“كارت البطلان في الدرج”.. 5 ثغرات قانونية تهدد بقاء برلمان 2025

وسط حالة من الترقب المشوب بالقلق، انطلق قطار المرحلة الثانية لانتخابات مجلس النواب 2025، اليوم الإثنين، مثقلًا بإرث من الجدل القانوني الذي خلفته المرحلة الأولى.

ومع تقديم المحامي الحقوقي طارق العوضي بلاغًا بوجود رشاوى انتخابية في إحدى الدوائر، تتجه الأنظار صوب محكمة القضاء الإداري التي استقبلت 259 طعنًا شملت جميع الدوائر، مما يضع البرلمان المقبل أمام سيناريوهات مفتوحة قد تصل إلى الحل.

لا تقف المخاوف عند حدود الطعون التقليدية؛ إذ يحذر خبراء من “عوار دستوري” يضرب العملية برمتها نتيجة الفصل بين بطلان المقاعد الفردية والقوائم، وسط كشف قانوني جديد لـ فَكّر تاني عن ثغرة “الرقابة المالية” التي قد تطيح بالقائمة الوطنية وتنسف شرعية المجلس قبل انعقاده.

الإسلامبولي: فوضى الاختصاص ومصيدة الـ 24 ساعة

يفند الفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي المشهد، محذرًا من حزمة ثغرات قانونية وعوار دستوري بالغ الخطورة لا يهدد مقاعد الفردي فحسب، بل يمتد لشرعية البرلمان بكامله.

عصام الإسلامبولي
عصام الإسلامبولي

ويرى الإسلامبولي، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، أولى هذه الثغرات في “الانفصال المصطنع” الذي مارسته الهيئة الوطنية بإبطال دوائر فردية مع تثبيت نتائج القوائم فيها؛ مؤكدًا أن “الناخب واحد، واللجنة واحدة، والظرف الزمني واحد. وأنه إذا فسدت إرادة الناخب أو شاب الإجراءات عوار في الصندوق الفردي، فهي بالضرورة فاسدة في صندوق القائمة”، معتبرًا ذلك مخالفة صريحة لمبدأ تكافؤ الفرص الدستوري.

إذا فسدت إرادة الناخب في الصندوق الفردي، فهي بالضرورة فاسدة في صندوق القائمة.. الفصل بينهما عوار دستوري يضرب مبدأ تكافؤ الفرص.

ويرجع الإسلامبولي جذور هذه الاختلالات إلى هندسة النظام الانتخابي نفسه، وتحديدًا قانون تقسيم الدوائر الذي خلق مساحات جغرافية شاسعة تضم كتلًا سكانية متباعدة، ما يجعل التواصل المباشر مع الناخبين مستحيلًا، وهو ما يجبر المرشحين ضمنيًا على اللجوء للمال السياسي لتعويض هذا الاتساع الجغرافي، وهو ما يفسد العملية من منبعها.

ينتقل الإسلامبولي بعد ذلك إلى الثغرة الثانية المتعلقة بـ “فوضى الاختصاص القضائي”، موضحًا أن هناك خلطًا دستوريًا بين المحكمة الإدارية العليا (المختصة بمنازعات العملية الانتخابية) ومحكمة النقض (التي يُحال إليها الطعن على النتيجة النهائية). ويصف هذا التداخل بـ”الارتباك القانوني” الذي يفتح بابًا خلفيًا للطعن في شرعية المجلس لاحقًا.

أما الثغرة الثالثة والأخطر إجرائيًا، فيسميها الإسلامبولي “مصيدة التظلمات”؛ إذ يمنح القانون الناخب 24 ساعة فقط لتقديم تظلمه، لكن عمليًا يغادر رؤساء اللجان مقارهم فور إرسال المحاضر، وترفض أقسام الشرطة استلام التظلمات، ما يؤدي لرفض الطعون “شكليًا” لعدم اتباع الإجراءات المستحيلة أصلًا.

ويؤكد أن هذه الثغرات مجتمعة تنتج عملية انتخابية مشوهة وغير قابلة للتصحيح، مما يجعل احتمالية “حل البرلمان” قائمة بقوة إذا ما تم تحريك هذه الدفوع بجدية.

مهران والخطيب: شبح “برلمان 2012” يلوح في الأفق

محمد مهران
محمد مهران

يلتقط الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي، خيط الأزمة من زاوية تاريخية مقلقة، محذرًا من أن الطعون الانتخابية قد تعيد المشهد السياسي إلى المربع صفر، مستحضرًا سيناريو بطلان مجلس الشعب عام 2012.

ويرى مهران، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن قرار الهيئة الوطنية بإبطال 19 دائرة فردية دون سحب القرار على القوائم يمثل “ثغرة قانونية قاتلة”.

ويقول إن الاعتراف الرسمي بمخالفات جسيمة في ثلث الدوائر الفردية تقريبًا، والتي أشار إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه علنًا في حديثه عن المشهد الانتخابي، هو إقرار ضمني بأن المناخ الانتخابي في تلك الدوائر كان فاسدًا، مما أثر سلبًا على إرادة الناخبين وحرمهم من التصويت للقوائم أيضًا، وبالتالي فإن نتائج القوائم في تلك الدوائر لا يمكن أن تكون معبرة عن الإرادة الحقيقية.

الاعتراف الرسمي بمخالفات في ثلث الدوائر هو إقرار بفساد المناخ الانتخابي.. وشبح سيناريو 2012 يعود، ومصر لا تحتمل أزمة دستورية جديدة.

ويحذر مهران من أن قبول هذه الطعون وإعادة الانتخابات لن يقتصر أثره على مقاعد محدودة، بل قد يغير التوازنات السياسية وشكل الأغلبية داخل البرلمان، خاصةً إذا شملت الإعادة دوائر رئيسية أو مرشحين مؤثرين، ما يجعل المعركة القانونية حاسمة في تشكيل وجه المجلس القادم.

ويشدد مهران على أن التمييز بين الفردي والقوائم في معالجة المخالفات يضرب مبدأ “المساواة أمام القانون” في مقتل، داعيًا لتدارك الأمر فورًا وتوسيع نطاق الإبطال ليشمل القوائم في الدوائر المطعون فيها، أو تدخل المحكمة الدستورية العليا لحسم الأمر، مؤكدًا أن “مصر لا تحتمل أزمة دستورية جديدة، والحرص على سلامة الإجراءات الآن أفضل من معالجة كارثة الحل لاحقًا”.

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب

وفي قراءة “من داخل المنصة”، يؤكد المستشار أحمد الخطيب، الرئيس السابق بمحكمة استئناف القاهرة، أن الباب مفتوح “قطعيًا” أمام أحكام بطلان الانتخابات.

ويرسم الخطيب، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، المسار الإجرائي بوضوح، مشيرًا إلى أن القانون يمنح المرشح مهلة 48 ساعة فقط من إعلان النتيجة لتقديم طعنه، وعلى المحكمة الإدارية الفصل فيه خلال 10 أيام بأحكام نهائية واجبة النفاذ.

الباب مفتوح قطعيًا أمام البطلان.. والقضاء يملك اليوم الضوء الأخضر لممارسة دوره الرقابي دون أي حرج سياسي.

ويوضح أن مخرجات هذه الطعون تتنوع بين إعادة الفرز وتصحيح الأرقام، أو تأييد النتيجة الحالية، أو الوصول إلى السيناريو الأخطر وهو إلغاء العملية الانتخابية بالكامل في الدائرة وإعادتها.

ويرى الخطيب أن المناخ السياسي الحالي، وانتقادات القيادة السياسية، واعتراف الهيئة الوطنية نفسها بالمخالفات، يمنح القضاء الإداري “أريحية كاملة” وضوءًا أخضر لممارسة دوره الرقابي دون أي حرج سياسي، متوقعًا أن تكون إعادة الانتخابات في دوائر عديدة أمرًا “قريب الحدوث”.

وعن المعضلة القانونية الخاصة بالطعن على “القائمة الوحيدة” التي لا منافس لها، يوضح الخطيب أن الأمر محكوم بتقدير المحكمة لـ “صفة ومصلحة” الطاعن.

ويكشف أنه، رغم الصعوبة النظرية، فقد رُفعت بالفعل دعوى قضائية تطالب بمد أثر البطلان إلى القوائم، ما ينقل النقاش من حيز الجدل إلى ساحات المحاكم. ورغم استدراكه بصعوبة مسارها، إلا أنه يترك الباب مواربًا للمفاجآت، قائلًا: “الباب مفتوح حسب المتغيرات السياسية والحجج القانونية التي قد يقدمها الطاعنون”، ما يعني أن القائمة الوطنية ليست محصنة تمامًا إذا توفرت الإرادة القانونية والسياسية للطعن عليها.

عفيفي: نحن أمام “بطلان مطلق” والحل في إلغائها

يذهب الخبير القانوني محمد عفيفي إلى أبعد مدى في تشخيص الأزمة، واصفًا ما حدث في المرحلة الأولى بأنه ليس مجرد “بطلان نسبي” أو إجرائي قابل للتصحيح، بل هو “بطلان مطلق” ينسحب أثره على العملية الانتخابية برمتها، ويضع شرعية البرلمان القادم في مهب الريح.

محمد عفيفي
محمد عفيفي

ويقول عفيفي، في حديثه لـ فَكّر تاني، إن قرار الهيئة الوطنية بإلغاء نتائج 19 دائرة دفعة واحدة مستندًا إلى ما ظهر من وقائع موثقة بالصوت والصورة، كما حدث في دوائر محددة بالإسكندرية ومحافظات الصعيد، يكشف عن حجم الانتهاكات ومدى تغلغلها في مفاصل العملية الانتخابية، مؤكدًا أن هذا الحجم من الإبطال يهز الأساس الذي قامت عليه الانتخابات بأكملها

ويضيف: “عندما يسقط ثلث النظام الفردي تقريبًا، فنحن لسنا أمام أخطاء فردية، بل أمام خلل هيكلي يجعل البرلمان القادم مولودًا بشبهة عدم دستورية تلاحقه منذ يومه الأول”.

ويحذر عفيفي من أن “البطلان المطلق لا يُداوى ولا يصحح”، مشيرًا إلى أن استمرار العملية بهذا الشكل سيفرز مجلسًا نيابيًا “معلقًا فوق منطقة شديدة الهشاشة دستوريًا”، وقد نرى بالفعل حكمًا قضائيًا بحل البرلمان في حال وصول الطعون الجدية إلى ساحة القضاء الإداري أو الدستورية العليا، لأن ما بني على بطلان فهو باطل.

وفي قراءة سياسية قانونية للخروج من هذا المأزق، يطرح عفيفي حلًا “جراحيًا” واستثنائيًا، يتمثل في اتخاذ قرار شجاع بإلغاء العملية الانتخابية الحالية والبدء من جديد.
ويقترح عفيفي إصدار تشريع لتمديد عمل البرلمان الحالي لمدة عام واحد فقط، لاستغلال هذا الوقت في تهيئة أجواء سياسية حقيقية وضبط المنظومة، لضمان فرز برلمان يعبر بصدق عن هموم الوطن والمواطن، بدلًا من التورط في مجلس مشوب بالعوار.

نحن أمام بطلان مطلق لا يُداوى.. والحل الجراحي هو إلغاء الانتخابات وتمديد عمل البرلمان الحالي لعام واحد لإنقاذ الموقف.

ويختتم عفيفي رؤيته بالتأكيد على أن اللحظة الراهنة هي “اختبار حقيقي” لجدية الدولة في بناء حياة سياسية سليمة، معتبرًا أن الاعتراف بالمشكلة الآن واتخاذ قرار إلغاء الانتخابات، أفضل بكثير من المضي قدمًا في مسار محفوف بالمخاطر القانونية والدستورية.

هيكل: هذه هي “الورقة الأخطر”

من جانبه، يكشف المحامي الحقوقي أسعد هيكل، المحامي بالنقض والدستورية العليا، عن ورقة قانونية جديدة قد تكون المسمار الأخير في نعش البرلمان المقبل، وهي ملف “الإنفاق الانتخابي وتقارير لجان المراقبة المالية”.

أسعد هيكل
أسعد هيكل

ويوضح هيكل، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، أن الخطورة لا تكمن فقط في المخالفات الفردية، بل في غياب الآلية الرقابية التي نص عليها القانون بشكل صريح؛ إذ ألزم القانون الهيئة الوطنية للانتخابات بتشكيل لجان من شخصيات مستقلة لمراقبة الأداء المالي والدعاية الانتخابية للأحزاب والمرشحين.

ويتساءل هيكل باستنكار: “أين هذه اللجان؟ لم يصدر عنها بيان واحد، ولا يعرف أحد هل تشكلت أصلًا أم لا، رغم أنها تمثل جوهر الاستقلال والرقابة على العملية الانتخابية”.

ويُفجر هيكل مفاجأة من العيار الثقيل تتعلق بـ “القائمة الوطنية” التي فازت بالتزكية؛ إذ يؤكد أن “غياب القائمة المنافسة لا يعني انعدام الرقابة”.

ويشرح أن هذه اللجان المستقلة – لو كانت مفعلة – تملك سلطة قانونية واسعة تمكنها من اكتشاف مخالفات مالية قد تؤدي إلى شطب القائمة بالكامل.

ويستدل هيكل على حالة “الارتباك والتشتت” داخل الهيئة الوطنية بالاجتماع الأخير الذي عقدته الهيئة مع الأحزاب السياسية لمناقشة ملف الإنفاق، واصفًا إياه بـ”علامة استفهام كبيرة”.

ويقول: “الهيئة استدعت جميع الأحزاب، رغم أن معظمها لم يتقدم بقوائم انتخابية، والترشح الفردي لا يتم عبر الأحزاب ماليًا. كان يجب قانونًا استدعاء الأحزاب المتحالفة داخل القائمة الوطنية فقط، لأنها الجهة الوحيدة المسؤولة عن دعاية القوائم”.

فوز القائمة الوطنية بالتزكية لا يعفيها من الرقابة.. وغياب اللجان المالية ثغرة قد تؤدي لشطبها بالكامل وإبطال الانتخابات.

ويفصل هيكل المسار القانوني الخطير الذي عطله غياب هذه اللجان، موضحًا أن دورها هو رفع تقارير مفصلة حول الجرائم الانتخابية (مثل تجاوز سقف الإنفاق، التبرعات غير القانونية، أو الرشاوى) إلى مجلس إدارة الهيئة الوطنية. وبناءً على هذه التقارير، تتخذ الهيئة أحد مسارين: الأول إحالة الأمر للنيابة العامة في الجرائم التي توجب الحبس، والثاني – وهو الأخطر – إحالة الأمر للمحكمة الإدارية العليا لطلب “شطب المرشح أو القائمة كاملة”.

ويختتم تحذيره بأن غياب تقارير هذه اللجان يمثل “عوارًا إجرائيًا جسيمًا”؛ فلو ثبت أن القائمة الوطنية ارتكبت مخالفات مالية لم تُرصد بسبب غياب الرقابة، فإن ذلك يفتح الباب واسعًا أمام الطعن على شرعيتها، وهو احتمال واقعي – وليس نظريًا – قد يؤدي إلى إبطال الانتخابات برمتها وشطب القائمة الفائزة، ما يضع الدولة أمام مأزق دستوري غير مسبوق.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة