6.6 مليون طفل في “المصيدة”.. كيف يهدد الفقر المتعدد مستقبل مصر؟

كشفت الإحصائية الرسمية الأخيرة الصادرة عن “الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء”، عن واقع رقمي دقيق حول انتشار الفقر بين الأطفال في مصر، حيث أظهرت البيانات أن 16.9% من الأطفال في الفئة العمرية من عمر يوم وحتى 17 عامًا يعانون فقرًا متعدد الأبعاد.

هذه الأرقام تُعبر بشكل مكثف عن الواقع، راصدةً تداعيات السياسات والخطط عبر مؤشرات صامتة لكن دلالاتها لا تقبل اللبس.

يستند التقرير إلى مؤشر “الفقر متعدد الأبعاد”، وهو معيار دولي طوره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع جامعة أكسفورد عام 2010. وهو مؤشر يُستخدم في عشرات الدول كأداة مكملة للمؤشر النقدي التقليدي (الذي يقيس الدخل فقط)، وليس كبديل وحيد عنه، مما يمنح صورة أكثر شمولية لجودة الحياة.

يغطي هذا النوع من الفقر 7 أبعاد رئيسية تشكل عصب حياة الطفل والأسرة، وهي: التعليم، والصحة، والسكن، والخدمات العامة، والعمل، والحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي. وينبثق عن هذه الأبعاد السبعة 19 مؤشرًا فرعيًا تفصيليًا لقياس أوجه الحرمان بدقة.

وتتصدر الصحة والتعليم ومستوى المعيشة قائمة الأبعاد الأكثر أهمية وتأثيرًا؛ إذ يتجسد بُعد الصحة في مؤشرات التغذية ومعدلات وفيات الأطفال، بينما يُقاس التعليم بعدد سنوات التعلّم ومدى انتظام الحضور المدرسي. في المقابل، تشمل مؤشرات مستوى المعيشة حزمة من العناصر المادية والخدمية، تضم: الممتلكات، وطبيعة السكن، وتوفر الكهرباء، ومستوى الصحة العامة، ومصادر مياه الشرب، ونوع وقود الطهي المستخدم.

ورغم أن الأطفال (دون الـ 17 عامًا) يمثلون الفئة المنوط بها جني ثمار الإصلاح الاقتصادي مستقبلًا، إلا أن إحصاءات “التعبئة والإحصاء” تشير إلى وجود 6.6 مليون طفل يعانون نوعًا أو أكثر من الفقر متعدد الأبعاد، وهو رقم يعكس تأثيرات التغيرات الاقتصادية على أنماط معيشة الأسر المصرية وقدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية لجيل المستقبل.

خريطة الحرمان العمري ومسببات “الفقر الحاد”

لا تتوقف المؤشرات عند الرقم الإجمالي، بل تغوص لترصد مستويات أعمق من المعاناة؛ إذ يواجه نحو 1.6 مليون طفل شكلًا “أكثر حدة” من الفقر، ويعانون الحرمان في ثلاثة أبعاد أو أكثر في آنٍ واحد، وهو ما يعكس تحديًا مضاعفًا يتطلب تدخلات تنموية مركزة.

وبحسب الإحصائية، فإن طفلًا واحدًا من بين كل 6 أطفال يواجه حرمانًا واضحًا في بُعدين أو أكثر من أبعاد رفاهيته الأساسية، سواء تعلق الأمر بالصحة أو التعليم.

إنفوجراف تم تصميمه بالذكاء الاصطناعي
إنفوجراف تم تصميمه بالذكاء الاصطناعي

الأطفال دون الخامسة.. الحلقة الأضعف

تظهر البيانات تباينًا واضحًا في حدة الحرمان باختلاف الشرائح العمرية؛ فقد بلغت نسبة الفقر متعدد الأبعاد بين الأطفال في الفئة العمرية (5 إلى 11 سنة) نحو 16.6%، بينما سجلت 13.5% بين الفئة العمرية (12 إلى 17 سنة).

أما الفئة الأكثر هشاشة وتضررًا فكانت الأطفال “دون سن الخامسة”، حيث قفزت نسبة الفقر بينهم إلى 20.8%، وهي النسبة الأعلى مقارنة ببقية الفئات.

تُصنف هذه الفئة بـ”الأخطر”، نظرًا لأن الحرمان في هذا العمر – وتحديدًا سوء التغذية – يحمل تداعيات جسدية وذهنية طويلة الأمد تؤثر جوهريًا على النمو، كما تشير الدراسات.

وتعكس هذه النتائج ضرورة توجيه السياسات التدخلية نحو هذه الفئة العمرية الصغيرة، حيث يكون تأثير الحرمان أشد وطأة على المسار النمائي (النفسي والمعرفي والجسدي) للطفل.

ثلاثية السكن والحماية والتغذية

ووفقًا لأرقام “الإحصاء”، تأتي ظروف السكن، والحماية الاجتماعية، والتغذية في مقدمة العوامل المساهمة في ارتفاع معدلات الفقر متعدد الأبعاد، باعتبارها العناصر التأسيسية لبيئة نشأة الطفل السليم صحيًا ومعنويًا.

هذا الحرمان يدفع الأطفال قسرًا إلى سوق العمالة المبكرة كآلية للبقاء. وتفصل البيانات مسببات عمالة الأطفال بدقة إحصائية، حيث يأتي “انخفاض الدخل الشهري للأسرة” في الصدارة كسبب رئيسي بنسبة 89.21%، يليه عامل “الهجرة من المناطق الريفية إلى الحضرية” بوزن نسبي بلغ 76.33%.

علاوة على ذلك، تم تصنيف “التقاليد والعادات الاجتماعية” التي تشجع على عمل الأطفال كعامل متوسط التأثير بنسبة 77.60%.

حجم الأسرة: الفقر كسبب ونتيجة

وتتشابك العلاقة بين حجم الأسرة ومعدلات الفقر في دائرة مغلقة؛ إذ تزداد نسبة الفقراء طرديًا مع زيادة عدد أفراد الأسرة.

ويُقرأ هذا الترابط من زاويتين: فهو نتيجة؛ لأن غياب الحماية الاجتماعية الكافية يدفع الأسر الفقيرة لزيادة الإنجاب كنوع من “التأمين الاجتماعي” المستقبلي (الأبناء كمصدر دخل عند الكبر أو المرض). وهو سبب؛ لأن زيادة الأفراد تضغط على الموارد المتاحة.

وتشير الأرقام بوضوح إلى هذا التفاوت: حيث نجد أن 80.6% من الأفراد الذين يعيشون في أسر مكونة من 10 أفراد أو أكثر هم من الفقراء، وتنخفض النسبة إلى 48.1% للأفراد في أسر تضم 6-7 أفراد، بينما تتراجع النسبة بشكل حاد لتصل إلى 7.5% فقط في الأسر التي تضم أقل من 4 أفراد.

بين “إرث التقزم” والمؤشرات الحديثة

تشكل الصحة والتعليم الركيزة الأساسية في قياس الفقر متعدد الأبعاد؛ إذ لا يقتصر المفهوم على نقص المال، بل يمتد ليشمل “جودة البقاء”.

في هذا السياق، تبرز مؤشرات سوء التغذية (التقزم والأنيميا) كأحد أخطر التحديات التي واجهت الطفولة في مصر خلال العقدين الماضيين، قبل أن تشهد تحسنًا رقميًا في الإحصاءات الأخيرة.

طفلتان إحداهما تحمل شيكارة (وكالات - أرشيفية)
طفلتان إحداهما تحمل شيكارة (وكالات – أرشيفية)

عبء الماضي: أرقام “اليونيسيف” والبنك الدولي

تُصنف مصر ضمن قائمة تضم 36 بلدًا يتركز فيها 90% من عبء سوء التغذية العالمي، وفق تقديرات سابقة لـ”يونيسيف”.
وتشير بيانات البنك الدولي التاريخية (الفترة من 2000 حتى 2014) إلى أن مصر كانت تضم نحو 2.1 مليون طفل يعانون من “التقزم”، وهو ما وضعها حينها في المرتبة 12 عالميًا من حيث العدد.

وفي تفصيل لهذه المرحلة، يشير مصطفى عادل، الخبير الاقتصادي، إلى أن معدلات التقزم بين الأطفال دون الخامسة كانت قد وصلت إلى 21% في عام 2014، بينما سجلت معدلات “نحافة الأطفال” ونقص الوزن 8% و6% على التوالي.

وكان المؤتمر الإقليمي الأول لسياسات الرعاية الاجتماعية قد حذر قبل عامين من خطورة تفاقم هذه الظاهرة، نظرًا لتداعياتها الخطيرة على النمو الجسدي والذهني.

تحديثات 2025: تراجع في المؤشرات

وفي المقابل، كشفت أحدث البيانات الرسمية عن مسار تنازلي لهذه المعدلات. ففي كلمته بمناسبة “اليوم الوطني لمكافحة التقزم 2025″، أعلن الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة، أن معدلات التقزم سجلت تراجعًا ملحوظًا من 7% عام 2019 لتصل إلى 4% في عام 2025.

معركة “الأنيميا” والتدخلات الغذائية

على صعيد فقر الدم (الأنيميا) -الذي يُعرف بنقص الهيموجلوبين ويؤدي للشحوب والإرهاق- تظهر البيانات تحديًا كبيرًا ومستمرًا؛ إذ تؤثر الأنيميا على 27.2% من الأطفال دون سن الخامسة.

ومع ذلك، أكد وزير الصحة تراجع المعدلات العامة للأنيميا من 23% إلى 9%، بالتوازي مع تحسن مؤشرات فقر الدم بين النساء في سن الإنجاب (15 إلى 49 سنة)، حيث انخفضت النسبة من 35.5% عام 2000 إلى 28.3% عام 2019.

ولمواجهة هذا التحدي، تحركت الدولة عبر سياسات الدعم العيني المباشر، حيث أطلقت وزارة التموين “البرنامج القومي لتعزيز الخبز البلدي التمويني”، والذي يتضمن إضافة الحديد وحمض الفوليك إلى الخبز للوقاية من انتشار أنيميا نقص الحديد. ويستهدف البرنامج توفير هذا “الخبز المدعم والمُعزز بالمغذيات” بشكل مكثف في 13 محافظة سجلت أعلى معدلات للإصابة بالأنيميا.

إنفوجراف تم تصميمه بالذكاء الاصطناعي
إنفوجراف تم تصميمه بالذكاء الاصطناعي

فاتورة “التعويم” والبحث عن الحلول

لا يمكن قراءة أرقام فقر الأطفال بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية العاصفة التي شكلت المشهد المعيشي للأسر المصرية. ففي ظل برامج الإصلاح الاقتصادي، اتسعت فجوة التحديات مع تآكل القوة الشرائية نتيجة تحرير سعر الصرف، في وقتٍ بدت فيه مظلات الحماية الاجتماعية في سباق لامتصاص الصدمات التضخمية المتتالية.

لغة الأرقام: التضخم وتراجع العملة

تشير البيانات إلى تراجع سعر صرف الجنيه من مستوى 7.80 جنيه للدولار في عام 2016 إلى مستوى 47.48 جنيه حاليًا، ما يعني تراجعًا بنحو 514% في قيمة العملة المحلية.

وبالتوازي، وصل التضخم لمستويات قياسية خلال الفترة من 2016 إلى 2023، مدفوعًا بالتعويمات المتتالية، مسجلًا في بعض المحطات مستوى 38%.

ويتزامن ذلك مع رفع الحكومة لأسعار المحروقات 8 مرات خلال السنوات الخمس الماضية، كان آخرها مرتين في العام الحالي (أبريل وأكتوبر)، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف النقل والمواصلات، وبالتالي أسعار غالبية السلع.

هذه المؤشرات تُقرأ دلاليًا على أن الاستثمارات، رغم ضخامتها، لم تنعكس بالقدر المأمول على الحد من الفقر، لتركزها في قطاعات قد لا تتقاطع مباشرة مع احتياجات الشرائح الأكثر فقراً، مما يعكس هشاشة الدخل وضعف القدرة الشرائية.

جدلية “الإصلاح والفقر”

وبحسب دراسة نشرتها المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة بجامعة عين شمس، فإن سياسات الإصلاح الاقتصادي في دول مثل مصر والجزائر والبرزيل، حملت آثارًا سلبية قصيرة الأجل على مؤشرات الفقر نتيجة تحرير أسعار السلع والخدمات ورفع الدعم التدريجي للوقود والطاقة.

وطالبت الدراسة بضرورة تعزيز إجراءات التخفيف عبر زيادة الدعم النقدي والعيني وتوفير فرص عمل، وزيادة إنتاجية القطاعات الملبية للطلب المحلي.

وعلى الصعيد الرسمي، كانت التقارير الحكومية قد رصدت تراجعًا في معدلات الفقر بمصر إلى 29.7% عام (2019-2020) مقارنة بـ 32.5% عام (2017-2018) بنسبة انخفاض قدرها 2.8%، كما انخفضت نسبة الفقر المدقع (العجز عن توفير الغذاء) إلى 4.5% مقابل 6.2%، وهو ما اعتبرته الدولة مؤشرًا على نجاح جهود العدالة الاجتماعية، قبل أن تعاود الضغوط الاقتصادية العالمية والمحلية فرض تحدياتها مجددًا.

تكلفة الفقر على الدولة: 12 مليار دولار خسائر

ويرى مصطفى عادل، الخبير الاقتصادي، أن الأرقام الحالية “مرعبة” لأن الفقر هنا ليس مجرد ظاهرة مالية، بل حالة مركبة من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي تقيس “جودة الحياة”.

ويحذر من أن الدولة ذاتها ستتضرر اقتصاديًا مستقبلًا من هذا الفقر؛ مستشهدًا بتحليل لـ”يونيسيف” حول فقر الأطفال في الولايات المتحدة، وجد أن كل دولار يُنفق على الحد من الفقر يوفر سبعة دولارات من التكاليف الاقتصادية اللاحقة.

وفي المملكة المتحدة، تُقدَّر الخسائر في الدخل الناتجة عن عواقب فقر الأطفال على فرص العمل اللاحقة بما يعادل خسارة 12 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا (نحو 1% من الناتج المحلي). ويضيف عادل: “وجود 6.6 مليون طفل يعانون فقرًا متعدد الأبعاد يعني أنهم ليسوا محرومين من الدخل فقط، بل من خدمات أساسية تؤثر على صحتهم وتعليمهم ومستقبلهم”.

روشتة الحلول: التدريب والتشغيل المحلي

بدلًا من الاكتفاء بتوصيف الأزمة، تقترح أوزنور أوزدامار، رئيس قسم الاقتصاد القياسي في كلية الاقتصاد بجامعة عدنان مندريس، حلولًا عملية للحد من أسباب الفقر متعدد الأبعاد. وتتركز رؤيتها على إطلاق مشروعات محلية للخدمات العامة لخلق فرص عمل للأشد فقرًا داخل مجتمعاتهم، بالإضافة إلى توفير برامج العمالة المرنة.

وتؤكد أوزدامار أن هذه المشروعات من شأنها رفع مهارات الفئات الأكثر تهميشًا عبر توفير التدريبات اللازمة، ثم دمجهم في وظائف تم خلقها خصيصًا لخدمة المجتمع المحلي، مثل: رعاية الأطفال، وموظفي التغذية بالمدارس، وعمال النظافة والصيانة، والطهاة، وعمال الحدائق، وعمال البناء. وهذه المقترحات تمثل مسارًا لتحويل “أرقام الفقر” من مؤشرات إدانة إلى دافع للتنمية المستدامة، حمايةً للقوى العاملة المستقبلية لمصر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة