي المصري تتجاوز مستوى التجاوزات الفردية، وتستدعي مجموعة من الإصلاحات الهيكلية لاستعادة الحد الأدنى من التنافسية والتمثيلية.

لا للقوائم المغلقة.. نعم للنسبية

تبدأ الورقة بواحدة من أهم هذه الإصلاحات المطلوبة، وهي إلغاء نظام القوائم المغلقة المطلقة واستبداله بنظام القوائم النسبية المفتوحة أو شبه المفتوحة؛ إذ يُعد النظام الحالي، القائم على قائمة واحدة غير تنافسية، المصدر الرئيسي لتحويل نصف مقاعد البرلمان إلى سلعة قابلة للبيع”.

ناخبون يصطفون للتصويت في مدرسة بالقاهرة خلال الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية (رويترز)
ناخبون يصطفون للتصويت في مدرسة بالقاهرة خلال الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية (رويترز)

 

كما أن اعتماد القوائم النسبية التي تتنافس فيها عدة قوائم، مع إتاحة التصويت التفضيلي داخل القائمة، سيحدّ من الفصل البنيوي بين المرشح وقاعدته التصويتية، ويقوّض منطق “من يدفع أكثر يحصل على المقعد”، وفق الورقة البحثية.

ينتقل الباحث إلى النقطة الثانية على طريق الإصلاحات، وهي اعتماد تمويل عام شفاف ومتوازن للأحزاب السياسية؛ ففي ظل غياب التمويل العام، يتحول المقعد البرلماني إلى استثمار خاص؛ مما يستوجب فرض سقوف صارمة على التبرعات الخاصة ونشر الحسابات المالية للحملات الانتخابية.

تشديد العقوبات على شراء الأصوات

ثالثًا، بحسب الورقة، يجب تجريم وتشديد العقوبات على شراء الأصوات وتوزيع المنافع المادية؛ فبالرغم من وجود نصوص قانونية، يظل التنفيذ محدوداً للغاية.

ويوصي الباحث بتعديل قانون الانتخابات لتشديد العقوبات على مخالفات الرشاوى الانتخابية، وإنشاء نيابة متخصصة لجرائم الانتخابات، مع تأسيس قاعدة بيانات علنية للمخالفين.

صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي

تنتقل الورقة إلى ضرورة تعزيز استقلالية وصلاحيات الرقابة على التمويل والإنفاق الانتخابي، ومنح الهيئة الوطنية للانتخابات استقلالًا فعليًا، سواء عبر آلية تشكيل مستقلة أو اختصاص قضائي مباشر، مع منحها صلاحيات التفتيش المفاجئ، وطلب البيانات المالية، ونشر تقارير إلزامية قبل وأثناء وبعد العملية الانتخابية.

تتبنى الورقة ضرورة خفض تكلفة الترشح والتأمينات المالية العالية؛ إذ تُشكل تلك التأمينات المرتفعة حاجزًا طبقيًا وتُعزز هيمنة رجال الأعمال، مؤكدةً أن خفضها إلى مستويات رمزية سيُعيد فتح المجال أمام مرشحين من خلفيات اجتماعية متنوعة.

بالإضافة إلى ذلك، توصي الورقة بإعادة النظر في تقسيم الدوائر وتوزيع المقاعد لضمان تمثيل أفضل للمناطق المهمشة والأقليات؛ فإعادة ترسيم الدوائر بناءً على الكثافة السكانية والتنوع الاجتماعي من شأنه أن يقلل من هيمنة الشبكات العائلية والقبلية على النظام الفردي.

ووفق الدراسة، فإن هذه الإصلاحات تتطلب إرادة سياسية وتغييرًا في موازين القوى، لكنها تظل المدخل الأكثر واقعية -بحسب الباحث- لاستعادة الدور التنافسي للمال الانتخابي وتقليل أثره الاستبعادي، وإعادة قدر، ولو محدود، من التمثيل الشعبي داخل البرلمان المصري.

المال السياسي في الأدبيات العالمية

تسعى الورقة البحثية إلى تتبع مفهوم المال السياسي وتأثيره على الانتخابات المصرية؛ لذا تشير إلى إطار مفاهيمي منضبط يبدأ بتعريف المال السياسي ومفهومه في الإطار العالمي، وصولًا إلى مفهومه في الإطار المصري.

يتزايد الحديث في الوسط السياسي عن النظام الانتخابي الأفضل لمصر، فيما يواصل السياسي باسم كامل حلقات مقالاته على موقع فكر تاني حول الانتخابات البرلمانية الوشيكة - مواقع الكترونية
يتزايد الحديث في الوسط السياسي عن النظام الانتخابي الأفضل لمصر، فيما يواصل السياسي باسم كامل حلقات مقالاته على موقع فكر تاني حول الانتخابات البرلمانية الوشيكة – مواقع الكترونية

يُعرَّف المال السياسي في الأدبيات العالمية بأنه مجموع المعاملات والأنشطة التي تشمل جمع الأموال وإنفاقها لأغراض سياسية، وذلك بهدف تمكين الأحزاب والمرشحين والجماعات السياسية من التنافس في الانتخابات وبناء التحالفات والتأثير في السياسات العامة.

ويشير إلى الموارد المالية التي تُستخدم للتأثير في السياسات العامة عبر آليات مؤسسية تشمل:

  • تمويل الحملات الانتخابية؛
  • التبرعات الفردية والجماعية؛
  • دعم الأحزاب؛
  • الضغط السياسي المنظم.

ويهدف هذا النوع من التمويل إلى توسيع قاعدة المشاركة، وتوجيه النقاش العام، وبناء تحالفات سياسية، ويعمل داخل بيئة تقوم على التنافس الانتخابي، حتى وإن شابتها اختلالات أو تجاوزات.

ويؤكد بينتو-دوشينسكي أن هذه الأموال التي تُنفق على الحملات الانتخابية، دعم الأحزاب، والإعلانات السياسية، تمثل في الوقت ذاته ضرورة لا غنى عنها للحياة الديمقراطية ومصدرًا محتملاً للفساد والتلاعب.

كما تشدد المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، على أن المال السياسي يشمل التمويل القانوني وغير القانوني على حد سواء للأنشطة الحزبية والحملات الانتخابية، سواء جاء من المرشحين أو الأحزاب أو أطراف ثالثة.

وبناءً على ذلك، تُعرّف هذه الورقة، المال الانتخابي في مصر بأنه الموارد المالية الموظَّفة في الحملات الانتخابية والدعاية السياسية والتأثير واختيار المرشحين.

المال السياسي في مصر

وبحسب الورقة، يظهر المال السياسي في مصر في أشكال قانونية وغير قانونية، وينفق في شراء أصوات الناخبين الفقراء عبر شبكات محلية، أو في شراء مقاعد القوائم المغلقة داخل “سوق نخبوي مغلق”، بما يجعل المال أداة لتقليص دور الناخبين وضمان تحكّم النخب المرتبطة بالسلطة في مسار الترشح والنتائج.

كرتونة طعام مستقبل وطن التي توزع بالتزامن مع الانتخابات يعدها البعض رشاوي انتخابية - فيس بوك
كرتونة طعام مستقبل وطن التي توزع بالتزامن مع الانتخابات يعدها البعض رشاوي انتخابية – فيس بوك

وتؤدي الموارد المالية في السياقات السلطوية الانتخابية وظيفة مختلفة، فهي لا تُستخدم للتأثير في السياسات أو توجيه النقاش العام، بل لضبط مدخلات العملية الانتخابية ذاتها. ويتجلى ذلك في شكلين رئيسيين:

شراء الأصوات، وهو استمرار لنمط الزبائنية التقليدية الذي يقوم على حشد شريحة ضيقة من الناخبين الفقراء بهدف الفوز بصوتهم الانتخابي عبر وسطاء محليين.

وتُقدَّم للناخبين منافع مباشرة تشمل:

  • مبالغ مالية صغيرة
  • سلع تموينية
  • خدمات فردية مرتبطة بالحاجات اليومية

وتشير الورقة إلى أن هذا النمط يعمل داخل بيئة تتسم بانخفاض معدلات المشاركة، وضعف التمثيل الحزبي، واتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسة التشريعية.

وبالتالي يوجَّه هذا النمط لقطاع محدود من الناخبين، ولا يهدف إلى خلق منافسة واسعة أو إقناع الجمهور بأفكار سياسية أو إضفاء تنافسية سياسية إلى العملية الانتخابية.

أما النمط الثاني، وفق الورقة، هو شراء مقاعد القوائم المغلقة، برز هذا النمط مع اعتماد نظام القوائم المغلقة المطلقة وإنشاء ما يُسمّى بـ”القائمة الوطنية الموحدة” التي تخوض الانتخابات دون منافسة مع قوائم أخرى؛ إذ لم تظهر داخل دوائرها قوائم بديلة تنازعها، ما جعل ما يقارب نصف عدد مقاعد البرلمان يُحسَم مسبقًا لصالح قائمة واحدة من دون حملات تنافسية أو تداول أفكار بين قوائم متعددة.

وفي هذا السياق، لا يُستخدم المال للتأثير في الناخبين، بل يوجه للمؤسسات والأحزاب السياسية الموالية للسلطة أو المقربة من أجهزتها للحصول على موقع مضمون داخل القائمة الوحيدة. وهكذا يتحول الترشّح في دوائر القوائم من عملية ديمقراطية إلى مسار انتقاء داخلي مغلق، يُعاد فيه توزيع المواقع وفق القدرة على التمويل، لا وفق تمثيل اجتماعي أو برامج سياسية.

ويعتبر الباحث أن المال السياسي في مصر، على خلاف النماذج العالمية التي يسعى فيها المال السياسي إلى جذب جمهور أوسع للمشاركة في الانتخابات، تنزع الحالة المصرية إلى تقليص قاعدة المشاركين، بحيث يصبح التحكم في العملية الانتخابية أكثر سهولة في ظل عدد محدود من الناخبين في ظل أجواء مصممة لاستبعاد الغالبية، بينما يُحسَم نصف البرلمان مسبقًا عبر قوائم لا تتعرض لأي منافسة.

لماذا تختلف الحالة المصرية؟

بعد أن قدمت الورقة مقارنة مع التجارب العالمية، بَرز الفارق الجوهري مع السياق المصري، حيث يأخذ المال الانتخابي بعد 2013 منطقًا معاكسًا تمامًا، فهو لا يسعى لتوسيع المشاركة، بل يعمل في اتجاه تقليصها، بحيث يصبح الجمهور غير مركزي في العملية الانتخابية.

البرلمان المصري (أرشيفية - وكالات)
البرلمان المصري (أرشيفية – وكالات)

وفي هذه الحالة، بحسب الاستنتاج، لا يتنافس المال على السياسات، بل على حق الدخول إلى الترشح ذاته، إذ يتحول المقعد داخل القوائم المغلقة إلى أصل قابل للبيع، بينما تُستخدم الرشاوى الشعبية لضمان الحد الأدنى من الأصوات المُكمِّلة للمشهد الانتخابي.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة