على مقعده الوثير على منصة جنايات القاهرة بأكاديمية الشرطة جلس المستشار محمود كامل الرشيدي رئيس المحكمة وخلفه رمز العدالة، تلك المرأة المعصوبة العينين والتي تمسك في يدها ميزانًا وبالأخرى سيفًا. جلس الرجل وقورًا طيب الملامح وعلى جبهته علامات التقوى، والصلاح والصلاة ، فهو يستمع بإنصات واهتمام ووقار وربما بإعجاب لحديث مبارك ورموز نظامه ويركز باهتمام وشغف وقور للواء حبيب العادلي وزير الداخلية وهو يتحدث عن مراقبة التليفونات، معجبًا بنصائحه لمن يتم مراقبتهم وتجنيدهم أحيانًا.
يستمع سيادة المستشار لحديث اللواء العادلي بنفس الإعجاب الذي يبدو أنه يستمع به للشيخ الشعراوي وهو يشارك الريان والسعد في افتتاح شركات تجريف الأموال- والاستيلاء على أموال الغلابة والشقيانيين – شركات الريان والسعد والشريف وغيرهم. بعد أن استمع طوال فترة محاكمة لرموز مبارك قال في جلسته الأخيرة: براءة، عودوا لمقاعدكم !

“دي آخر انتخابات مزورة تعملوها!”
في انتخابات الشعب 2010 وأثناء دخولي للجنة الفرز بمركز شرطة الفتح بأسيوط،-كمدير للحملة الانتخابية لمرشحة على مقعد المرأة بأسيوط- تصادف دخولي مع خروج رئيس وحدة مباحث مركز شرطة ساحل سليم وقتها المقدم رشدي همام وهو ينتمي لأسرة انتخابية بسوهاج، وكان صديقًا، وقف أمامي متحديًا وضاحكًا وبسخرية مقصودة قال: أنت لسه داخل تشوف النتيجة يا أستاذ هلال؟!
قلت جازمًا: دي آخر انتخابات مزورة تعملوها!

كانت مرشحتي وقتها مرشحة على مقعد المرأة، وفي لجنة النساء بمدينة ساحل سليم حصلت مرشحتنا على صفر في هذه اللجنة التي بها صوتها وغالبية أصوات نساء عائلتي وعائلتها!
كان لدي يقين في السنوات الأخيرة لحسني مبارك بأن نظامه يوشك على الفناء، وكنت كتبت تقريراً مطولًا بجريدة (الأهالي) بعنوان -أو هكذا كان معنى عنوانه-(مصر دولة فاشلة) وعددت مظاهر الفشل، واعتمدت على تقرير لمجلة ( فورين بوليسي) حينها.
ربما كان باب السماء مفتوحًا عندما قلت للمقدم رشدي همام وقتها: دي آخر انتخابات مزورة هتعملوها، فازدادت ضحكته الساخرة علوًا وانطلقنا متعارضي الخط، وما هي إلا أشهر حتى قامت ثورة يناير 2011، فخسر شقيقه هرقل همام-رحمه الله – مقعده بمجلس الشعب بعد أول انتخابات بعد ثورة يناير، ولكنه-رحمه الله -استعاد المقعد مرشحًا عن حزب مستقبل وطن في 2015 ، وعندما توفاه الله في 2017، اعتلى مقعده شقيقه العميد رشدي همام وكان يشغل وقتها مفتش مباحث أكتوبر، أو الفيوم.
ماذا حدث في الانتخابات؟
كانت إدارة انتخابات الحزب الوطني قد انتقلت من الحرس القديم متمثلًا في صفوت الشريف وكمال الشاذلي للجنة السياسات برئاسة جمال مبارك وأحمد عز أمين تنظيم الحزب، وبعد أن أجريت انتخابات حرة ونزيهة وتحت إشراف قضائي كامل عام 2005، وخاصة في مرحلتها الأولى وفاز فيها الإخوان على 88 مقعدًا وبقية أحزاب المعارضة على ٢٤ مقعدًا.
هذه النتيجة التي لم ترق لقيادات الحزب الوطني الجدد وغيروا الدستور وألغوا الإشراف القضائي، وأجرت لجنة السياسات انتخابات شعب 2010، بالطريقة المعروفة والتي فازوا فيها بكل المقاعد تقريبًا.
كانت انتخابات 2011 استثناء في التاريخ الانتخابي لمصر، وأجريت الانتخابات بالقائمة النسبية والفردي، وخسرت فيها قيادات الحزب الوطني مقاعدها بفضيحة سياسية لم يسبق لها مثيل فالذين حصلوا على مئات الألاف في 2010 لم يحصلوا على 3 آلاف في 2011.

في انتخابات 2015، والتي قام نظامها الانتخابي على الثلث بالقائمة المطلقة المغلقة والثلثين بالفردي، تم تأسيس حزب مستقبل وطن، ليكون واجهة سياسية تدار من خلف ستار. مر بعض المعارضين لمجلس النواب، وعدد كبير من المستقلين وأحزاب الموالاة كالمصريين الأحرار، وانتقل معظمهم لمستقبل وطن في مخالفة صريحة لمواد الدستور التي تمنع النواب من تغيير صفاتهم الحزبية التي ترشحوا عليها، بل وتسقط عضويتهم ولكن بأغلبية الثلثين!
مر بعض رموز المعارضة -ولكن بموافقة صانع الانتخابات وتحت بصره وبصيرته، بينما لم يمر إلى المجلس، وتم التزوير ضده من كانت لديه شبهة معارضة جذرية وكنت منهم. تم استبعادي بسبب تصريحات جذرية وقتها، وشنت أجهزة الدولة وإعلامها حملة ممنهجة ضدي ووصفني إعلامها بالإخواني العتيق وتم إسقاطي بعد إعلان نجاحي وتم تمزيق محضر اللجنة العامة وكتابة غيره.
أما انتخابات 2020 فكانت عودة للخلف دُر، والتي حصلت فيها المرشحة على صفر في الصندوق الذي صوتت هي نفسها فيه!
تطور الانتخابات
كانت انتخابات 2010، تدار تحت إدارة لجنة سياسات الحزب الوطني بقيادة جمال مبارك وعضوية أحمد عز أمين التنطيم، وبأكياس قمامة سوداء كبيرة محشوة بأوراق انتخابية (دليفري) تحشر في الصناديق بعد إخراج ما بها.
أما في 2015، و 2020، وصولًا إلى 2025، فقد تحولت إدارة الانتخابات من لجنة السياسات بالحزب الوطني وتم استبدال لفظ (الأمن ) بـ( الحزب) فبدلاً من ملء الصناديق بأصوات الناخبين عبر أكياس القمامة السوداء !، أصبحت تٌحشى قوائم المرشحين (فردي وقائمة، موالاة وحزبيين، ومستقلين) بأسماء مرشحين معلبين ترسل كشوف أسمائهم للجنة تستقبل طلبات المرشحين وتقوم بترتيبهم ترتيبًا أنيقًا.
وعلى الأرض تولى الوطني الجديد بعد استبدال الحزب، مأمورية الحشد وتوزيع الكراتين وحجز الميكروباصات والأتوبيسات والبنين والبنات والتنسيق لأخذ لقطة أمام اللجان. أما المرشحون فكما تم اختيارهم تُعلن نتائجهم. والشعب كله أصبح عارفًا أن ما تم اختياره سيعلن ناجحًا.

كانت اللجان العامة تعلن أرقامًا للناخبين ولأصوات المرشحين بالغة الخيال ولا يتشارك معها إلا المستحيلات الثلاثة بالأساطير العربية العتيقة (الغول والعنقاء والخل الوفي) فصاروا أربعة بعد إضافةً (أرقام نتائج هذه الانتخابات).
تعلن النتائج كما تم التخطيط لها قبل الولادة المتيسرة بأشهر طوال، ويعود الناجحون لمقاعدهم، بعد أن يتلو معالي المستشار الجليل رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات قرار الهيئة بنتائج الانتخابات وكأنه يردد مقولة القاضي الجليل المستشار محمود كامل الرشيدي لنظام مبارك (عودوا لمقاعدكم).
مع الأسف كل ذلك حدث بعد ثورة ٢٥ يناير العظيمة والتي تم إجهاضها من جهات كثيرة، وفقد الشعب المصري أي اهتمام بالانتخابات.
بيان الرئيس
كنت فقدت الأمل في هذه الانتخابات، حتى جاء منشور الرئيس السيسي على صفحته بشأن مخالفات المرحلة الأولى، والذي لاقى تفاعلًا واستحسانًا ورجاءً كبيرًا من الجميع، ليكون بداية لإصلاح سياسي كبير انتظرناه طويلًا، إصلاحًا سياسيًا شاملًا يبدأ بالإفراج عن كل سجناء الرأي، وإصدار قوانين انتخابات نزيهة وعادلة وشفافة تعتمد على الوزن النسبي لشرائح المجتمع، وهيئة انتخابات مستقلة فعلًا، وإجراء انتخابات تفرز مجالس نيابية حقيقية لا مسخًا مشوهًا.

الشعب كله تفاعل مع ما كتبه الرئيس، وتفاعلت معه الهيئة الوطنية للانتخابات فألغت نتائج 19 دائرة من أصل 70 دائرة وتفاءل البعض، ولكن: هل ما شاهده الجميع في المرحلة الثانية بالانتخابات في المحافظات يعطي إجابة على كل أسئلتنا من بعد بيان الرئيس؟
ليكون السؤال: هل الواقع أمسى عصيًا على الترقيع ؟!. وهل سنظل في صمتنا، ننتظر مخاضًا آخذًا في التشكل ولا ولن تؤمن عواقبه؟!
ما زلت أتذكر كلمتي في عام 2010: “دي آخر انتخابات مزورة تعملوها!”، فهل يمكن تدراك الموقف قبل فوات الآوان؟
|الآراء الواردة لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة فكر تاني

لا ثقه لنا مره أخري بالعسكر وإن شاء الله دي تكون آخر انتخابات مزوره كلنا هدفنا واحد ومن حضرتك وعلى يديكم نتعلم
الشعب المصري طيب وبينسي وأنا أولهم وطلباتنا مش صعبه نعيش بكرامه وحريه وكلنا ولاد تسعه والمتميز في أي مجال ياخد فرصه وكلنا خايفين على البلد والناس إللي تضررت واتحبست أكثر حرصاً على سلامة مصر لو إللي في المناصب والقصور خايفين عليها هيسمعو كلام استاذ هلال
لكن لا يتم ولن يتم إلا غصب عنهم وهذا ما نخشاه على بلدنا الشعب صبر حتي جاع الفساد السياسي أخطر على مصر من أي عدو خارجي مايحدث سوف ينتج عنه إنفجار كلنا لا نريده
ربنا يحفظ مصر وشعبها